المقالات والاخبار > مقالات > قراءات كيف تقوم الثورات ؟

قراءات كيف تقوم الثورات ؟

مقدمات الثورة العرابية نموذجا

نشرت بواسطة admin في 27-Mar-2014 10:00 (770 عدد القراءات)
قراءات
كيف تقوم الثورات ؟
مقدمات الثورة العرابية نموذجا
أحمد عبد الحليم حسين
- جاءت حملة نابليون بونابرت لمصر بالفكر السياسى الاجتماعى الأوربى الحديث أى الليبرالى البرجوازى ، وحاولت أن تقيم مؤسسات وأن تسن قوانين على هدْى هذا الفكر ، وأحضرت معها بعثة من العلماء المتخصصين كما أدخلت المطبعة العربية إلى مصر ، ثم جاء محمد على وأقام فى مصر صناعات تعتمد على تكنولوجيا العصر (بعض المصانع الكبيرة ذات الآلات الأوربية الحديثة) وشجع البعثات لتحصيل المعارف الحديثة. لكن بإقامته نظام الاحتكار فى الزراعة والصناعة والتجارة ، دمَّر الفئات الاجتماعية من الحرفيين والصناع والتجار التى يرجع الفضل إليها فى نمو نظام للتبادل السلعى النقدى كان يسمح بقيام إنتاج رأسمالى يمكن فى المستقبل أن ينهى نمط الإنتاج القديم القائم على احتكار الدولة المركزية الاستبدادية لكل وسائل الإنتاج وقوة العمل ، إلى جانب أنه فتح الباب لتسلل رأس المال الأجنبى لمصر وسمح للأجانب بتملك الأرض والعقارات والعمل بالتجارة حتى أنه بعد ربع قرن من انهيار حكم محمد على كان النشاط المالى والتجارى والصناعى كله فى مصر فى يد الرأسمالية الأجنبية مما أغلق الباب أمام نمو طبقة وسطى تجارية وصناعية وطنية وأصبح التحرر من السيطرة الاقتصادية والسياسية المترتبة عليها هو الهدف الرئيسى للحركة الوطنية المصرية. إن الدرس الذى نتعلمه أن "حقن" مجتمع ببعض الأفكار الحديثة أو ببعض الأساليب المعاصرة فى الإنتاج والإدارة ليس دليلا على أن النظام الاجتماعى قد تغير لكن الذى يدلل على تغيره هو استقلال الاقتصاد فى نشاطاته الزراعية والصناعية والتجارية عن رأس المال الأجنبى لينعكس هذا الاستقلال فى وجود بناء ثقافى متكامل جديد ينعكس فى الإدارة والتشريع والتعليم وأسلوب الحياة ، ذلك أن المجتمع يتطور بفعل الصراع الطبقى بين مكوناته الداخلية وفى الأساس بين قوى الإنتاج (المادية والبشرية) وعلاقات الإنتاج عندما تكون هذه الأخيرة قيدا على تطور الأولى (مثل نظام الاحتكار الذى كان قيدا على بزوغ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وبروز طبقة برجوازية تنقل المجتمع من طور أدنى إلى طور أعلى) أو بتغلب القوى التى لا تملك شيئا إلا قوة عملها (الطبقة العاملة وعمال الزراعة وفقراء الفلاحين) على القوى المالكة ممثلة فى البرجوازية للإنتقال من النظام الرأسمالى إلى النظام الاشتراكى. مما يعنى أن المجتمع يتطور بفعل الصراع بين مكوناته الداخلية وفى الأساس بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وفى أيديولوجية جديدة تتطابق مع علاقات الإنتاج الجديدة تزيح الأيديولوجية القديمة المساندة لنمط الإنتاج القديم. أما العوامل الخارجية فقد تعوق انتصار العلاقات والأيدلوجية الجديدة فتبقى على العلاقات القديمة ومن هنا يكون على العوامل الداخلية الجديدة أن تُزيح هذه العوامل الخارجية (متمثلة فى السيطرة الأجنبية على الاقتصاد والسياسة) وهو ما يعنى ارتباط الصراع الاجتماعى بالصراع الوطنى. ومن هنا وطنية القضية الاقتصادية.
- وعلى ذلك فإن تاريخ مصر منذ تأسيس الدولة المركزية المصرية الفرعونية وحتى نهاية حكم محمد على هو تاريخ نظام اجتماعى واحد يقوم على أركان ثلاثة 1- احتكار الدولة لملكية وسائل الإنتاج وخاصة الأرض الزراعية. 2- ملكية قوة عمل السكان 3- ملكية فائض العمل. وأية تغيرات تحدث خلال تلك المسيرة هى مجرد تغيرات كمية لم تؤثر فى حكم الأركان الثلاثة للفترة التاريخية، ولم تتعد هذه التغيرات الإصلاحية غير الجذرية ممارسة الملكية المطلقة والحكم المطلق بحيث تحصل الدولة المحتكرة على أكبر فائض ممكن. والنتائج التى أسفرت عنها الانتفاضات والهبات الفلاحية والجماهيرية التى شهدتها مصر طوال ذلك الزمن كانت تتمثل فى تغيرات كمية كطرد أرستقراطية أجنبية وإحلال أرستقراطية محلية (ذات أصول أجنبية أيضا) محلها أو فرض تعايش بين أرستقراطية محلية وأرستقراطية أجنبية حاكمة على أساس احترام امتيازات الأرستقراطية المحلية والحفاظ على مصالحها. وكانت الأيديولوجية المشرِّعة والحافظة لهذا النمط من الإنتاج هى الأيديولوجيا الدينية التى تُكرِّس لنظام الاستغلال القائم عبر الصيغة الدينية التى كانت تجعل من الحاكم فرعونا أو بطليموس أو والى أو خليفة أو سلطانا أو إلها أو ممثلا له على الأرض وشبكة من المؤسسات الدينية ورجال الدين/الكهنوت يقومون على تثبيت ذلك المفهوم السماوى للحكم وللنظام الاجتماعى (الملكية الفردية مقدسة ويحميها القانون كما فى الدساتير الحديثة) حيث الحاكم أيا كان اسمه مرتبط بالسماء فى عداء حتمى مع العمال والفلاحين والجماهير الشعبية. يحمى هذا كله جهاز بيروقراطى ذو ذراعين أحدهما إدارى والآخر عسكرى لتأمين استمرار نظام الاستغلال القائم واستخراج الفائض (الخراج ثم الأرباح فى النظام الرأسمالى) ، وكان ظهور حركة علماء الأزهر منذ النظام المملوكى هى أول قيادة وطنية مصرية تستند إلى العناصر والفئات المتقدمة اجتماعيا من التجار والحرفيين كانت تقود الهبات الفلاحية والحرفية لكن كانت من جهة أخرى تُستخدم من قبل الحكام لفك وإنهاء تمرد المتمردين وعقد تصالح بينهم وبين مستغليهم نظير أملاك زراعية واسعة ومنْحهم مزايا الملتزمين وإدارة الأوقاف ، وبذلك لم تكن حركة علماء الأزهر تمثل محاولة لتغيير علاقات الإنتاج السائدة (والتى هى جوهر الانتقال من الأدنى إلى الأعلى) ولم تكن لها مصلحة فى ذلك لأنها كانت جزءا من نظام الاحتكار. وهذا ما يفسر عزوفها عن استلام السلطة السياسية عندما عزلت الوالى العثمانى و"نصَّبت" محمد على مكانه مكتفية بأملاكها ونفوذها الدينى القامع للأهالى. إلى أن تجرأ محمد على عليها وشتَّتها بنفى بعضهم ونزع ملكياتهم حتى ينفرد باستغلال الشعب دون منافس.
- سمح تغلغل الرأسمال الأجنبى ثم سيطرته الاقتصادية والسياسية على تطور مصر بانهيار تجربة محمد على الاحتكارية الجديدة ببعض عناصرها المتقدمة نسبيا فى التعليم والفكر والبعثات إلى فرض الرأسمالية العالمية بعد تحولها إلى استعمار معاهدة 1840 عليه حيث أنهت نظام احتكاره ونفخت فى العناصر الرأسمالية البازغة بدءا من زراعة القطن كمحصول نقدى يغذِّى صناعة النسيج فى إنجلترا وإقرار الملكية الفردية للأرض ليحل محل نظام احتكار الدولة لوسائل الإنتاج الذى خيم على مصر قرابة ستة آلاف عام فوُلدت البرجوازية المصرية بـ"نفخة" استعمارية لتشكلها على هواها الاستعمارى وتلصق بها طابع التبعية الملازم لها حتى يحين أوان سقوطها. وعندما انهار النظام تحت ضغط القوى الأوربية الاستعمارية لوقف حروب محمد على فى الخارج لم تتحرك القوى المحلية لمواجهتها حيث كانت سياسات محمد على الاقتصادية والعسكرية فى تناقض تام مع مصالح الفئات الحية فى المجتمع فى ذلك الزمان ولم تكن تمثل إلا مصالح أوليجاركه (أقلية) أجنبية أخذت تعتصر الشعب بأقصى ما تستطيع من أجل تحقيق طموحات ومغامرات إمبراطورية.
- فى التطور اللاحق أصدر الخديوى إسماعيل الذى رهن مصر أرضا وشعبا لسداد ديونه للأجانب قانون المقابلة عام 1871 والذى بمقتضاه منح حق الملكية لمن يدفع ضرائب ست سنوات مقدما عن الأرض التى ينتفع بها لتصير ملكا له يورثها لأبنائه من بعده. فظهرت طبقة كبار ملاك الأرض أبناء "المنحة" الخديوية و"النفخة" الاستعمارية لتصارع الدولة المركزية الاستبدادية وتصارع النفوذ الاستعمارى الأوربى دفاعا عن مصالحهم وحقهم فى السلطة أو نصيب منها يسمح لهم بحماية وتنمية مصالحهم كطبقة مالكة ووصل الصراع ذروته فى الثورة العرابية التى كانت ثورة أصحاب المصلحة فى الملكية الخاصة من أصحاب البلد الأصليين لتثبِّت حق الملكية الذى كسبوه وللاستيلاء على السلطة السياسية لتأمين مصالحهم والقضاء على مظاهر "العبودية المعممة" مثل السخرة والرق أى تحرير قوة العمل منها لتتحول إلى سلعة (يملك صاحبها حق التصرف فيها نظريا لكنه مجبر على بيعها حيث لا يملك غير قوة عمله) يستخدمها الرأسماليون وملاك الأرض التى تم تحريرها من الاحتكار. وهكذا اختمرت الظروف والأوضاع الوطنية والطبقية لبزوغ الثورة العرابية الكبرى.
26/3/2014.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة المقاومة الفلسطينية والمصير الثورة الوطنية الديمقراطية الموضوع السابقة
تقييم 1.93/5
تقييم: 1.9/5 (104 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع