المقالات والاخبار > مقالات > هيمنة النص الأيديويوجي .. -قبارى البدرى

هيمنة النص الأيديويوجي .. -قبارى البدرى

نشرت بواسطة admin في 26-Oct-2013 14:10 (757 عدد القراءات)
هيمنة النص الأيديويوجي .. إنشاء التاريخ
( 5/1) ـ


من الواضح ـ أن الماضي حاضر بقوة في حياتنا الآنية ، وتجلى هذا الحضور سياسيا في الفترة الأخيرة من خلال التيارات اليمينية ( للدين السياسي ) . وتنوع تجلياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية ، وفرضها صيغة للصراع السياسي ، العنيف غالبا ، بالإضافة لتغليب أيديولوجية تستلهم الماضي وتستدعي رموزه ومضامينه في الراهن السياسي والاجتماعي . ومن ثم فهي موضوعيا تصل المجتمعات بالتصورات العميقة التي تحدد رؤى أفرادها . وبالتالي يصير هذا التاريخ الأيديولوجي ليس خاصا بتلك الجماعات السياسية ـ بل تاريخنا نحن أيضا . لذا ينبغي قراءة هذا النص الموروث قراءة واعية بأبعادها الأيديولوجية ، وروابطها الأصولية .. من أجل فهم واستيعاب جذور الحاضر وتعقيداته . والمؤلف هنا المتخذ كمجال للقراءة هو ( العماد الأصفهاني) كاتب صلاح الدين الأيوبي ، وكتابه هو ( الفتح القسي في الفتح القدسي ) . قد يعتبر نصا خاصا بصاحبه ، محدود التمثيل للعصر والثقافة والزمان والمكان . ولكن مكانته تجاوزت دور الكاتب ( الفرد) في العصر الحديث ، فهو قاض ومصاحب للسلطان الأيوبي في غزواته ، وتولى ديوان الإنشاء ـ الذي يعد المؤسسة الرسمية الثقافية الأولى ، فهي التي توثق مراسلات الحاكم وتتلقى المكاتبات ، وتوثق الحوادث ؛ ففي مجتمع إقطاعي تتركز فيه السلطة ، وتتمحور حول السلطان أو الخليفة أو الأمير ـ يرتبط النشاط الثقافي بالسلطة ارتباطا وثيقا لافكاك منه ، ومن الصعب أن يغامر قاض ( وهو منصب ديني ) بالابتعاد عن البلاط ، وأن يوصم بالتمرد والمروق ، وابتداع نص لا فضاء له ، بل وجد نفسه في إنشاء هذا النص الذي يدون انتصارات السلطان الناصر ، وفتوحاته لاسيما وقعة ( حطين ) وتحرير بيت المقدس ، والانتصار على الفرنجة . لم يكتف العماد الأصفهاني بالتسجيل ـ شبه اليومي ـ لتحركات جيش السلطان وعسكره ، بل أنشأ نصا يرسم الهوية الدينية ، ويؤكدها من خلال استبعاد الهوية الأخرى ، وأتاحت له الحرب الصليبية المستعرة منذ عقود طويلة ـ إنشاء تاريخا لمفردات العداء التقليدية ـ و المتشحة بأردية عقدية يتقنها القاضي ذو الثقافة الدينية ، ويصوغها في أدب تاريخي ، يدفعنا لتسمية مؤلفه بالإنشاء التاريخي : إنشاء بمعنى الصياغة والصنع الكتابي ، وبمعنى الاختراع أيضا و الابتداع المجاوز للواقع . فالأيديولوجية ـ رؤية العالم حسب فرانسوا شاتيلييه ـ توجه النص ، ومن ثم تنشئ تاريخا ذاتيا لا موضوعيا ، وإن حاول القاضي إظهار حيدته كمسجل للحوادث والوقائع يوما بيوم . لأن العالم ، وفقا للأيديولوجية في مؤلف شاتيليه [ تاريخ الأيديولوجيات ] لايتضمن المعرفة فقط ، بل يتضمن الأهواء والرغبات والممارسات . وهذا مالم يشذ عنه مؤرخو الحقبة المشار إليها : الحروب الصليبية ـ سواء من المسلمين او من الفرنجة الصليبيين ( قاسم عبده قاسم 1995).

ـ 2ـ لقد كان الطابع الديني يسم الحياة في هذا الزمن الفارق : أفول الدولة الإسلامية القوية ، وتفكك إمبراطوريتها ـ في نفس الوقت الذي يشهد استعداد أوربا لتوديع الماضي الإقطاعي ، وتململها من الانقسام والتفكك . وفي هذا السياق المعقد الملتبس تبرز الأيديولوجيا كمنظومة تجسد التلاحم لصور وأفكار ومبادئ أخلاقية وتصورات كلية وأنشطة وفعاليات جماعية وطقوس دينية وبنى قرابة وتقنية بقاء ونمو وتعبيرات فنية وخطابات أسطورية أو فلسفية وتنظيمات سلطوية ومؤسسات ونصوص وسلوكات .. منظومة غرضها أن تضبط ، داخل الجماعة أو الشعب أو الأمة أو الدولة ـ بشكل عام ـ العلاقات التي يقيمها الأفراد مع ذويهم ، ومع الأشخاص الغرباء والطبيعة والخيالي والرمزي والآلهة والآمال والحياة والموت . لأنها ـ أي الأيديولوجيا ـ كما يقول فيورباخ : خيال مطمئن ينظم تعقيدات الواقع وتناقضاته . أو كما قال ( ماركس) : تبرير أخلاقي وستار عقلاني أو نكهة روحية تنشرها الطبقة الحاكمة لتسويد سيطرتها .

ـ 3 ـ وتبرز الأيديولوجيا واضحة من خلال اللغة ـ في كتابة (العماد الأصفهاني ) ، وتعبيراته العابرة كقوله ( ذكر كنيسة قمامة ) ص118 ضاربا عرض الحائط بالإيحاءات المهينة لللفظ المضاف للكنيسة المقدسة ، وهي كنيسة أقدم وأسبق من الحملات الصليبية ، ذات البعد السياسي أكثر منها ذات بعد ديني . في نفس الوقت تعمد الكتابة المصاحبة للسلطان إلى استلهام الفضاء العقدي عند الإشارة للسلطة : ( فما ادخر الله فضيلة فتحه إلا لآل أيوب ) ، فتجعل الأحداث التاريخية مرهونة بإرادة إلهية ـ توجه عنايتها للأسرة الأيوبية التي ينتسب إليها السلطان . لأن التاريخ مرتبط بالإله الذي يسيره كجزء من الأقدار . والبشر وظيفتهم انتظار الترتيب الإلهي ، والاستفادة منه . وكأن التاريخ ترتيب سماوي في جوهره. والسماء تمن على الأرض بعطاياها للمؤمنين ، وتنزل نقمتها على الكافرين . لاسيما إذا كانت الأرض المستجيبة للسماء أرضا مقدسة أيضا : فهي ( مزار أبدال الأرض وملائكة السماء ) والأبدال درجة عند الصوفية للأولياء النورانيين ، يتوجهون للأماكن التي تشد لها الرحال ( كالكعبة والمسجد النبوي بالإضافة للمسجد الأقصى المشار إليه) . وهذا المسجد الأقصى ـ كما يقول الكاتب : ( أسسه داود و وصى به سليمان ، ولأجل إجلاله أنزل الله سبحان ) . و ضمن هذا النهج في الخطاب يستمر الكاتب : نزعة دينية صوفية ، وتعبيرات بلاغية بديعية ، فيقول أيضا ( قلب الكفر قد وجب ، وحزب الشرك قد شارف الشجى والشجب ) ليثبت الدين كمحور للصراع ، والخطابة كجوهر للكتابة .

ـ 4ـ الدين انفعال إنساني إزاء الطبيعة بشكل أساسي ، والخطابة انفعال ثقافي إزاء اللغة . لذا اختلط الحماس الأدبي بالحماس العقدي ( وظهر للإسلام الفتح ، وللكفر الحتف ) ص126 . فينظم البديع رؤية العالم المنظم في ذهن الكاتب . وبالجناس ( تشابه الأحرف ، والسجع بالإيقاع المنتظم ) يعكس الترتيب الكوني في رؤية العالم ، لأنه عالم يسير بترتيب إلهي ، متراتب حسب إرادة علوية : مؤمنين إزاء كفار ، وهذا مايبرزه الطباق ( التضاد بالمقابلة تظهران التناقض بين المعسكرين ، بينما الجناس يظهر انتظام الثقافة وصيرورتها المستقرة من خلال اللغة ، على الأقل في ذهن المنشئ ) إن الاستخدامات البلاغية ، وما تتضمنه من بديع وتصوير ومجاز وإنشاء ، ليست مجرد زينة لفظية ـ بغرض الإمتاع ، وتزيين الكلام .. بل توافق مع المحتوى . وانسجام مع المضمون ـ بوعي أو لاوعي المؤلف . لايهم .. مادام النص صار معطى له وجود خاص انفصل عن منشئه ومصدره . ومن خلال آلياته الأسلوبية القادرة على التعبير عن الفرح بالتمكين والثقة ( كمل المراد ، وكلم المراد ، وثغر الثغر ، وأمر الأمر )

ـ 5 ـ لا يمنع الانحياز لمعسكر المسلمين ـ أن يرسم النص مسافة بين ذات المؤلف و الحوادث الحاصلة . لعل الكتابة الأدبية وتماسها مع روح الفن ، أيقظت ذاتية الكاتب ، فدفعته لتدوين نقد لبعض سلوكات السلطة السياسية ـ على استحياء ، في مواقف معينة ـ كتصريف أموال السبي وتوزيع الغنائم ( ولو حفظ هذا المال حق حفظه ، لفاز منه بيت المال بأوفر حظه) . ويبدو أن موقعه المتميز من السلطان يسمح له بتوجيه مثل هذا النقد . لأن الالتفات للأموال أولوية لديه ، فلا يتردد في إيراد ذلك بصراحة ( فقلت للسلطان : هذه أموال وافرة ) ص135 . ويشفع ذلك بإبراز منزلته : ( فوصلني السلطان عند وصولي بأجلى بشاشة ) . و يقول معتزا بوظيفته ككاتب : ( فما شبهت قلمي إلا بشائر أرى البشائر ) و[الشائر]: هو المستخرج العسل من خلية النحل . يريد أن يثبت لقلمه دورا محوريا في معركة السلاح الدائرة . وحومة القتال لا تنسيه ذاته ككاتب مرموق ( وفيهم ـ من الخطباء ـ من عرض على خطبته ، وطلب مني نصبته ) أي : تأييده . وتصل العلاقة لدرجة الخلاف الهادئ ـ بين الكاتب والسلطان ، أو القاضي المتدين بتعصب والقائد السياسي ، فالأول يرى جواز نهب أموال الكنائس ، والثاني أعطى الأمان ويحفظ الأيمان التي قطعها : القائد السياسي توجهه اعتبارات المصلحة ، و ملابسات الواقع المعقد ، وخبرة الحياة الحية .. بينما الكاتب / القاضي تسيطر عليه الثقافة الدينية بتصوراتها المجردة عن الآخر ، في النصوص ، وفي الماضي . فالوازع الديني عنده لايبالي بإنسانية الآخر ( وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة ) ليثبت المقابلة والمجاوز ـ المتجاوز لأخلاق الرحمة . فالإنشاء الفني يبرز الذاتي ويضخمه ، ويسجل تاريخه الخاص ـ الأيديولوجي : ( وتولى الفرقان وعزل الإنجيل ) . ـ 6 ـ سقط التاريخ في الإنشاء الفني ، بذاتيته المؤدلجة ، وثقافته المنحازة ، واحتفاله بالتعبير والأسلوب ـ وصارت الموضوعية التاريخية في مقابلة وتناقض مع الخطاب البديعي . أي أن البديع يزاحم التاريخ : ( تحنف الهداة وهدي المتحنفون ) . وكأنه يلخص الصراع من بدايته لنهايته . فالنص مغلق برؤية قدرية مسبقة للعالم . وما الحوادث الواقعة إلا تأكيد لهذا الترتيب المسبق .

قباري البدري السويس ـ في 25 أكتوبر 2013

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة معضلات انتفاضة 25 يناير 2011 و 30/6/2013 سيرك الأجور فى مصر الموضوع السابقة
تقييم 1.96/5
تقييم: 2.0/5 (104 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع