أحمد عبد الحليم حسين

فكر "النهضة المصرية فكر مكُّيف" (من التحرر الوطنى إلى التحرر الفكرى )

نشرت بواسطة admin في 06-Mar-2014 07:10 (763 عدد القراءات)
فكر "النهضة المصرية فكر مكُّيف"
(من التحرر الوطنى إلى التحرر الفكرى )

بقلم/أحمد عبد الحليم حسين

فكر " النهضة " هو التعبير الذى استخدمته الطبقة البرجوازية المشكلة فى أوائل القرن التاسع عشر فى مصر ، اى فى الشروط التاريخية التى بدأت فيها عملية تكوُّن ثم سيطرة هذه الطبقة فى البنية الاجتماعية المصرية الملحقة بالإمبريالية العالمية من موقع التبعية واللا تكافؤ. إذن فـ " النهضة الفكرية " هى ولادة فكر البرجوازية التابعة فى المجتمع. فهل كانت ولادة فكر هذه الطبقة ولادة ثانية للفكر العربى أى ولادة فكر جديد؟.
إذا نظرنا إلى النهضة الأوروبية نجد أن فكر البرجوازية فيها وجد فى " القطع المعرفى " مع الفكر السابق ، اى مع فكر الطبقة الإقطاعية المسيطرة السابقة شرطا أساسيا لولادته الطبقية ، لأن هذه البرجوازية - الطبقة الجديدة الصاعدة – وجدت فى تحويل علاقات الإنتاج الإقطاعية وفى القضاء عليها شرطا أساسيا لولادة نمط الإنتاج الرأسمالى ، فكانت بذلك فى ولادتها الطبقية ثورية فى حقل الفكر كما السياسة والاقتصاد والاخلاق والفن وكافة مكونات البيئة الفكرية وتجلياتها فكانت فى هذه الولادة ولادة فكر جديد. ولكن مفهوم " النهضة " المصرية لا يتضمن هذه الولادة بل يتضمن " نهضة " الشىء نفسه من ركود او خمود او هى النهضة بهذا الشيء نفسه بعد تهذيبه او تجميله وتعقيل ما يحتاج الى تعقيل.
لم تكن نهضة الطبقة البرجوازية التابعة لاحتياجات تطور وتوسع واستغلال الإمبريالية ولادة فكر جديد ، ولم تجد ضرورة القطع مع فكر الطبقة المسيطرة السابقة ، وما كان لها ان تقوم بما تعجز عنه بسبب طبيعة تكوينها التاريخى ولسبب من طبيعة علاقات الإنتاج التى أنتجتها والتى هى فيها المسيطرة. ولسبب جوهرى ان هذه البرجوازية هى فى جوهرها الطبقة المسيطرة السابقة ، أتت منها بتحول داخلى " تكُّيف " مع الشروط الجديدة التى أحدثها الإلحاق الإمبريالى للبنية الاجتماعية المصرية ، والذى يتطلب ضرورة التعايش فى تحالف تبعى مع الأم الإمبريالية تظل فيه خاضعة لسيطرتها بشكل يمنعها من القضاء على علاقات الإنتاج السابقة التى كانت هى – فى اغلبها – الطبقة المسيطرة فيها. لكن عملية " التكُّيف " الطبقى هذه تفرض من جهة أخرى نوعا محددا من تفكيك علاقات الإنتاج السابقة (الإقطاعية أو شبه الإقطاعية الاستبدادية) يستدعيه تجدد علاقة التبعية ذاتها. وتقع هذه الطبقة الهجين فى تمزق دائم – ومازال – بين ما تطمح إليه من تماثل طبقى بالرأسمالية الأم الإمبريالية هى فى عجز عن تحقيقه وبين واقع فعلى يخالف ما تطمح إليه. فهى بوهمها الطبقى بالتماثل تنتج "فكرها" وباقى عناصر أيديولوجيتها. إنها تتمثل" الأم لكنها تعجز عن "التماثل". لأن التابع لا يتماثل مع المتبوع. وتصبح الرأسمالية الإمبريالية هى المثال والنموذج فى العقل والمنطق. لكن يظل النموذج نموذجا ويظل السعى إلى تحقيقه عجز عن تحقيقه. وفى هذا العجز تكمن المعضلة ، التمثل ، العجز ، التمثل النهضة ، النهضة التكيف. وفى التماثل يجذب الضد (الفكر الإمبريالى) ضده كى لا يكون "ضده" ليبقى التابع تابعا والمتبوع متبوعا. وتغترب الطبقة ويضرب مفكروها فى الهواء لأنهم بسبب برجوازيتهم وأيديولوجيتهم التابعة لا يستطيعون الوقوف على العائق الحقيقى المتمثل فى البنية الاجتماعية الاقتصادية السياسية الفكرية التابعة الذى أنتجها الإلحاق الإمبريالى. ويظهر كأن العائق قدر غيبى. ويصبح التاريخ قدر هو الإغتراب بين التمثل وعجز التماثل. ويصل مفكروها إلى أن العائق فى "العقل العربى" وتدور الأفكار والأبحاث – ومازالت تدور – عن كيفية "تحرير" العقل العربى" ؟
يترتب على عجز البرجوازية التابعة عن المواجهة والقطع أن يضعها وجها لوجه أمام ماضيها الطبقى الذى خرجت منه دون القضاء عليه فيظل ماثلا أمام حاضرها يشهد على عجزها المتجدد ، لأنه دائم التجدد بتجددها هى كطبقة تابعة. وهى تكاد ترفضه لأنها ترى بوهمها الطبقى أنه عائق يحول دون تماثلها بالنموذج الأم ، لأن وعيها الأيديولوجى الطبقى لا يوصلها إلى أن ترى وجودها الطبقى نفسه هو الذى يحول دون القضاء على ذلك الماضى ، بل هو الذى ينتجه لأنه أساسى فى إنتاجها التبعى. لهذا نراها فى تمزق بين ضرورة القضاء عليه وهى فى موقع العجز عن تحقيق هذه الضرورة وبين ضرورة الحفاظ عليه لأنه منها وهى منه. الماضى حاضر والحاضر غائب (لأنه لا يستطيع التماثل مع النموذج الرأسمالى). أهى لعنة القدر أم لعنة التبعية والإلحاق الاستعمارى؟
إن النهضة المصرية الناتجة عن "تكيف" داخلى للطبقة المسيطرة السابقة نفسها بشكل تحولت فيه هذه الطبقة إلى برجوازية تابعة ، كان على الفكر السابق أن "يتكيف" مع هذا التكيف الطبقى ، دون أن يجد ضرورة للقطع مع جذوره الأصلية ، وأن ينشد ولادة جديدة. وعلى أرض هذا التكيف نظَّر بعض مفكرى النهضة "للأصالة" كتبرير لبقاء الفكر السابق فى البنية الحاضرة. وعلى هذه الأرض أيضاً نبت مفهوم "الإصلاح" من حيث هو حركة تجديد الأصل الذى يستمر فيها الأصل بإصلاح ليس فيه قطع أو قضاء عليه. ومع هذه التشوه تشوه الفكر العربى السابق وفقد أصالته (حيث كان أصيلا فى بنيته الاجتماعية السابقة ومطابق لها) بانتقاله من موقع تاريخى كان فيه فكرا لطبقة مسيطرة قادرة على أن تسيطر بذاتها (دون إلحاق من الخارج) إلى موقع تاريخى آخر صار فيه فكر لطبقة مسيطرة عاجزة عن السيطرة إلا بتبعية للإمبريالية. فكان فى سيطرة فكرها المشوه هذا لجم لتطور حركة الفكر الاجتماعى وحال هذا دون ولادة فكر جديد. ويصبح هذا "الفكر المكيف " بالذات ، لا الفكر العربى فى عمومه ، هو العائق الرئيسى لولادة الفكر العربى الجديد. وراجع معى كل إنتاج "النهضة" بدءا من الشيخ رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده وطه حسين (رغم قدره الكبير) والعقاد وسلامه موسى ولطفى السيد إلى زكى نجيب محمود وعبد الرحمن بدوى ومحمد عمارة ، من الليبرالية إلى الراديكالية إلى الاشتراكية غير العلمية ، سنجد أن "النهضة المصرية" هى الشكل التاريخى الذى تحققت فيه "عدم النهضة" المصرية. وأن الفشل يلاحقها منذ بدأت فى القرن التاسع عشر ، ويضلل مفكروها (قاصدين أو غافلين) الوعى الاجتماعى بإسنادهم فشل النهضة إلى "العقل العربى" كما يفعل محمد عابد الجابرى لتغطى على فشلها وفشل الطبقة المسيطرة التى خرجت منها. لقد كان لفكر "النهضة" دور كبير فى نقل الفكر الحديث وأدواته إلى الفكر المصرى الذى كان قد بدأ يتيقظ ، وكان سبب فشل هذا الفكر الناهض ليس فيه بالذات ، بل هو فشل تلك الطبقة التى عجزت عن أن تكون كما أرادها الفكر هذا أن تكون مثيلة للبرجوازية الأوربية فكان فشله إدانة لها. ونحن لا نقف من "رواد النهضة" موقف الجحود بل موقف العلم فى بحثه عن أسباب الفشل. وبمعرفة أسبابه نتجاوزه لأننا نكون قد أحطنا بالمعرفة العلمية للواقع.
ولا يزال النزاع قائما بين إصلاح فكر ماض يفسده مفكرو البرجوازية التابعة بتجديده وبين فكر هو فكر الرأسمالية الأم فى المراكز تتمثل به رأسماليتنا وتعجز عن التماثل معه لاختلاف ظروف إنتاج كل منها كما أن الرأسمالية الأم أخذت تتنكر لأفكارها الطبقية نفسها فى عصر انتصارها على الإقطاع متمثلا فى أفكار الثورة الفرنسية وتنكر هذه الطبقة لتاريخها يدل مع انتقالها إلى الإمبريالية ثم إلى العولمة إلى انتقالها من طور النهوض إلى طور الأزمة. ، ويبقى التنازع أو التمزق الأيديولوجى قائما ، ويبقى ببقائه توحد كافة التيارات الفكرية البرجوازية فى الوقوف فى وجه ولادة الفكر العلمى.
فمتى يتحرر الفكر ؟ يرتبط تحرر الفكر فى مصر بعملية "التحرر الوطنى" الشاملة ، وهى عملية التحويل التقدمى لبنية علاقات الإنتاج القائمة. وهى عملية إنتاج نمط جديد من الإنتاج يوصف بالاشتراكية وتتم هذه العملية بهزيمة الأساس المادى الاجتماعى الاقتصادى السياسى الذى تقوم عليه البنية الاجتماعية التابعة للإمبريالية وفى قلبها وأساسها علاقة التبعية بالإمبريالية وقبول هيمنتها على مقدرات مجتمعنا. والتحرر الوطنى للفكر المصرى هو أيضاً عملية إنتاج له ، تتم بتحويل للفكر القائم بأدوات محددة فى المفاهيم النظرية للدولة والأفكار والقوانين والقيم والأخلاق والتنظيمات السياسية والاجتماعية تنتج معرفة علمية تستطيع أن تتملك معرفيا الواقع الاجتماعى التاريخى لتغييره وينتج هذه المفاهيم والمعرفة العلمية بالواقع لاستكشاف القوانين العلمية (الموضوعية) لتغييره طبقة/حلف طبقى مناقضة تماما لطبقة /الطبقات المسيطرة. وعلى عاتق مثقفيها ومفكريها العضويين يقع العبء. وكل اتجاه عقلانى علمانى ينتجه بعض "شواذ" الطبقة المسيطرة فى مسيرة الصراع الطبقى الفكرى يفيد فى نشر المعرفة العلمية والانتقال العلمى الموضوعى بالبنية الاجتماعية وثقافتها من التبعية إلى التحرر لأن "التحرر الفكرى" جزء من التحرر الكلى ولأن "الفكر" هو من الكل الاجتماعى عنصر هو الحقل الأيديولوجى فيه. من "النهضة المكيفة" إلى "النهضة الجذرية".
تحريرا فى 10/3/2010.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة غازى الصورانى-عصر النهضة عيداروس القصير الموضوع السابقة
تقييم 1.63/5
تقييم: 1.6/5 (64 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع