المقالات والاخبار > مقالات > التاريخ الآخر - قبارى البدرى

التاريخ الآخر - قبارى البدرى

نشرت بواسطة admin في 16-Nov-2013 14:30 (715 عدد القراءات)
( التاريخ الآخر) رجوعا لفرانسوا شاتيليه ( تستلزم الأيديولوجية ـ حتى لو فهمت بمعنى واسع ـ وجود سلطة قرار مركزية ودائمة تنظم وتشرع للجماعة ) ج1 ص9 . نستطيع الزعم بأن صاحب ( الفتح القسي في الفتح القدسي ) ظل مخلصا ـ على الأقل على مستوى النص المدون ـ لأيديولوجيته ومن ثم لسلطانه في نفس الوقت . ويتساءل ( شاتيليه) : هل الأيديولوجية من أقصاها إلى أدناها نتاج مقصود أو لاشعوري ـ وظيفي أو بنيوي للسلطة ؟ يجيب ( العماد الأصفهاني) الكاتب عن السؤال بالإيجاب بلسان حاله ، وبلسان مقاله ، فيقرر كافة التصورات بل والأساطير الشائعة في وقته عن المسجد الأقصى والعدو الصليبي وعن السلطان وجنده وعن التاريخ وصنعه . ـ 1 ـ الإسلام الأول في صدر الدعوة المحمدية جاء كثورة سياسية على نظم قديمة صارت بالية ، وأراد عبر خطاب تأسيسي ( القرآن والسنة ) تأسيس سلطة أكثر مدنية ، و يمكن استعارة كلام ( ميريام ريفولت دالون ) : تقف على مسافة متوسطة ( agora اليونانية ) من سكان المدينة حول الساحة العامة . وهو ظهور يرتبط أيضا بثورة ثقافية تختص بتنظيم العالم ( الكون والحيز الطبيعي ) ويؤشر إلى قطيعة بين النظرة الأسطورية القديمة ، والإدراك العقلاني ( سلطان البدايات ـ بحث في السلطة ) . يتأكد ذلك من الدفع بوصايا مثالية ـ تضفي على السياسي طابعا أخلاقيا ، وتخفف حدة الطابع العسكري للغزوات ، لتحول دون العنف المصاحب لها كي لا يصير عنفا مجردا ، يكرر مآسي ( داحس والغبراء) و( البسوس) . ويمحو بالتالي تمايز السلطة الإسلامية التي بشرت بالعدل والمثل العليا ورسالة السماء ، وتستعيد في الذاكرة دعوات الرسل المباركين ( إبراهيم وموسى وعيسى) الذين كانوا في صف الإنسان وحياته وسلامه ( لاتقتلوا شيخا مسنا أو عابدا ، ولا امرأة ولاطفلا ، ولاتردموا بئرا ولاتقطعوا شجرة ) يوصي النبي محمد الجيش المقاتل ، مذكرا برحمة المسيح ، واحترام موسى لحقوق الإنسان ,,, وواصل أصحاب النبي ـ خصوصا عمر وعلي ـ هذا النهج ـ فعاقب (عمر ) قائده الناجح ( خالد بن الوليد ) الذي أفرط في استخدام العنف أثناء حروب الردة . أرادت العقيدة أن تؤسس تاريخا ينقذ الإنسان من الدمار والقسوة والانتهاك ، وتلجم نزوات السياسة وإغواءات السلطة وجموح القادة والأقوياء . ـ 2 ـ هيمنة الأيديولوجيا بتناقضاتها ـ وسمت سلوك أصحابها بالتناقض : فلم تعر أذهانهم الوصايا النبوية المثالية التفاتا ، بل استمدت تاريخا آخر للقسوة لتؤكده في حاضر الحروب الصليبية ، وتحتفل بإعجاب بالانتصار على الفرنجة ببيت المقدس والاحتفال ب ( المسجد الأقصى من تأسيسه ، وتطهيره بعد تنجيسه ، وإخراس ناقوسه ، وإخراج قسيسه ) الفتح القسي ص140 قد يعذر الكاتب السلطاني في حدة خطابه الطائفي ، لأنه مشحون بالغيظ من المستعمر الأجنبي الذي مارس القتل إزاء سكان القدس العرب المسلمين عند اقتحام المدينة أول مرة . ولكن القهر الفرنجي للسكان لم يستثن أحدا بما فيها من اليهود والمذاهب المخالفة ـ حتى نصارى المشرق والبحر المتوسط . رد الفعل تجاه الغزو العسكري أخذ طابعا عقديا .. فلم يقابل السياسي بالسياسي ، ولم يدحض العسكري بالعسكري ، بل اكتسح الوجود الديني البشري والمادي والرمزي ، وطال هذا الخرق الجانبين ، ليصير سمة الصراع .. ولكن التناقض ظاهر في الخطاب الذي يمتلك رصيدا من ماض يدعو للتسامح ، ويزعم تفوقه المثالي على الآخر المتعصب !!! والخرق وارد من سورة الجنود وتدفق العوام ، والمحرومين . أما القادة في الصفوة الحاكمة وحاشيتهم من المثقفين ـ فالاندفاع الهمجي يصبح ليس تناقضا ، بل خرقا خارقا للتأسيس : تأسيس الدولة وتأسيس الأيديولوجيا معا ، مما ينذر بتأزم بنيوي مبكر ـ ظهرت معالمه وثماره لاحقا . ( وقالوا : محل قدم المسيح ، وهو مقام التقديس والتسبيح وكانت فيها صور الأنعام مثبتة في الرخام ، فأمر السلطان نقابها في حجابها ) ص141 ـ لأننا لو سلمنا بأن التسامح مظهر للقوة ـ الحضارية وثقة السلطة بنفسها ، فالتعصب والضيق ذرعا بالآخر ، والاستهانة برموزه ـ دليل الضعف ( المعنوي ) وهشاشة الثقة بالبنية المعنوية ... تلك البنية التي كانت تبشر في تأسيسها باستيعاب الآخر ، ولا تني تؤكد ذلك عبر مراحل زمنية متكررة . والحق أن السلطان نفسه ـ كان حريصا على إبراز هذا الميل للتسامح في مواقف نادرة ـ تتقاطع مع النصين السابقين ، وكأنه في صراع داخلي لا يملك حياله إلا أن يترك نفسه لردات الفعل ، ولتطورات المواقف ، وإملاءات الظروف وانفعالات اللحظة ( وعين العادل للمدرسة الكنسية ، وعين دار البطرك للرباط ،... وأمر بإغلاق كنيسة قمامة ، وحرم على النصارى زيارتها إلا الإلمامة ) ص145 ـ 3 ـ هذا التصرف من السلطان ( المتدين ) يرسي تاريخا مختلفا في نظر الكثيرين ، على الأقل مختلف عن التاريخ السلطاني نفسه ، المنسوب للسلطان صلاح الدين ، الشائع عنه التسامح والكياسة مع ( ريتشارد قلب الأسد ) والمرأة التي اختفت ابنتها ، ومع الفرنجة الذين عجزوا عن دفع الديات والمغارم . يقف مقابل ذلك النص المتسامح ـ هذا النص الرسمي ( من الكاتب الرسمي للسلطان ) . والذي يقرر: ( وأقام السلطان على القدس حتى تسلم ما بقربها من حصون ، واستباح كل ما للكفر بها من مصون ) ص150 . وسيطر هذا الخطاب الإقصائي على النص التاريخي ـ من خلال الأسلوبية البلاغية . التي ترسي المعطى النصي بشكل منته ـ فتعطيه البلاغة سلطة التمكين . في شكل من أشكال الخداع والمراوغة : يقدم المضمون الذاتي المتسم بالعدوانية من خلال التلاعب اللفظي ( السجع والازدواج) ليصك حقيقة فكرية / لغوية في الآن نفسه . ( وممن أسر فخسر قمص عظيم ، بل شيطان رجيم ، فترك في قيد الإسار ، ليكشف عن حاله بالنهار . وكان الملك الظاهر غازي لم يحضر فيما تقدم ، فرأى قتله ) في مخالفة لتوجيهات المراجع الدينية الأولى : الرسول وصحبه ـ التي اصطلحت على صون دماء رجال الدين ! ـ 4 ـ ومن الممكن تحليل هذا السلوك العدواني ، والدفع بأنه تجل طبيعي للانتماء الديني (السماوي ) الإلهي ـ المؤسس على إقصاء العقائد الأخرى . لأنه ينسخها أو يعلو عليها ـ لاسيما الديانات التي لا تمت بنسب إلى السماء ـ والتي تشمل كل العقائد خارج شرق الجزيرة العربية . أما الديانات المنسوخة بالإسلام فهي لا تستحق الاعتراف ـ لما نالها من( تحريف ) وابتعاد عن جوهرها النبوي الأول . وبالتالي لم يبق إلا الدين الباقي ، والعصبة المؤمنة الحقيقية ( المسلمون ) .. ومع النجاحات والانتصارات والغزوات المتفوقة تأكد النصر المعنوي للعقيدة الإسلامية ، والهزيمة الماحقة للكفر . وليس من قبيل الموضوعية إيراد الهزائم التي لحقت بجند السلطان ، بل من قبيل الواقع الذي يضطر الأصفهاني لتدوينه . أيضا من قبيل تناقضات النص النابع من تناقض الرؤية المتعصبة الطائفية للعالم : الرؤية التي تتجاهل المشترك الإنساني ، ولاتلتفت إلا للاختلاف . لا يتورع العماد عن الإقرار بالانسحاب وفشل التخطيط : ( ومازالوا بنا حتى رحلنا ، وعلى الرأي الرائب منهم أحلنا ، ولو أقمنا لنقمنا ، وقمعنا العدو وقمنا ) ولكن لايصل لمرحلة التساؤل بعد الإقرار ، ولا تدع الشك يتسلل إلى عقله الطائفي وقلمه . فالثقة في البنية العقدية مطلقة رغم النكبات : كمقتل ( محمود ) أخي ( جاولي) على يد أصحاب حصن ( كوكب ) الصليبي قباري البدري السويس في 13/11/2013

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة سيرك الأجور فى مصر كيف صارت مصر مستعمرة أمريكية الموضوع السابقة
تقييم 1.93/5
تقييم: 1.9/5 (71 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع