المقالات والاخبار > فنون واداب > قصه قصيرة > يوما ما حملت بندقية- أحمد مهران

يوما ما حملت بندقية- أحمد مهران

نشرت بواسطة admin في 10-Dec-2013 08:10 (868 عدد القراءات)

يوما ما حملت بندقية
كان يجلس امام تلفازه الصغير يشاهد احتفالات حرب اكتوبر هذا العام …لن يفوته الاحتفال كيف لا وهو احد ابطالها …منذ اربعين عاما وهو يذكرها تماما بتفاصيلها …فمني ينسي
-الشاي يا مني
مني اكبر بنتيه اللتين لم ينجب سواهما …للاسف تخرجتا من كليات تعد تحت القمة بقليل ولكن لا فائدة …انهم يجلسون معه في البيت بلا عمل …بلا هدف …بلا …زوج …وكانهما ارملتان في الستين ينتظران معاش كل شهر …تماما كابيهما
-اسمك ايه يا دفعة
-فهمي عبد الغني
-وانت
-علي رافت
-تمام …تمام
-يارب نحارب باه ونخلص من القرف ده …هنقعد مستنيين كتير ؟
نظر المجندان لبعضيهما عجبا من سذاجة المجندين الجديدين
-انتوا عارفين احنا من سنة كام
-!!!
-64
-يا نهار اسود !!!
-اه 64 …دخلنا ضباط واول ما كنا هنخرج حصلت النكسة …واوبا محدش هيطلع الا لما نحارب ..دول عشرين سنة
-عشرين سنة
-اه ايه المشكلة …ماحنا قعدنا عشرين سنة قبل النكسة نقول هنحرر فلسطين ومعملناش حاجة …اهو حتي ارضنا اتاخدت
طوابير كل يوم …الصحو والنوم بميعاد …كل يوم جري 12 كيلو حتي ازداد هو ورفيقه نحافة علي نحافتيهما …في مرة من المرات تاخر علي طابوره خمس دقائق كاملة ,هنا ميدان المعركة ,حيث لا رحمة …وحيث الحسنة تخص والسيئة تعم ,وحيث تنسحق المصلحة الخاصة امام المصلحة العامة …ما معني ان يتاخر مجند عن الطابور خمس دقائق
في اخر اليوم قام قائده بامره بان ينظف الحوش تماما
-تمام يا فندم …فين الادوات
-طب تعال معايا
ظل يسير وراءه في مسافة احسها طويلة جدا وكانه يدري جيدا ما سيحدث له …جدا
-اتفضل ادي ادواتك
-معلقة !!!
-اه
-بس يافندم
فاذا صوت كاد يخرم طبقة اذنه ويتطاير له ما تبقي من شعر راسه الحليق
-انت بتناقش الاوامر يا عسكري
-حاضر يا فندم …اسف
-ياللا امشي والا هزودلك الجزا
طبعا خرج (يبرطم) بصوت خفيض للغاية …والله يعلم ماذا ستكون عقوبته لو كان قائده قد سمعه لحدث ما لا يحمد عقباه …خرج زملاؤه قبل ميعاد النوم لكي يتاملوه ويروه وهو منهك القوي وقبل ذلك قليل الحيلة …..(معلقة …انضف الحوش بمعلقة …مجنون القائد ده والله مجنون) …طبعا قيل هذا الكلام …في السر …كان يشاهد (علي) وهو لا يكاد يتماسك من الضحك
-ماشي يا علي …بس والله لما نرجع من الاجازة
تمام يا فندم …هكذا كان وضع المعسكر كله …عناك زيارة للرئيس ولابد ان يكون الكل علي اهبته
جاء الرئيس ببدلته العسكرية والحق انه كان متواضعا ,بشوشا, ولقد رحب الجنود به ببساطة متناهية تنفي انه استقبال مجندين لقائدهم الاعلي ….كانوا في الصفوف الخلفية والرئيس يتكلم ووسط الكلام بالطبع كان يصفهم باولاده دائما ….يا (ولادي) انا مش مجرد قائد بزرو المجندين …انا اب بيطمن علي اولاده ومش مستريح لما يعانونه من انتظار للحظة الحسم …يا ولادي …يا ولادي ….الخ
قال علي بصوت متوسط النغمة (ولادك وملطوعين اللطعة دي …ده علي كده احنا ولاد كلب باه)
-بس اسكت يا علي الله يخرب بيتك ايه اللي انت بتقوله ده
-يا فهمي انت مش شايفه بيقول ايه …ولادي …ولادي …عايزين نخلص باه
-طب اخرس باه …اخرس خالص
بعدها بثلاثة اشهر كانت زوراقهم تنطلق بسرعة علي موج القناة الهادي البطئ …والضرب متوالي لا يعرف الرحمة …والمدفعية تقصف اماكن تحصن العدو بدون تمييز بين الجنود المهاجمين والمدافعين …كان معه كالعادة في زورقه ,زميل عمره …علي …ووسط كل هذا الضجيج والدم والمدفعية الثقيلة …عبروا …اخيرا , وبمجرد عبورهم الي القناة انطلق رفاق الزوارق الي خط الدفاع الاول
-هيييييييييه ,عدينا يا علي ,عدينا اخيرا ..بعد انتظار طويل
وظل يحضن فيه بشدة …يا علي خلاص باه يا عم …ياللا نكمل ….انا مش مصدق يا فهمي …اخيرا …وفي اثناء ذلك انفجرت بجوارهما قنبلة ,انطلقت شظاياها لتسكن في جسده هو …جسد علي لا فهمي
-علي …مالك …مالك يا علي …لا اله الا الله …لا اله الا الله …لا اله الا الله
قالها وهو يمدد جسد علي بهدوء
-رد علي يا علي …عدينا …عدينا خلاص …والله لنطلع ايمان ولاد ال…. ده …يا علي رد …رد ابوس ايدك
ووسط توسلاته لرفيق عمره ان يصحو ليكمل معه مسيرته سمع صوت قذيفة كادت ان تخرق اذنه وفورا نظر لاتجاهها فاذا هي تصيب زورق (مينا ميخائيل وشريف عبد النبي) وتختلط دماءهما معا
-شريف …يا مينااااااااااا
اختفا الجسدان الطاهران تحت المياه مخلفان وراءهما لونا احمر قد اختلط بالمياه …فلا تدري هل هي المياه احمر وجهها غضبا ام انه شراب شابين قد زفا توا للجنة …نظر فورا ناحية العدو وبكل صوته الذي حمل غضب الدنيا بكل مخلوقاتها التي نالها ظلما صرخ …اه ياولاد الش …. .,اه يا ولاد الكلب يا كفرة والله لاوريكم
-اتحطينا في المازق ده ازاي يافندم
-اوامر سيادة الرئيس بتقديم قواتنا عشان الضغط علي اليهود ..عشان العجز في الجبهة السورية
-طب وبعدين
-ولا حاجة …احنا الان محاصرين …,هنقاوم حتي الموت …مفيش خيار تاني
كانت ايام عسيرة لا يعلم بها الله …اصوات الضرب والمدفعية …النوم بعين مفتوحة , لا يجد طعاما الا بعض الثعابين والعقارب التي تعامل مع الصنف الثاني وكانها جمبري …اي نوع من الرفاهية التي حرم منها طويلا (ممم …الاكل البحري اصبح له رفاهية رغم انه سكندري …ياللهول) …ايام سوداء لم يعرف لها راحة …يري زملاءه وقد قضي نحبهم اما بقنص من الاعداء او بشظايا قنبلة القيت قريبا منهم …لم ينس يوما وهو يري زملاءه الابطال وهم يصطادون دبابات العدو …لقد قهروها تماما واوقفوها عند حدها ….وتوقف اطلاق النار , وتوقف الخطر علي حياته وحالة انقطاعه عن الحياة الطبيعية ,,,وعاد الي المدينة وليته ماعاد
لا شئ جديد …من وقتها وجد نيكسون وقد اتي لمصر ومن قبله وزير خارجيته ووجد قائده وهو يعلن ان مصر ستصير مثل امريكا خلال خمس سنوات وانتظر طويييييييييييلا …ولم تعد مصر كامريكا بل صارت مصر في هذا الزمان حلم صعب المنيال للوضع الحالي …يومها حزن كثيرا يوم ان راي ان غنائم الحرب لم تذهب الا لبعض القطط السمان ثم رجال الاعمال …سمع عن سيناء بعدها عبارة عن فنادق ومنتجعات يذهب اليها البعض وفقط …وكان الجيش الذي حوي رفاقه من كل الطبقات جاء ليعيد سيناء لتكون مجرد سبوبة وجني ارباح لرجال الاعمال …اما ان نعمرها او نحميها بقواتنا حتي لا تسلب مرة اخري …لا لم ير هذا …بل ان الوطن اصبح سيناء كبيرة ..مرتع للقطط السمان واصحاب السبوبة , يومها تذكر (علي) وهو يقفز فرحا في لحظة لمس اقدامهم لرمل سيناء :(( …هل مت يا صديقي لاجل هذا ؟ …لا شئ جديد …هو مجرد مدرس تدرج في سلم التعليم حتي صار مدرس اول بمعاش قليل ,لديه بنتان كلتاهما تخرجتا من كلية محترمة …وهما مقيمان معهما في تلك الشقة البائسة دون امل في تغييرها , دون زوج حتي (بارتا) في حضنه , تذكر يوم زيارة بيجين لاول مرة لبلاده يوم ان سمع في عهد الظلاميين انهم يريدون بيع سيناء كوطن بديل للجيران , بكي بحرقتها يوم تذكر مكان حربه وقد تحول لبؤرة ارهاب يلعب فيها رفاق الرئيس كما يشاءون ,كما لهوا في احتقال اكتوبر في حضرة الرئيس وهم في مثل هذا اليوم منذ 32 عاما قد ارتكبوا فعلتهم الشنعاء التي انهت حياة صانع هذا الحفل.
لا شئ اصبح يشبه الامس ,لا هذا الوطن اصبح وطنه ولا هذه الدنيا اصبحت دنياه …تمر امامه الذكريات وهو يري الاحتفال ثم يجد يدا تربت علي كتفيه
-بابا …الشاي
-اه حاضر يا حبيبتي …انا مركز معاكي والله …متقلقيش …انا زي الفل
أحمد مهران

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة إيما وأنا- بين العتمة والضوء حفر على الخشب – قصة : يوسف ضمرة الموضوع السابقة
تقييم 2.21/5
تقييم: 2.2/5 (70 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع