المقالات والاخبار > مقالات > الثورة الوطنية الديمقراطية

الثورة الوطنية الديمقراطية

الأولى فى مصر "الثورة العرابية ثورة فلاحية"

نشرت بواسطة admin في 09-Apr-2014 12:40 (724 عدد القراءات)
قراءات
الثورة الوطنية الديمقراطية الأولى فى مصر
"الثورة العرابية ثورة فلاحية"
أحمد عبد الحليم حسين
- بعد أن استقر حق الملكية الفردية وتوارث الأرض ، كان كبار ملاك الأرض أو من يسمون بـ"الأعيان" يلعبون الدور الرئيسى فى تطور مصر السياسى الاجتماعى باعتبارهم أوسع الفئات المالكة ، وإن ظل النفوذ الأكبر للأرستقراطية المحلية من أصل تركى وهم من كبار الملاك أيضاً ، كما كان الموظفون من فئة الأعيان أيضا حيث مثلوا الجناح البيروقراطى الإدارى لهذه الطبقة ، كما كان ضباط الجيش ينتمون إلى فئة الأعيان بحكم كونهم أبناء الأعيان وبحكم المنح التى كانوا يحصلون عليها من الأرض عقب توليهم مناصبهم أو الترقى فيها ، أما التجار فكان جانب منهم يمتلك أراضى زراعية فى مستوى الأعيان ، وكانوا يتحركون كقوى سياسية واجتماعية تحت قيادة أحد كبارهم ولم تكن مواقفهم القومية تنطلق فقط من ملكيتهم للأرض ولكن أيضا من مصالحهم كتجار يعانون من ضرائب متعددة ومن منافسة التجار الأجانب.
- إن حركة الأعيان وكبار الملاك صار لها جناح عسكرى هم ضباط الجيش ، وأصبح الضباط الوطنيون (النازعون لاستقلال مصر) هم أداتها لفرض مطالبها إذا تعذر ذلك بالوسائل السلمية. وهذه أول مرة فى تاريخ مصر يصبح فيها الجيش أداة لحماية الحركة القومية وليس أداة لقمع الشعب وتأمين تحصيل الخراج كما كانت مهمته فى ظل الدولة المركزية المستبدة منذ عصر الفراعنة. كما أن حركة علماء الأزهر التى انبعثت منذ المماليك ووقفت فى صف الجماهير أحيانا وفى الغالب فى مواجهتهم أو القيام بدور الوسيط بين المماليك والتجار والحرفيين من جانب والجماهير الشعبية المتمردة على المظالم من جانب آخر لتأخذ ثمن مواقفها أراضٍ وأوقاف ونفوذ ، وبعد أن أتت بمحمد على "بشروطهم" ثم انتهى أمرها إلى قمعهم وإنهاء دورهم والعمل مع محمد على بشروطه حيث "استقل" بمصر له ولأبنائه من بعده وليس بشروطهم ، هذه الحركة بعد أن تحولت إلى قوة تحت جناح محمد على ومساندة سياساته عادت لتلتحق بالمعسكر الوطنى فى مواجهة أسره محمد على تحت قيادة الأعيان وقبلت ببرنامج الحركة القومية ذو المحتوى الثقافى الليبرالى العلمانى المتمثلة فى الحزب الوطنى الأول (حزب عرابى) حيث عرَّف الحزب نفسه بأنه "حزب سياسى لا دينى" (كيف تراجع تطورنا اللاحق عن الثورة العرابية وحتى اليوم ؟) بسبب أنه مؤلَّف من رجال من مختلف العقائد والمذاهب "والنصارى واليهود" فمن "يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها ينضم لهذا الحزب" وأنهى بذلك الأساس الثيولوجى (الدينى الاعتقادى) للعمل السياسى ووضع الأساس العلمانى بديلا لها وكان فى هذا أسبق من تطور أوربا. وأوضح أن الشرعية لم تعد مستمدة من الخليفة العثمانى بل من "إرادة الأمة" وكيان مصر لم يعد مستمدا من تبعيتها للخلافة وإنما من "الأمة المصرية" (متأثرا بما أطلقه الأفغانى من عبارة مصر للمصريين) لكن هذا التقدم الفكرى المتجاوز للإمكانات الطبقية فى تلك الأيام لم يخلُ من قصور ، فقد أدرج الحزب فى برنامجه أنه يخضع لباب الخديوى واحتفظ له بما يأخذ من خراج وما يلزمه من المساعدة العسكرية إذا حدث اعتداء أجنبى كما أنه اعترف بالديون الأجنبية التى تعاظمت فى عهد إسماعيل. ويرجع هذا القصور إلى تفاوت المراتب الطبقية للمشاركين فى تأسيس هذا الحزب. فبينما كان على رأسه كبار ملاك الأرض كانت كتلته الرئيسية مشكلة من الأعيان بشرائحهم المختلفة ما بين عليا ووسطى ودنيا. وهذا التفاوت فى الحزب الذى يقود الثورة يؤدى إلى اختلاف فى مدى التطابق بين المصالح الطبقية لكل فئة وبين المصلحة الوطنية العامة.
- وستبقى هذا المسألة هى مصدر أزمة الثورة الوطنية الديمقراطية حتى فى حلقاتها التالية (قارن الوضع فى مصر الآن 2014) ، ولذلك حكم الثورة العرابية قانون ذو وجهين نابع من المدى الذى تستفيد به أو تضار الملكية الفردية لكل فئة من أى تطور فى مجرى الثورة وإلى أى مدى تصل الثورة أو ترتفع ؟
- لكن علينا أن تستخلص قانونا يقول أنه كلما اتسعت الثورة لتشمل فئات اجتماعية دنيا (جماهير فلاحين وعمال وحرفيين وصغار تجار وصغار موظفين) كلما تعمق مداها ومحتواها الاجتماعى وبالتالى فحواها الوطنى الديمقراطى (يحقق استقلالا ناجزا. بإنهاء روابط التبعية مع الاستعمار العالمى) ، يؤكد هذا الاستخلاص. إن الثورة الوطنية الديمقراطية ممثلة فى حزبها الوطنى الأول كان بيانها الأول يعكس نفوذ الفئات العليا من كبار الملاك والذين كانت فكرة الدستور بالنسبة لهم تنحصر فى تخليص السلطة من يد الخديوى ليستأثروا بها ، لكن عندما يصبح أحمد عرابى رئيساً للحزب ويتولى وزارة "الجهادية" (الحربية أو الدفاع حاليا) ويصبح قائدا للثورة فإنه يكشف عن برنامج وأهداف أكثر جذرية وطنيا واجتماعيا (مع أنه كان متوسطى ملاك الأرض) فيستصدر قرار من الجمعية الوطنية (برلمان ذلك الزمان) بعزل الخديوى وإلغاء السخرة والرق وإلغاء تحكم كبار ملاك الأرض الباشاوات فى مياه النيل وحماية الفلاحين من المرابين اليونانيين وكفالة حق التعليم للرجال والنساء (وهو الحق المطعون عليه فى أيامنا من جماعات الإسلام السياسى). لتصبح الثورة العرابية ليست مجرد ثورة دستورية ضد كبار الملاك والخديوى. وإنما هى ثورة الفلاحين ضد الخديوى والأمراء والباشوات المصريين والمتمصرين الأثرياء. بل وصل تطلع الثورة إلى إقامة نظام جمهورى. وهكذا كلما نزلنا فى السلم الاجتماعى سنجد الثورة ذات محتوى وطنى سياسى واجتماعى أكثر جذرية حتى من عرابى نفسه متمثلا فى عبد الله النديم هذا الثاثر الجوَّال بطول البلاد وعرضها يؤلف الأزجال ويصدر الصحف المحلية (التنكيت والتبكيت – الأستاذ) ، ويهاجم كبار الملاك والأعيان والأغنياء عموما ويصف أموالهم التى يصرفونها ببذخ بأنها أموال الفلاحين (هل تجد فى الراحل أحمد فؤاد نجم بعض شبه ؟) وانتهى منفيا كما نفى زعيمه أحمد عرابى ، لكن أهم ما فى الثورة العرابية هى تمردات الفلاحين فى القرى والعزب حيث شملت حركة فلاحيه واسعة للاستيلاء على أراضى الخديوى وأسرته والأمراء والأجانب والأتراك وكبار الملاك خاصة الذين خانوا الثورة ، وكان الفلاحون يوزعون الأراضى فيما بينهم ، كما كانوا يستولون على مخازن الملاك وعلى المواشى ويرسلونها لجيش عرابى بل واستولوا على مصانع للسكر والمحالج فى الصعيد واعتبروها ملكا لهم (أول تأميم فى التاريخ المصرى) ، وكانت الثورة فرصة ليصفى الفلاحون حساباتهم مع المرابين الأجانب من أرمن ويونانيين ويهود ، وفى كثير من الحالات كان الفلاحون يستخدمون السلاح فى استيلائهم على الأراضى والعقارات الأخرى. وتحول الفلاحون الذين كانوا حتى عهد إسماعيل يهربون من الأرض إلى أن أصبحوا يقاتلون بالسلاح للاستيلاء عليها ، وكانوا يعتبرون أن الأرض لن تكون مضمونة لهم إلا فى وطن مستقل وفى وجود حكومة تمثلهم وتعتنى بشئونهم (ارتباط القضية الوطنية والدستورية بالقضية الاجتماعية) لكن الثورة تتراجع بالخيانة. بدأ تقهقرها بانسلاخ الشرائح العليا من ملاك الأرض عنها وتتخوف من استمرارها فتنقلب ضدها ، واستطاعوا أن يستميلوا عددا من الأعيان والعمد إلى معسكر الخديوى فبدأوا فى قمع الفلاحين وقادتهم من مشايخ البلاد كما نجح الخديوى فى استمالة عدد من كبار ضباط الجيش الذين سهلوا للإنجليز انتصارهم فى موقعة التل الكبير وهزيمة عرابى ، وهكذا خشية البرجوازية المصرية ممثلة فى كبار الملاك والأعيان أن تُترك وحدها وجها لوجه دون حماية أجنبية أمام جماهير الفلاحين المسلحين فى القرى والجماهير الشعبية فى المدن. وهكذا انهزمت الثورة العرابية ذات المضمون الفلاحى وبدأ الاحتلال البريطانى لمصر (وهاهى برجوازتنا الكومبرادرية الحاكمة الآن تحتمى بالأمريكان والصهاينة من غضبة الشعب).
- والمستفاد من بدء وتطورات الثورة العرابية أنه كلما اتسعت الثورة لتشمل قوى اجتماعية قاعدية من الطبقات المتوسطة والدنيا المالكة ومن الفلاحين وجماهير الشغيلة كلما بدأت الشرائح العليا من الملاك التخلى عن الثورة بل وقفت ضدها ، بل وتطلب التدخل الأجنبى لحمايتها من الشعب. كما أن هذه الثورة الفلاحية أعلنت برنامجها الذى هو دستورها فلم يتضمن "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" كما انتكسنا فى تطورنا/ تخلفنا اللاحق بل أعلنت علمانية الدولة والمواطنة حق لكل من يعيش على أرض مصر دون النظر إلى ديانته أو مذهبه. كما أنها خَطَر على بالِها ووعيها إعلان الجمهورية. وهى تلقى الضوء على الإمكانية الثورية للفلاحين فى الثورة الوطنية الديمقراطية وفى الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية القادمة حيث ينظر بعض الماركسيين بتحفظ إزاء هذه الطبقة التى تزداد بؤسا تحت حكم البرجوازية التابعة للأمريكان والصهاينة ، والسبب الحقيقى هو ابتعادنا عنهم فى الوقت الذى لم نَقُد حركة الطبقة العاملة ولم نُسيِّسها، فخسرنا الاثنين على أرض الواقع.
- وأن الاستقلال الوطنى هو الشرط الحاكم لنجاح أى ثورة مصرية تستهدف تغييرا جذريا للسياسات القائمة على التبعية للخارج الاستعمارى. وهو الشعار الحاكم المشترك لجميع الثورات المصرية فى تاريخنا الحديث والمعاصر بدءا من الثورة العرابية. ثم جاءت عبرها ثورة 1919 لتثبت أن التفريط فى القضية الوطنية والاستقلال الوطنى يعنى التفريط فى الديمقراطية ولم يتحول انقلاب 23 يوليو 1952 إلى ثورة إلا بعد مواجهة الاحتلال البريطانى والقوى الاستعمارية تنفيذا لأحد شعاراتها "القضاء على الاستعمار وأعوانه". ولن يتم تحرير فلسطين والعراق ولبنان وسوريا وليبيا واليمن وتونس وغيرها من الدول العربية إلا بعد أن تتحرر مصر من التبعية والخضوع للهيمنة الأمريكية الصهيونية لتقدم نموذجاً حياً للتحرر لكافة دول وشعوب العالم العربى فلا كرامة لمواطن فى وطن بلا كرامة.
(مراجع : الثورة العرابية لصلاح عيسى وطاهر عبد الحكيم ومحمود الخفيف + على بركات فى تطور الملكية الزراعية فى مصر + عبد الباسط عبد المعطى صراع الطبقات فى القرية المصرية).
5/4/2014

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة قراءات كيف تقوم الثورات ؟ اتفاق تنفيذ الاتفاق الموضوع السابقة
تقييم 2.01/5
تقييم: 2.0/5 (85 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع