المقالات والاخبار > مقالات > تثوير الفن و تنوير التثوير

تثوير الفن و تنوير التثوير

نشرت بواسطة admin في 07-Jun-2014 03:30 (659 عدد القراءات)
تثوير الفن ، و تنوير التثوير
ما بين تقاطعين نتناول اليوم إثنان من الشخصيات التى أثرت و آثارت جدلا واسعا فى الأوساط المصرية ، انطلقا من نفس الأزمة الهيكلية فى بنية المجتمع المصرى و دولته بكل التجليات السياسية( الدولة البوليسية القمعية، و النظام المستبد، و نمو و إزدهار التيارات الرجعية) و إقتصاديا ( تبعية و تخلف و رأسمالية طفيلية أكلت الأخضر و اليابس؛ شجعت كل الموبقات فى مصر المحروسة) ، و إجتماعيا( إنقسام طبقى حاد و فقر وبطالة أفرز مجموعة من الأمراض و الأدواء) ثقافيا ( ثقافة حداثية هشة، رجعية و غيبية ووثوقية تغلف الخطاب الثقافى اللعقلانى و اللاعلمى) فى هذه الأجواء تخلقت شخصية كل من : -
- الشهيد المفكر فرج فودة
- والفنان الشيخ إمام عيسى
فى مساء يوم الثامن من حزيران( يونيو) وفى أثناء خروجه، ش. أسماء مهنى ؛ نستمع إلى طلقات رصاص كثيف ، يسقط الرجل ويصاب إبنه وسائقه ، عندما إقتربنا منه ، وكانت الدماء تنزف بغزارة ، وجدناه الدكتور فرج فودة.
سقط الرجل شهيدا .. مقتولا ، قربانا قّدم للذبح ..باسم الرب، القابع فى السماوات، كان ذلك فى العام 1992م، كانت تفصلنا عن السابعة مساءا خمس عشرة دقيقة( 6,45) ؛ حاول فرج فودة الذى درس العلوم الزراعية أن يجعل من العقل أداة رئسية فى التفكير، فقام يكتب و يناظر و يفند و يفكر، كان ذلك فى عز جبروت و سطوة الإسلام السياسى الجهادى ، الكاره لكل شيئ فى الوطن ، فلم ينج الأطفال و لاالكبار من المذابح التى كانت تحدث هنا و هناك؛ كى تقربهم إلى الله زلفى!!
استحق فرج فودة بحق لقب الشهيد، لأنه أستطاع أن يفند و يفضح زعم هذه التيارات ؛ التى استشرت فى المجتمع المصرى منذ السبعينيات، كأزمة و إنعكاس للأزمة فى ذات الوقت، فهى جاءت تعبيرا مكثفا لردة الدولة الساداتية، و التى كان يلزمها فى الفترة تلك الإستناد إلى الجماعات الدينية لكبح جماح القوى التقدمية المناهضة للسادات و سياساته، خاصة الإقتصادية المرتبطة بالإنفتاح- السداح مداح- و الإستسلام الكامل للولايات المتحدة و العدو الصهيونى.
لقد حاولت هذه الجماعات طيلة عهدى السادات و مبارك ، شد المجتمع إلى الوراء، طرحت مفاهيم ورؤى من قبيل: الشريعة الإسلامية، الإسلام دين و دولة، الإقتصاد الإسلامى، فضلا عن مجموعة من الفتاوى بدأت بالإبرة و لم تنته بالصاروخ!! غير طبعا قضايا الحجاب و النقاب ، و أن المنزل / البيت المكان الطبيعى للمرأة ، و الجزية؛ لم ينته الأمر بالتكفير و إعتزال المجتمع ، أفضى إلى محاولة إقامة الدولة و المجتمع الجديد بسفك الدماء، و إرهاب المجتمع؛ هذا تطلب معاداة التفكير و العقل، و تجميد النص و تحنيطه وو ضعه فى متحف المقدس الذى لا يمس، هذا بالضبط ما رصده فرج فودة و بدأ يكتب ليقدم روءية مغايرة لهذا الظلام الدامس، لكن كان ما يكتبه أو يطرحهه فى وسائل الإعلام خافتا مقارنة بصوت الرصاص الموجه لقلوب المصريين الجاهليين الكفار!!!لم يسمعه المجتمع المذعور من خوف الآخرة المزعوم من وعظ المشايخ المنبعث من أشرطة الكاسيت( الشيخ كشك وعمر عبد الكافى و غيرهم)، لم يسمعه المجتمع الخائف من أن يخسر دنياه و آخراته؛ بفعل تفسير الدين تفسيرا ملتويا و إنتهازيا، لم يسمعه خوفا من موت محقق كان يطارد الناس حيث حلوا.
كانت فترة حالكة السواد فى تسعنيات القرن الماضى ، كان فرج فودة بمثابة فلاش أضاء هذا السواد المنبعث من ظلمات القروسطية، فاستحضر" الحقيقة الغائبة"؛ حتى لا تغيب مرة أخرى، كشف" الملعوب" ( أن هذه الجماعات هى دنيوية بحتة تتخذ من الدين ما يستر عورتها السياسية البحتة)، كان" نذيرا" بخطر هذه الجماعات على الدولة و المجتمع؛ طبق ذلك بشكل عملى عام 1984م عندما استقال من حزب الوفد الجديد عندما نسق مع الإخوان فى إنتخابات ذلك العام!! هل جرأ أحد من مدعى الليبرالية و العلمانية الحاليين فى ظل الثورة على نقد جماعة الإخوان و ممارستها؟؟!! كما فعل فرج فودة فى العام المذكور، أحد مرشحى الرئاسة الخاسرين كان وحزبه حلفاء للإخوان فى الإنتخابات البرلمانية، و من المفترض أنه تقدمىّ!! " نكون أو لانكون" هذا هو منطلق فرج فودة، فضح " الإرهاب "المتلبس بالدين، فلم ينافق أو يهادن كما يفعل الكتاب و السياسيون اليوم المنبطحون للإسلام السياسى الصاعد و الذى بـدأ يقترب من السلطة ، قرأ فرج فودة" زواج المتعة" و أطره فكريا و فقهيا، فاضحا هذا الكبت الجنسى فى مجتمع سدت أمامه السبل بفعل طاحونة الفقر و العوز و الحرمان، و الضغط النفسى بفعل الشعور بالذنب ، و كثرة الآثام ،"دافع عن العلمانية" لم يهادن و يقول مصطلحا مرواغا كالسائد اليوم( دولة مدنية) كما يفعل الليبراليون المزيفون ، و الماركسيون الإنتهازيون، و"قبل السقوط" لم يكن كلاما فى الهواْء.
هذا كان تنوير فرج فودة، كان ينور التثوير؛ هو إمتداد الطهطاوى و الأفغانى، و محمد عبده ، إمتداد طه حسين و على عبد الرازق، و محمد خلف الله، عاصر القمنى و نصرحامد أبو زيد ، وحسن حنفى ...و غيرهم من حملة شعلة التنوير و التقدم والتى للحق لم تزل خافتة.
فى 7 حزيرن/ يونيو 1995م توفى الشيخ إمام عيسى المغنى و الملحن فنان العمال و الفلاحين و الطلبة؛ شخصيتنا الثانية فى هذا التقاطع الذى أشرنا إليه فى المقدمة، كان الشيخ إمام عيسى إنعكاسا هو الآخر لمجمل الظروف المشار إليها فى المقدمة ، كان التحول النوعى بعد هزيمة يونيو 67م ، أستطاع الشيخ إمام مع رفيق دربه الشاعر أحمد فؤاد نجم( الفاجومى) و عازف الإيقاع محمد على شق الطريق نحو الأغنية الثورية، المعجونة بمرارة الهزيمة فأخرجا( إمام و نجم) الحمد لله.. خبطنا تحت بطاطنا.. يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار، بقرة حاحا كرمز لمصر المنهوبة ومطية الغزاة( دخلوا الخواجات..حاحا.. شفطوااللبنات.....).
يبرز تقاطع الشيخ إمام مع فودة ، فى أن كلا الإثنين ثائر الأول ثور الفن حوله إلى أداة؛ فى فضح إستبداد عبد الناصر، و عمالة السادات، و تعرية المجتمع الغارق فى الجهل و الفقر و الخرافة بالرغم من إدعاءات الإشتراكية و التقدمية، نجد ذلك فى أغنية " الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا" إن شا الله يخربها مداين عبد الجبار" ؛ فعبد الجبارالوارد فى الأغنية هو مرادف للإستبداد و السلطة الأبوية، وفضح السادات فى أغنية " ريسنا يا أنور"، و أكثر ما تتجلى عبقرية الشيخ إمام و تعامله مع العود بحرفنة فى أغنية " جيفارا مات" سينتابك شعور ببكاء العود ، و إن كان الشيخ إمام تعلم و ارتبط فى فترة من حياته بالملحن الكبير الشيخ زكريا أحمد؛ لكنه خرج على المألوف ، قام بتثوير الفن بعد الشعور المقيت بمرارة الهزيمة، و جرح الكرامة الوطنية، التى فضحت سلطة عبد الناصر المستبدة ، و التى كانت قوية فى مواجهة معارضيها، و ضعيفة و فى المواجهة الفعلية مع العدو، الشيخ إمام الذى عاش الفقر و الجوع و التشرد و السجن، كان مغنى الثورة و الثوار( ليس كأغنية حمادة هلال" ثوار 25 يناير.. ماتوا فى أحداث يناير"!!! ليس هذا فقط هو المعبر عن نبض العمال و الفلاحين و الطلبة و المثقفين الثوريين( شيد قصورك، رجعوا التلامذة) كانت أغان الشيخ إمام و ألحانه بمثابة منشورات سياسية، تجذر النضال و ترفع الوعى و تشحذ الهمم، و ترصد تغيرات المجتمع( شعبان البقال) وتعرى الإنتهازية( يا واد يايويو)، فكانت ثورة فنية إستكمالا لما بدأه سيد درويش فى قبيل و عشية ثورة 1919م المجيدة، بل لم ينس الشيخ إمام أن يغنى لفلسطين و المقاومة( يا فلسطينية، سناء محيدلى) لم ينس الطائفية المقيتة( دول شيعة و إحنا سنة)، ولا فضح الأمريكان( الخواجة الأمريكانى، شرفت يا نيكسوبابا).
يمكن أن نرصد التقاطع بين الشيخ أمام و فرج فودة فى:-
الأول ثور الفن حوله إلى أداة كما قلنا لفضح التزييف الموجود و تحالف رأس المال مع السلطة فى الداخل و الإنبطاح فى الخارج؛ أما فرج فودة فإنه نور التثوير بوقوفه أمام كل ما يحول دون العقل و الفكر، الذى سيمهد للثورة الأشمل، يتمثل التقاطع أيضا فى أن الأول يقدم للثانى المجتمع، ليقوم الثانى بالتشريح ووضع العلاج المناسب للأمراض التى هى نتاج الإستبداد و القمع الذى يفضحه الأول من خلال الفن الثورى الذى يقدمه،كما أن الثانى يقدم للأول الحلم بغد أفضل ( غد ديمقراطى علمانى عادل ، تزول فيه الفوارق الطبقية)، من التقاطعات الأخرى التى تم رصدها: أن الشيخ إمام دفع جل حياته منتقلا بين السجون و المعتقلات الناصرية و الساداتية و المضايقات المباركية، أما فودة دفع حياته على يد جهال العصربفتوى عمر عبد الرحمن وشهادة الشيخ محمد الغزالى شديد الإعتدال!!
ثم أخيرا هل مصادفة أن يموت الأثنان فى يونيو وفى عقد التسعنيات؟؟!! أليس هذا تقاطعا جديرا بالتوقف؟؟
الموضوع ليس من السهولة بمكان أتمنى أن أكون حاولت ملامسته قدر المستطاع وفى حدود المساحة الضيقة.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الانتخابات الرأسمالية المصرية مأساة العراق: دولة بلا جيش! الموضوع السابقة
تقييم 2.22/5
تقييم: 2.2/5 (81 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع