المقالات والاخبار > مقالات > مأساة العراق: دولة بلا جيش!

مأساة العراق: دولة بلا جيش!

نشرت بواسطة admin في 12-Jun-2014 04:20 (676 عدد القراءات)
مأساة العراق: دولة بلا جيش!
عادل سمارة
يبقى الفارق بين المؤرخ والمحلل واسعاً. فبقدر راحة المؤرخ وهو يحلل ما مضى وتَسجَّل، بقدر أرق المحلل في تعامله مع متغيرات متسارعة ومفاجآت حادة.
ولكن ما يسعف التحليل هو وجود قاعدة قناعات تفهم الاستراتيجي ولا تنساه في قراءة أو متابعة التكتيكي وحتى اليومي.
العولمة والموجة القومية الثالثة:
بينما امتدت حقبة الراسمالية الاستعمارية (سواء التجارية والصناعية) لأربعة قرون، وامتدت حقبة الإمبريالية قرابة قرن، فإن الحقبة الراسمالية التي تولدت عن الإمبريالية هي حقبة العولمة التي اتت سريعا وتأزمت سريعا. لذا يرى البعض ان العولمة مجرد استطالة للإمبريالية.
لكن هذه الحقبة هي الأكثر خبثا من سابقاتها، والأدق تخطيطاً. فالولايات المتحدة تعمل على توليد موجة قومية جديدة في العالم تقوم على تفكيك القوميات وتوليد دول قومية من إثنيات وطوائف تخدم مصالح الراسمالية المعولمة من جهة وتحتمي بها من جهة ثانية وتقتتل مع محيطها من جهة ثالثة. وعليه، فهذه الموجة القومية (الثالثة) هي موجة قومية عميلة للمركز الراسمالي بخلاف الموجة الثانية التي هي حركات التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين والأولى موجة القوميات في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر.
نالت الموجة القومية الثالثة من الاتحاد السوفييتي بعد تفككه وبشكل خاص من الاتحاد اليوغسلافي، ومن السودان وهي تبذل كل جهد لتفكيك العراق وسوريا وليبيا وتتطلع إلى اليمن والجزائر...الخ. وخطورتها انها في الوطن العربي تتمظهر في انظمة وقوى الدين السياسي.
وبهذا المعنى، فإن مشروع الشرق الأوسط الجديد هو النسخة التطبيقية لمشروع الراسمالية المعولمة في تطبيق نظرية الموجة القومية الثالثة على صعيد عالمي. اي تخليق دويلات تحت مسميات قومية.
وفي هذا الصدد يجب ان نتذكر أن نظرية ومشروع الموجة القومية الثالثة هو من تجهيز وتنفيذ المحافظية الجديدة بمكوناتها الرئيسية اللبراليون الجدد والاقتصاديون النقوديون وقيادات تروتسكية ذات جذور صهيونية وحتى انتماء يهودي .
لم يتزحزح الاستراتيجيون المقتدرين عن التأكيد بانه في بلدان العالم الثالث وخاصة الوطن العربي يبقى الجيش هو اساس الدولة ، هو حامي السلطة في الداخل والسيادة في الخارج. وليس المقصود هنا العودة إلى من يسبق الآخر في وجوده السلطة أم الجيش، بل العبرة في من منهما الذي يحمي البلد؟
لم يكن عبد الناصر ساذجاً ولا جباناً حينما سحب الجيش المصري من سيناء 1956 حيث كان المقصود تدمير الجيش وإنهاء مصر. بينما كان السادات خطيراً حينما رفض خطة الفريق سعد الدين الشاذلي لاقتحام الثغرة التي احدثها شارون بمساعدة امريكافي حرب اكتوبر 1973 مما سمح لشارون بالالتفاف على الجيش الثالث المصري لأن السادات كان يريد للجيش أن يخسر ما بعد حرب تشرين كي يبقى هو الفرعون "اللاوطني". وجاء مبارك الذي لم يفكك الجيش المصري ولكن لم يُفعِّله لا وطنيا ولا قومياً.
إدراكاً من قيادة المحافظين الجدد لأهمية ودور الجيش، كان أول قرارات الحاكم العسكري (بثوب مدني) الأمريكي في العراق هو حل الجيش العراقي. وبالطبع اجتثاث البعث وهو ما تمسك به الحكم الطائفي الذي جاء مع الاحتلال .
الأمر الهام والمفصلي في هذا الصدد هو أن الجيش العراقي كان قد بُني كجيش للوطن العراقي وليس للطائفة السنية الحاكمة. بل التي ورطها الاستعمار البريطاني في حكم العراق ليخلق تحاسداً طائفيا بين أغنياء السنة والشيعة وهو إرث يدفع ثمنه الفقراء عامة ودائماً. وهو الجيش والأمن الذي قمع المعارضة من مختلف أهل العراق، ودافع عن العراق ككل سواء ضد الانفصاليين الأكراد على تنوع ارتباطاتهم ودافع عن العراق في حربها مع إيران ولم ينشق في حرب طويلة دامية بغض النظر عن تناقض تفسيرات من الذي بدأ الحرب أو من الذي قام بها استباقياً. كما لم ينشق هذا الجيش حينما استعاد الكويت 1990، ورغم تعرضه للتدمير الهائل على يد العدوان الأمريكي المعولم والمعرَّب ضد العراق.
لهذه الأسباب اصر الاحتلال الأمريكي على تفكيك الجيش العراقي لأن مشروع احتلال العراق يقوم على ثلاثة مقومات:
• الاحتلال المباشر للعراق لأطول فترة ممكنة.
• يتبعه نظام طائفي قمعي وهش يعيش على اقتتال طائفي عراقي مما يحول دون سيطرة نهائية للسلطة المركزية وهي رخاوة يمكن ان تقود لتقسيم البلد وهذا مكلف للعراق كما لو بقي الاحتلال الأمريكي الذي بخروجه وفر الكثير من قتلاه وتكاليفه .
• والأهم هو ندمير العراق لأطول عقود ممكنة طالما هو دولة عربية مركزية يُقلق الكيان الصهيوني من جهة وأول من أمم النفط من جهة ثانية. طبعا إلى جانب تدمير سوريا وتدمير مصر وإن بطريقة ثانية.
ولأن السلطة الحالية في العراق منذ الاحتلال 2003 وحتى اليوم هي سلطة طائفية بملىء الكلمة، وهي لم تستفد من تجربة وخاصة اخطاء السلطة السابقة وخاصة البعثية التي كانت قومية وعلمانية أكثر مما هي طائفية، فإن هذه السلطة قد أغرقت العراق في حالة من التفكك الفعلي وإن لم يحصل الشكلي بعد. وهذا يذكرني بمقالة كتبها صادق جلال العظم ينفي فيها إمكانية تقسيم العراق! لعله يراجع نفسه الآن، أو لعله سعيد بسلطة داعش السنية.
لقد قامت السلطة الحالية على تفوق طائفي ومحاصصة طائفية. قامت أو اقيمت سلطة بدون جيش وطني يحميها ولو على الطريقة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، اي محاصصة في السلطة ووحدة في الجيش للحفاظ على الدولة.
ولعل من الأمور التي تثير التقزز من قيادات الطوائف في العراق أنهم جميعا يتحدثون عن الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية...الخ بينما هم إفراز هذا الخزان الموبوء من جهة، ويقوموا بتعميق التعصب الطائفي بكل اسلوب ممكن من جهة ثانية، وكأن العراق وحده في هذا الكون!.
لقد تم تطبيق السيناريو العراقي ضد ليبيا عبر تدمير الجيش الليبي بسلاح جو الناتو وقطر والسعودية والإمارات. وكانت النتيجة كما نرى ليبيا مقسمة فعلياً بين ميليشيات إسلامية مسلحة تعيش بالإرهاب، ووصل الوضع إلى لجوء قطاعات عديدة من الشعب الليبي إلى مبايعة عميل أمريكي كمنقذ للبلد، العقيد خليفة حفتر الذي خان وطنه منذ عام 986 وانتهى لعشرين سنة في الولايات المتحدة.
وهذا يكشف أمرا في منتهى الخطورة لن تفهمه قيادات الطوائف ضيقة البصر والبصيرة أو تفهمه وتمارسه. بمعنى، ترى كم من أمثال حفتر تم اختزانهم لعقود في الغرب الراسمالي ليتم استخدامهم في الوقت المناسب. وكما المعارضة العراقية، كان حفتر الذي تم تخزينه 1986 ليتم استخدامه 2011. لذا، فإن موقف الغرب من الأمة العربية هو موقف خطة طويلة الأمد متعددة الطبعات متحركة طبقاً للظروف.
لم تتمكن الرأسمالية المعولمة من تفكيك الجيش العربي السوري، حيث لم تتمكن من احتلال سوريا رغم ما قذفته من مسلحين واسلحة وأموال لصالح أدوات الثورة المضادة في سوريا. وقد تمكن النظام العلماني في سوريا من إثبات علمانيته في مستويات الثقافة والتربية والانتماء. بل إن المستوى الاقتصادي في سوريا كان يعاني من إشكالية طبقية وليس من إشكالية اقتصاد الطوائف بمعنى أن الكعكة الاقتصادية كانت مفتوحة للبرجوازية السورية عموماً، على حساب الطبقات الشعبية. هل كانت هناك محاباة لبرجوازية هذه الطائفية او تلك، هذا يقطع به السوريون. إنما المهم ان النظام لم يكن طائفيا والجيش لم يكن طائفياً.
وهذا المستوى الطبقي تحديدا بعد تبني السياسات اللبرالية الجديدة، هو الذي وفر جيشا من الفقراء والمهمشين والمضيعين طبقيا لينخرطوا مع المسلحين ضد الدولة. كان هؤلاء طبقيا فقراء ولكنهم وعياً أدوات كان من السهل تحويل غضبها الاقتصادي عبر تغذية بالفكر التكفيري المتراكب على الحقدية الطائفية ، وهذا نموذج على البروليتاريا الرثة، إن صحت تسمية بروليتاريا..
هذا التورط الطبقي للفقراء خدع بدوره مثقفين من اليسار حيث رأوا في ذلك ثورة بروليتارية غراء يقودها الإخوان المسلمين والولايات المتحدة ولفيف من مخابرات العرب والغرب. ولم يلجم انهبال هؤلاء بهذه "الثورة" انقشاعها عن قيادة سعودية قطرية إماراتية خليجية تركية.
أما بطرس الناسك لهذه الحملات التكفيرية المسلحة فكان تروتسكيون سوريون ولبنانيون وفرنسيون بشكل خاص. كان بعض هؤلاء التروتسكيين قد اخترق بعض قياديي الجبهة الشعبية سواء في الشام ورام الله وغزة فوقف الخيرون ضد سوريا مأخوذين بوهم ديمقراطية ما ونسيان الوطن.
لقد وقف هؤلاء التروتسكيون ضد الدولة السورية في عملية كشف عورة الوطن لإغراء الفحل الغربي والتكفيري تماما كما وقف التروتسكي المعروف (محمد جعفر وهو نفسه كنعان مكية وسمير الخليل) يُغري جورج دبليو بوش على الفضائيات ليحتل العراق.
وبالمناسبة، لم يختلف موقف تروتسكيي مصر في الصراع القائم بين الإخوان وبين الجيش متذرعين برفض حكم العسكر. هذا دون أن يكون حديثنا هذا إطراء للجيش، علماً بأن نظام مرسي كان يهدف تفكيك الجيش المصري عبر ضربه من القلب ليصبح حزب الإخوان المسلمين هو السلطة والجيش والأمن والمخابرات، وحينها لا يمكن للجيش الجديد أن يحمي مصر لا من العدوان الخارجي ولا من التفكك الداخلي. هذا ناهيك عن قرار مرسي المشاركة في العدوان على سوريا وليس اقتلاع السيطرة الصهيونية من سيناء!
العراق على الحافة:
لا يمكن لنظام حتى لو كان قوميا وثوريا أن يحل مشكلة العراق الحالية في وقت قصير. فكما هو واضح فإن قيادات وعناصر من الجيش العراقي خانت الدولة وانضمت لداعش أو فتحت لها ثغرات. فليس من السهل على نظام طائفي ومرتبط بمعاهدات مع الولايات المتحدة أن يكسب ولاء طائفيين آخرين.
لقد فشل الذين أتوا على دبابات الولايات المتحدة، وتم تنصيبهم سواء بالقوة أو عبر التجنيد الأكثري الطائفي إلى جانب مباركتهم من رجال الدين الطائفيين، فشل هؤلاء في استعادة المواطنة العراقية حتى بالمستوى الذي كان قد ضمنه البعث. وكيف يمكن خلق مواطنة والنظام الحالي يطارد البعث كما لو كان طائفة أو عدو أجنبي. لقد أُُخذ هؤلاء الطائفيين بروح انتصاروية قاتلة. ولم يدركوا بأن هذا السلاح الطائفي هو سلاح مرتد على أهله، وبأن وراء الطائفية الأخرى نفس العدو الأمريكي الذي تتحالف معه. إن الأمريكي هو الرجل الذي يعاشر ألإثنتين واكثر. فإذا كان يضاجع حكومة المالكي في بغداد فهو يضاجع انظمة الخليج جميعها على تخت من النفط وكذلك يضاجع قيادات الأكراد. وفي النهاية عشقه الحقيقي للكيان الصهيوني.
ولا يغرَّنًّ أحداً يوماً عُلُو الصوت الأمريكي والغربي ضد داعش والنصرة. فالذي درب وسلح هؤلاء لن يسمح لهم بالعودة إلى أرضه. وقد يعيد البعض ليجد مبرراً لزعم ان هناك خطر إرهاب في ارضه وبالتالي لتمويه دوره الخطر. كل هذا كذب، والمالكي يعرف انه كذب ولا يجرؤ على النقاش فيه. فالولايات المتحدة والغرب من ورائها هم من خلق ويرعي ويسلح هؤلاء ويقرر تمويلهم بفوائض النفط وقبض ثمن تسليحهم عبر تشغيل شركاته. والولايات المتحدة تستفيد اكثر من تحويل العراق إلى عدة دويلات. والأفضل لها ان لا تستقر العلاقة حتى بين هذه العدة دويلات، إذا ما حصلت.
ولا شك ان تركيا ذات باع طويل في ما حصل في العراق. فلا يمكن لتركيا ان تكون دولة إقليمية قوية دون إهلاك سوريا والعراق. وعليه، لا يمكن ان تكون لتركيا سياسة في سوريا بخلاف سياستها في العراق. وبالطبع تحافظ تركيا على علاقة متوازنة مع إيران لأنها تعلم بأن فرص النيل من إيران ضعيفة وخاصة على ضوء تطور علاقات متوازنة بين إيران والراسماليات الغربية.
قد يفيد التطرق إلى الوساطة الأمريكية مؤخراً بين بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق الذي بدا بتصدير النفط العراقي مباشرة وانفرادياً عبر تركيا. أما الاقتراح الأمريكي في هذه الوساطة فكان من الاحتقار لحكومة المالكي بمكان بحيث برر التصدير عبر تركيا دون إشراف السلطة المركزية في بغداد وبرر اقتطاع الأكراد 17 بالمئة من عائدات النفط، أما حصة الدولة العراقية فتبقى محتجزة لا تُسلَّم للدولة!
أما مزاعم القلق لدى جامعة الدول العربية فلا قيمة ولا مصداقية لها. بل ستكون سعيدة إذا ما انضمت إلى الجامعة العربية دويلة جديدة هي العراق السني! وهذا تقوية لأساس الجامعة اي سايكس-بيكو.
إن جامعة الدول العربية هي مؤسسة تضبط إيقاع حركتها على الأوامر الأمريكية والتنفيذ النفطي الخليجي المضادة للقومية العربية وهي في النهاية في خدمة الكيان الصهيوني.
لعل أكثر الأمور مفارقة، أن السلطة المركزية في العراق تُعول الان على مساعدة البشمركة جيش المناطق الكردية لاستعادة الموصل ونينوى!. ومن يدري؟ فقد تتفق قيادة الأكراد مع داعش على ضم كركوك للأكراد وبقاء داعش في الموصل!
كل سيناريو ممكناً على ضوء ضعف العراق هذا وانشغال سوريا واحتلال المال الوهابي لمصر، واسترخاء الكيان الصهيوني واحتمال توليد مزيد من دويلات القومية الثالثة. ولا شك أن من يقاتل سوريا له دور في تمكين داعش من احتلال أجزاء من العراق. كما لا شك أن أحد الأهداف هو الانتقام من التقدم الملموس للدولة السورية سياسيا وعلى الأرض.
لعل الافتراض الواقعي، وإن بدا متشائماً، بأن أزمة العراق سوف تطول، وبأن احتمالات التقدم للدولة ربما تبدأ من اختيار غير المالكي الذي لا تُجمع عليه حتى طائفته. بل لا خلاص للعراق عبر البنى الطائفية.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة تثوير الفن و تنوير التثوير ماذا يجرى فى العراق؟ الموضوع السابقة
تقييم 2.25/5
تقييم: 2.3/5 (83 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع