المقالات والاخبار > مقالات > الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها

الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها

استهداف دائم يشترط هوية: المقاومة والتنمية والوحدة د. عادل سمارة

نشرت بواسطة admin في 22-Jun-2014 12:50 (1253 عدد القراءات)
الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها
استهداف دائم يشترط هوية: المقاومة والتنمية والوحدة
د. عادل سمارة
(قُدِّمت هذه الورقة إلى المؤتمر السنوي السابع
دراسة الإنسان والمجتمع والثقافة العربية-الإسلامية من خلال القضية الفلسطينية، في جمعية إنعاش الأسرة (24-25 ايار 2014)

"يشترط قانون التحول وعياً/نقدياً مشتبكاً، وإلا هزيمة تولِّد أخريات."
الاستهداف الدائم، لن يتوقف ما لم تنهار الراسمالية وتحديداً في الغرب الرأسمالي، هذه بحيرة طاقة والغرب يموت بدونها، لذا تجهزوا لمليون حرب : اي مليون مقاومة أو مليون خنوع. لقد أنكر مستدخلوا الهزيمة انتصار حزب الله لأن هويتهم ليست مقاومة والمقاومة تفترض المقاطعة والمقاطعة ترفض التطبيع وهذان ينتهيان بالضرورة بالتنمية والتنمية تشترط توطين واستثمار الفائض والفائض يقوي الدولة العربية المركزية وهذا يجعل الوحدة ضرورة بين المنتج العربي والمستهلك العربي. والمقاومة لا تنحصر في مقاومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، فتفكيك مفاصل الأنظمة القطرية مقاومة، ومواجهة الإمبريالية مقاومة. سوف تُؤذى مسامع كثيرين/ات بقولنا بأن الوطن العربي خاضع لسلسلة متنوعة من الاحتلالات، أخطرها الصهيوني، وأخبثها الكمبرادوري والريعي.
هذا مدخلي لصد تناسل الهويات المحصورة والمحاصِرة لغيرها، من سني إلى شيعي إلى ماروني إلى زيدي إلى مصري إلى سوري إلى مغربي ...الخ1 لقد حل الشيخ محل النبي وحلت المؤسسة الدينية السلطانية محل الله. المقاومة وطنية لذا تجمع كل مخلص وواع. والوعي هنا مفصلي. والمقاومة تقود إلى ما ذكرته أعلاه. وحينها صلِّي كما تريد، أَحب بقعة أكثر من غيرها، حينها تصبح الثقافة والهوية الفرعية متعة. الفارق الرئيس أن المقاومة نقيض التخارج الثقافي والفكري والسياسي والاقتصادي بالطبع.
المقاومة، تفترض نضال الجميع من أجل الجميع، والتنمية تفترض شغل ومساهمة ومصلحة الجميع او على الأقل الأكثرية الساحقة من المجتمع. هذا المدخل وحده الذي يمكنه مواجهة الاستهداف الدائم.
جرت لملمة الكيان من 100 قومية ومع ذلك صنَّع: هوية سياسية واحدة وهوية ثقافية واحدة. الصين هوية سياسية واحدة و 55 قومية. هوية العروبة إذا استثنت الشركاء تتحول إلى هوية متخلفة وشوفينية، وتخرج عن الانتماء الشعبي إلى منغلقات الأنظمة القُطْرية السياسية/الطبقية المتحكمة منحدرة إلى طائفية ومذهبية. لذا، تتقدم هوية المقاومة والتنمية والوحدة على هوية العروبة بمفردها.
سألتني مناضلة انارخية Anarchist في فانكوفر في كندا 2003 قبل ايام من احتلال العراق وكان العدوان مؤكداً: على ماذا يرتكز تفاؤلك وحالكم هكذا. قلت لها طالما نقاوم نحن على طريق الانتصار. بعدها اخذني فلسطيني "من حزب العمال الشيوعي- تم حلُّه" جانبا: وقال أتمنى ان تحتل امريكا العراق. حصل الاحتلال وحصلت المقاومة. تم تدمير العراق ولكن هُزمت امريكا.
ربما مصادفة أن هذا اليوم 25 ايار يوم انتصار المقاومة في جنوب لبنان عام 2000، و 25 ايار 1966 فجَّر طلبة جامعة بكين الثورة الثقافية، وفي ايار 1968 إهتدى واقتدى بهم طلبة فرنسا، الغرب اقتدى بالشرق.
الـــــورقــــــة
قد يكون لمدخل الاقتصاد السياسي راحة أكثر في العمل والاختبار والاشتباك اليوم أكثر من ما قبل بضع سنوات. نحن كما يبدو في لحظة تأزُّم حاد لحقبة العولمة التي أتت سريعاً وبعنف غير منظور، وتأزمت باسرع مما اتت ومما تمنينا، نعم مما تمنينا لأننا لم نتوقع تأزُّمها السريع ربما محاذرة منا بعد أن اعتدنا على وضع تواريخ محددة لسقوط الرأسمالية الذي لم يحصل بعد !.
في هذه الحقبة ساد خطاب الخنوع الفكري، والأصح الإيديولوجي، إلى حد بات معه ذكر مفردة الإمبريالية في كثير من مواقع الأكاديميا وحتى أحزاب اليسار، وفي بلادنا ذكر العروبة، محط هُزءٍ وعقوبة على الأقل بتهمة التخشُّب، هذا رغم أن استخدام هذا الخطاب هو جوهريا مقاومة. في هذه الحقبة كانت القفزة الهائلة للثورة المضادة على عنق التاريخ، والتاريخ الجاري هم الناس بالطبع. لم تعد الصهيونية عنصرية، ولم تعد الاشتراكية المحققة موجودة، وتحولت القومية العربية إلى لعنة، وصار اصغر أمير وإمارة في كيان قُطْريٍ مثابة إمبراطور معولم التطاول، وساد الدين السياسي على الفكر الثوري وحتى على المنطق العقلاني، فكانت المحافظية الجديدة، واليهوسيحية، وتمفصلاتها الوهابية والإخوانية لدينا هي السياسات بل الفكر المهيمن إلى أن تولدت عنها حالة مزدوجة متوازية:
دول او ولايات الطوائف والمذاهب الإسلامية (داعش نموذجا)
والدولة اليهودية
هذا، إلى أن استعاد التاريخ بعض توازنه، فضرب بكفه الأقوى اي الاقتصاد. لنجد اليوم، أن ثلاثي الإمبريالية (الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي) غير قادر على “تأديب” روسيا التي استعادت القرم. كما لم يعد الكيان الصهيوني قادراً على “تاديب” هذا أو ذاك دون أن يخرج مدمَّى الوجه.
هذا ما نسميه، مجازاً، سحر الاقتصاد السياسي، فالسحر ليس التعبير الحقيقي عن العلم سوى من باب، :" وإن من البيان لسحرا". ولكي نتمكن من استخدام الاقتصاد السياسي لا بد ان ندخل إلى نمط حياة المجتمع، نمط الإنتاج و/ أو مجازاً، غياب الإنتاج!!! ما هو شكل وعلاقات المجتمع في ظل نمط إنتاج ما؟ وكيف يعيش مجتمع لا ينتج ما يكفي وما يجب ان ينتجه وما يمكن أن ينتجه وهل بهذا هو مجتمع حي، على هامش التاريخ أم بات ورائه؟ عبر نمط الإنتاج يمكننا تجليس الاقتصاد السياسي في حاضنته أي المادية التاريخية. وللتقريب تجليس التاريخ العربي الحديث او الجاري عبرالمعالجة السياسية الاجتماعية للمسألة الاقتصادية أو العكس تبادلياً. بكلمة أخرى هو استنطاق الظواهر وحتى الأرقام عبر التاشير إلى الناس الذين يقومون بالعملية الإنتاجية من جهة وإلى الناس الذين يضعون ايديهم على إنتاج المنتجين من جهة ثانية. فكيف بحال الوطن العربي حيث أمماً تضع يداً على ثروات هذه الأمة وتقبض بأخرى على عنقها بينما بين ظهرانيها، من مثقفيها وبالطبع ساستها، من يشد على تلكم اليدين شد التأييد بالاستتباع2. أما حصته من الريع فيتم تسخيرها لتكريس التبعية واستيعاب قوة العمل في الإرهاب، وليس الإنتاج، مغطىً بالدين!
يكشف لنا هذا المقترب بأن وراء الاقتصاد تقف الناس، الطبقات والفئات الاجتماعية طبعا بمصالحها وكذلك بثقافاتها. وهذا يفتح على إشكالية عالمية بدأت قبل العولمة ولكنها استفحلت معها، وهي إلى ماذا يمكننا نسب العامل الحاسم في الحياة؟ إلى المصالح المادية سواء مُظهَّرة أو مموهة، وحدها أم بشركاء صغار لها؟ أم بالثقافة والهويات وتناسل الهويات؟ هذا الصراع جارٍ بين المصالح المادية على اتساع المضمون وبين هلامية الهوية على امتداد سيولتها مما يُفرغها من المضمون. وهو صراع جرى داخل الفكر الماركسي في العقدين الأولين من القرن الماضي لتأخذ أسطورة الهويات المتناسلة مجدها في أواخر القرن نفسه. إنه الاشتباك في كل موقع وفي كل نظرية. والمهم أن ما وراء استهداف هذا الوطن هو المصالح المادية، هي الرأسمالية، التي يكشفها مبضع الاقتصاد السياسي.
هل تحضر الأمة بالإنتاج، أم تحضر بالهوية/الهويات المتناسلة انحطاطاً إلى مذهب او طائفة كأصغر منزلة عشرية وربما لا بعد؟ وهل حضور الإنسان في المكان/الطبيعة هو بفعل الهوية أم العمل والإنتاج؟ وهل كان ولا يزال للإنسان معنىً لو لم يكن هو الزمان معبِّر عن نفسه بنمط الإنتاج، باعث الحياة وصاينها. الإنتاج يحدد الهوية، وبهما يتحول/يرتقي الإنسان من وجود إلى حضور.
فالإنسان ليس فقط هو "الذي يفكر فهو إذن موجود" بل إن وجوده يفقد معناه العملي إذا لم يتحول إلى حضور بل حضور مشتبك وفاعل خارج ذاته مع الوسط المحيط من منزله إلى الكوكب. ولعل هذا الغياب هو الذي أغرى مفكراً من قامة هيجل لينعت أمماً ، لها وجود، بأنها بلا تاريخ حيث ليس لها حضوراً. اي ليست حاضرة ولا مشتبكة بل ممتطاة وتتمتع بكونها القطب السالب الذي حتى لا تتسنى له متعة الجواري.
والأمة التابعة غير الحاضرة غير المقاومة هي نصف أمة، مشتبكة في داخلها وتتناسل بذاتها تخلفا على تخلف كالدودة الشريطية. نصف أمة لأن نصفها يستعمر النصف الآخر. وإلا، ما معنى أن يشعر رجل الخليج بأنه ولي أمر امرأة في الدار البيضاء، كل رجل سيد على اية امرأة! نصف أمة أو اقل حين يتمكن ما يسمى بالشيخ بالإفتاء بجهاد النكاح وتتبعه الملايين شاهرة السيوف بينما يتم تجويف الوطن المحتل ليقتصر على الأقصى والأقصى لم يبق منه سوى غلافه. وحين يزعم رجل الدين المسلم و/أو المسيحي بأنه يزور القدس لأن من الواجب زيارة السجناء....أي ليس من الواجب تحريرهم3. حال كهذا تهددنا بأن نصبح أمة بلا حاضر. وإلا ما معنى هذا القتل "الديني" في كل صوب وناح! أليس هذا نتاج صمت وتواطؤ من القوميين والشيوعيين منذ هزيمة 1967! أليس هذا ما سمح لمشايخ التخلف والفتنة بالتغوُّل على عقول الطبقات الشعبية بل صار عالم الفيزياء والاجتماع يجرِّب التداوي ببول البعير؟ نحمد الله أنها لم تنقرض بعد.
يحاكم الاقتصاد السياسي الطبقات الاجتماعية في علاقتها بالثروة الوطنية وفي علاقتها بالنظام السياسي القائم. اي يتعامل مع علاقة السلطة والثروة. الإمساك بالسلطة وتوزيع الثروة. ولهذا هو متعلق، اي الاقتصاد السياسي، بالصراع الاجتماعي او الطبقي. صراع الطبقات على المصالح المادية هو تحليل للصراع الطبقي في سياق مادي تاريخي يركز بالضرورة على أدوار الطبقات الرئيسة في المجتمع، وهي الطبقات التي تمثل/تُدير بشكل أساسي نمط الإنتاج المهيمن.
لكن الأمر في الوطن العربي اصعب، لأن المطلوب هو محاكمة الطبقات المسيطرة قُطْرياً لأنها مسيطرة لصالح الآخر وتكتفي باقتصاد التساقطTrickle-down Economy. طبقات (إن جاز تعميم التعبير عن طل نظام حكم في كل قطر) تساهم بسبب مصالحها في احتجاز تطور وطنها وتتمسك بأنماط إنتاج ما قبل العصر وأنماط علاقات كذلك ولكن باستهلاك متوحش شره لا عقلاني في مستويي العيش العام والجنس لا سيما اثرياء خليج الريع النفطي. أنظمة تقول: اقتصاد، بل، وطن تحت الطلب. أما اليوم، فأنظمة تسخِّر الريع العربي لاجتثاث مختلف بؤر التنوير العربي، حرب على العقل والعلم والتصنيع.
تاسيس الخراب العربي مرتكز تاريخي/جغرافي
في التاريخ بما هو وعاء الوجود والوعي الإنساني، نجد الاقتصاد السياسي دائما، قوة إضاءة الجغرافيا سواء في تفاعلها او تقاتلها. من هنا كانت الكشوفات الجغرافية وسقوط غرناطة وبدء الاستعمار العثماني عوامل وضعها التاريخ كأسس لعالم جديد جرى تمهيده بالسوق العالمية. في هذه الرزمة المحدودة من السنوات جرى سحق شامل للحيز في هذا الكوكب لا نزال في إساره. انتهت امبراطوريات وبزغت أخريات. ما اشبه اليوم بالبارحة، بزوغ البريكس العاجل يذكِّر بذلك البزوغ4. لكن الماسأة أن البزوغ الأول كان في نهاية عصرنا، أو دورنا العربي في العصر، أما البزوغ الحالي فنحن فيه امام خيارين:
إما الدور الفاعل في أعقاب الإرهاصات العربية
أو قوة العتمة التي تديرها أنظمة وقوى الدين السياسي لصالح الثورة المضاد. فأي النافذتين نلج؟
عن هذه الحقبة تولدت الرأسمالية التجارية Merchantile Capitalism5 بأفق معولم ووضعت وليدها الذي لا يشبع، السوق العالمية. هذه الرأسمالية التجارية التي تطورت إلى راسمالية اليوم بكل توحشها لا سيما ضدنا.وليس من عجب بأنها بدأت في البلدين البروتستانيتين هولندا وبريطانيا.
التجارية هي سياسة اقتصادية في اوروبا الغربية بدأت من 1500م وحتى الثورة الصناعية وبزوغ سياسة "دعه يعمل دعه يمر". تُوازي او تناظر الأمم التجارية النقود بالثروة وتهدف الى حيازة السبائك عبر زيادة التصنيع المانيفاكتوري والتصدير والضرائب على الواردات والاستغلال الذي تقوم به الدولة الاستعمارية. كانت سيطرة الدولة جزءا حاسما في العملية.
في هذه الحقبة من الزمن ترافق تطور التجارية مع بدايات الصراع بين نمطي الإنتاج الإقطاعي وحليفته الكنيسة الكاثوليكية والرأسمالي وحليفته الكنيسة البازغة البروتستانتية. ورغم انتصار التجارية البروتستانتية فإن ذلك لم يحل دون رسملة أوروبا الكاثوليكية التي لحقت بها. وهذا يفتح على سؤال :لماذا تواصل او توازى التطور في اوروبا رغم حروبها البينية كتوازي الماء في الأواني المستطرقة؟ ولماذا حال أو يُحال، حتى اليوم دون تطور غيرها.
رسملة الدين لا تديين الرأسمالية:
لعل ما يهمنا هنا أن التذكير بسيطرة الرأسمالية التجارية البروتستانتية على التجارة العالمية مبتدئة من تفوق بريطانيا على هولندا، وجذب بريطانيا لراس المال اليهودي الذي اعتمد باكرا الفائدة والربا لمواجهة الكاثوليك واستخدام هنري الثامن (1534) لطروحات مارتن لوثر (1523)6 وخاصة ما قام به كرومويل من تسهيل استقدام اليهود 1655، وسيطرة بريطانيا على المستوطنة البيضاء في امريكا الشمالية التي غدت المركز الأقوى لراس المال والإنجليكانية، كل هذا له اثره ودوره الواضح في مسألتين:
الأولى: تواصل السياسة الاستعمارية الرأسمالية (وخاصة الإنجليكانية) ضد الوطن العربي مازجة بين المصالح الاقتصادية اي الراسمالية والدين.
والثانية: موقع الصهيونية في راس المال والإنجليكانية وهو الذي وصل أقصى تحالفه في المحافظية الجديدة.
في هولندا، اشتقت ثروة هولندا من التجارة وعوامل اخرى، فاق البروتستنت الكاثوليك وساهم الهوجونت واليهود في ازدهار حياتها الثقافية. لكن، رغم صعودها التجاري فقدت تفوقها لصالح بريطانيا في القرن التاسع عشر . انتعش دور اليهود مع مطالبة حركة الإصلاح احلال الكتاب المقدس محل البابا كمرجع روحي. ومن حينها بدأ الحديث عن عودة اليهود الى فلسطين ومفهوم الأمة اليهودية. مارتن لوثر 1483-1546 كان اول من ابدى اهتماما سياسيا ولاهوتيا باليهود ...ورأى فيهم مرشحين ضد الكاثوليكية ومهتدين احتياطيين للديانة البروتستانتية الجديدة. إذن لماذا لا نقول بأن هذا مؤسس المحافظية الجديدة كأحدث استخدامات الراسمالية للمسيحية؟
بدأت صهينة النخبة البريطانية في عهد هنري الثامن حين نصب نفسه على راس الكنيسة الإنجيلية 1534 واصدر امره بإيداع نسخة من التوراة والانجيل بالإنجليزية في كل كنيسة في بريطانيا. (لاحظ دعوة لوثر كانت 1523).أي وضع الدين في خدمة الدولة/السياسة/اphotosلراسمالية. وهذه "مساهمة" بريطانيا ليس في الانتقال الأول من الإقطاع إلى الراسمالية بل احتواء الدين بالراسمالية.
بعد هزيمة الأسطول الإسباني 1588 لاذ كثير من اليهود بالفرار الى هولندا وبريطانيا.
في حروب التجارة الهولندية البريطانية 1652-1654 بين بريطانيا وهولندا سدد الإنجليز ضربة موجعة لأسطول هولندا ثم قام كرومويل باستقدام التجار اليهود من امستردام الى لندن 1655. حيث وجد البروتستانت في اليهود ذخيرة ضد الكاثوليك وذخيرة للقطاع الراسمالي الناشىء والمبني على اساس الفائدة والربا. إنه توظيف الدين اليهودي كذلك.

ولكن كي لا نتورط في إطغاء الثقافي على الاقتصاد السياسي، فإن كون بريطانيا وهولندا بروتستانيتين وجميع أوروبا مسيحية، فإن ذلك لم يحل دون حروب مذابحية بينها على السوق العالمية، على التجارة العالمية ولا حقاً حتى على غير بلدانها.فقد تمكنت بريطانيا من هزيمة هولندا، والتي كانت آخرها في الحرب الإمبريالية القاسية بل الأشد وحشية في جنوب إفريقيا كما وصفها (هوبسن 1895). لم تنتهي هولندا بل بقيت قوة إمبريالية بحجمها دون تخلٍّ عن وحشيتها بين أصحاب الدين وحتى الطائفة الواحدة. ولعمري كأن هذه بروفا غربية لتذابح المسلمين اليوم على أرض سوريا ولكن تذابح الهامشيين والمضيعين المسلمين هو لصالح راسمالية المركز والصهيونية، وشتان بين حرب لأجل الذات وتذابح لأجل السيد الآخر.
كما سيطرت بريطانيا عالميا في حقبة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية لتحل محلها الولايات المتحدة. ولكن في كل هذا وبعد كل هذا وحتى اليوم: ظل الوطن العربي مستهدفاً .
نتحدث هنا عن مرحلة من عدة قرون مليئة بالصراع والتفاعل العالميين معاً، في حين كان الوطن العربي ضمن سيطرة عثمانية مغلقة تأكل من بنيته ولا تعطيه كما لا تسمح له بأي تفاعل عالمي حتى لو من باب تقليد المغلوب للغالب (ابن خلدون) وربما لهذا لم يحصل تطور عربي لأن الغالب العثماني كان قوة إقطاع عسكري/حربي7 لا أعلى.. امتدت هذه النزعة الإعتقالية الابتلاعية اربعة قرون كحالة استعمار نهبوي مغلّفة بحجة الدين بقيادة خلافة تناقض الدين نفسه باعتبار الخليفة عربي ومن قريش، ناهيك عن بغاء القصور في استانبول ومراتب الجواري(إقبال، قادين...الخ) مما يذكرنا بجهاد النكاح بين "ثوار" الدين السياسي في سوريا في حين مقاولو تزويدهم "باللحم" الأنثوي "ثوار" تونس ودافعي كلف ذلك كله حكام قطريات الريع النفطي، فأي استثمار لثروة العرب في "ثورة" العرب! 8.
وقد يكون مفيداً التذكير الآن بذلك التحالف الممتد منذ قرابة القرن ولا يزال، وهو ربما غير مرئي، بين أعداء ثلاثة ضد الأمة العربية بينما من المفترض تناقضهم :
الولايات المتحدة وخاصة المحافظية الجديدة كإنجليكانية متشددة
والكيان الصهيوني كيهودية ترفض اي عرق أو دين آخر في ارض ليست ارضها
والطورانية حاملة لواء الدين السياسي الإسلامي باسم الخلافة.
وهو تحالف له مساهمته الكبرى والأعمق في التخلف متعدد التمظهرات في الوطن العربي.
وربما من هنا كان تسليم الوطن العربي من الاستعمار العثماني إلى الإمبريالية الغربية تسليما (بالمفتاح كما يقول مقاولو البناء) من الطبيعي حصوله كما هو الطبيعي انتقاله على آلة الحرب بمعنى طبيعية ان يرث استعمار جديد استعماراً راحلاً. أما الثمن فتدفعه الضحية التي يتبادلانها. هل من غرابة إذن أن تمنح بريطانيا في سنوات التسلُّم والتسليم فلسطين للصهينونية عربون التحالف، وأن تمنح فرنسا لواء الإسكندرون لتركيا الجديدة والمهزومة، وأن تنشأ بين تركيا الجديدة والكيان الصهيوني لاحقاً علاقة حميمة سواء تحت حكم العلمانيين أو الإسلاميين الأتراك. فهل غير المقاومة هوية للرد؟
خطط ومواجهة:
إذا صح الترافق الزمني بين الصعود المتوازي زمنيا بين الاستعمار العثماني بنظامه الإقطاعي العسكري وبين الصعود الراسمالي التجاري الأوروبي، فإن الحروب ما بينهما قد تأجل حسمها النهائي طويلا نظراً لانهماك أوروبا في استعمار العالم الجديد والهند والصين وإفريقيا قبل أن تقرر مناطحة الرجل المريض مباشرة والإجهاز عليه. ما أقصده أن الوطن العربي كان موضوع خطط من هؤلاء الأعداء، ولا أحصر ذلك في "مجرد مؤامرات". فحكم الوطن العربي ومحاولات تتريكه باسم الإسلام كانت خطة العثمانية، ومصطلح الرجل المريض كانت خطة أوروبا لاستعمار الوطن العربي، وهي التي بدأت طويلا قبل الحرب العالمية الأولى، اي منذ العقود الأولى للقرن التاسع عشر حيث كان القضم التدريجي لأطراف الوطن المحتل من العثمانية، عدن، الجزائر، تونس، مصر . بكلمة، كان هذا الوطن ميدان تصارع الطرفين.
وبالمقابل، لم يخلُ الوطن العربي من محاولات المقاومة، سواء في استعصاء جبال اليمن، أو عدم بسط العثمانية كامل سيطرتها على المغرب العربي أو ثورات الفلاحين، العاميات في لبنان، أو ثورة أحمد عُرابي في مصر...الخ. قد لا تكون هذه المحاولات بنضوج قومي كما انها لم تخنع لتفسيرات الدين السياسي، بل كانت لأن العثمانية هي مشروع تقشيط لتدافع عن إمبرطوريتها وليس كي تستثمر وتُصلح وهذا فارق جوهري بين نمط معيشتها وبين نمط تطور اوروبا الغربية آنذاك.
ولعل المحطة المركزية في هذا كانت مصر محمد علي التي اتخذت شكل ثورة وطنية دولانية من اعلى في محاولة لبناء راسمالية الدولة في عز الثورة الصناعية الأوروبية. لذا قال ماركس في محمد علي: "الرجل الذي حوَّل العمامة المفتخرة إلى راس حقيقي" وبما هي ضد العثمانية والغرب9، فقد لعبت قدر الإمكان على التناقض الدولي بين بريطانيا وفرنسا، من جهة وبين العثمانية والغرب من جهة ثانية. وقد يكون درس التحالف بين أعداء العرب ضد نهضة مصر هو الاستنتاج الأبلغ ليساعدنا على فهم عنوان هذا المؤتمر، بمعنى هل الخلل كله عربياً؟
في مواجهة نهوض مصر محمد علي، تحالف اللصوص جميعاً (تآخي اللصوص. هكذا يصف ماركس تحالف القوى الاستعمارية في محطات معينة). فقد انحازت فرنسا ، حليفة محمد علي، إلى التحالف العثماني البريطاني، فكان تحالف راسمالي غربي وإقطاعي عسكري عثماني، مسيحيين إنجليكان وكاثوليك، ومسلمين سنة ضد مصر السنية! فما الفيصل هنا الثقافة أم الاقتصاد السياسي؟ كان التحالف بين الخلافة الإسلامية وفرنجة راس المال ضد نهضة عربية، إنه الصراع بين التنمية واحتجاز التطور؟ لا بد من ملاحظة تنقُلنا من عام 1840، هزيمة مصر على يد التحالف الثلاثي هذا إلى عام 1991 في العراق حيث هزيمة العراق على يد تحالف ثلاثيني شاركت فيه القوى نفسها وأخريات. تآخي مختلف اللصوص حتى الذين كانوا "اصدقاء" للعراق، فرنسا مثلاً، أما اليابان فتبرعت للولايات المتحدة ب 18 مليار دولار لتغطية نفقات العدوان، فكانت أن زاد الدخل على الإنفاق في ذلك العدوان. ولعل الأهم، أن الشروط التي وُضعت على محمد علي بعد هزيمته10 هي تقريباً الشروط نفسها التي فرضت على عراق صدام حسين بعد إخراج العراق من الكويت11 1991 إلى أن قامت راسمالية المحافظية الجديدة الأمريكية باحتلاله 2003، بما هي وريث الراسمالية الإنجليكانية البريطانية، ولست أدري إن كان جورج دبليو بوش من الثقافة بمكان ليعرف أنه بقوله عند احتلاله العراق Mission Completed إنما يكرر قول الجنرال الاستعماري الفرنسي غورو في سوريا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"! تتكرر الجريمة، فبعد اربعة عقود على هزيمة محمد علي جرى احتلال مصر من بريطانيا وبعد 12 عاما على هزيمة صدام حسين جرى احتلال العراق من الولايات المتحدة.
مهم ان نذكر هنا بأن المشروع النفيذي الأول للمحافظية الجديدة والتي ليس فقط من قيادييها تروتسكيين يهودا وغربيين12 بيضاً بل قام تروتسكيون عرباً بإغراء امريكا لاحتلال العراق ويقومون كذلك اليوم ومنهم فلسطينيون بإغراء كل الغرب لضرب سوريا .
الاستعمار الأوروبي وسايكس بيكو
تُجمع مختلف قراءات الاستراتيجيين على أن أمن مصر يمتد شرقاً إلى الشام وجنوبا إلى الجزيرة العربية، وغربا إلى المغرب وذلك انطلاقاً من أن الدولة المركزية العربية هي مصر وبأن قيمة مركزيتها هي في دورها وبأن انحطاطها منوط بتخليها عن دورها سواء بانطوائها او تبني قيادتها للاستتباع13.
هذا ما أدركه محمد علي بأن مركزية مصر متطلبا اساسيا لدولته الجديدة التي واكبت الموجة القومية الأولى في أوروبا14. لذا كانت حملته على السودان وحملته على الحجاز لاقتلاع الوهابية وحملته على الشام لمواجهة العثمانية.
وبالمقابل، كان التحالف الأوروبي (الغربي الرأسمالي المسيحي) والعثماني الراسمالي التابع (الإسلامي) لتحطيم الدولة الجديدة. ولنتذكر أن رئيس وزراء بريطانيا حينها كان بالمرستون المتعصب لليهود من مدخل استراتيجي، ولذا، كان من دعاة إقامة دولة لهم في فلسطين وهذا سابق بنصف قرن على تبلور الحركة الصهيونية. كان بهدف وجود دولة يهودية للمساهمة في حفظ مصالح بريطانيا في الوطن العربي وخاصة الطريق الذي تحتاجه شركة الهند الشرقية بعد أن سيطرت على شركات الهند الشرقية لكل من فرنسا وهولندا. لتقويض تجربة ودولة محمد علي، تحالف مع فرنسا خصمه آنذاك طبقاً لمقولته المعروفة: "لا توجد صداقات دائمة بل مصالح دائمة".
بالقضاء على تجربة مصر محمد علي، صار بوسع منظري التنمية القطع بأن: "لا يابان بعد اليابان" أي لن يسمح الغرب الراسمالي بعبور أي مجتمع إلى الرأسمالية بشكل حر ومستقل. وهو شعار يمكن صياغته: "لا أوروبا بعد أوروبا". وقد لا يبدو غريباً أن المرتكز المركزي للمحافظية الجديدة الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي هو منع اية قوة من منافسة الولايات المتحدة. لعل هذه تجد جذورها في تلك.
بهزيمة محمد علي، تكرست في مصر مدرسة في الحكم تمثل استدخال الهزيمة، أي لا مقاومة، ممثلة في الخديوية التي بقيت حتى ثورة يوليو 1952. والتي تم تقطيع المقاومة العربية لها بثورتي عرابي 1881 وثورة 1919 بقيادة سعد زغلول. وبهزيمة عبد الناصر تكرست مجدداً تبعية مصر ممثلة بخديوية عسكرية لا عائلية (السادات ومبارك).
وهكذا، فإن الاستعمار العثماني من جهة وإجهاض ثورات مصر من جهة ثانية وما ترافق معهما من فقر وتخلف الوطن العربي قد مهدتا للخضوع للاستعمار الغربي بتنوعاته سواء القومية (بريطاني، فرنسي، إيطالي) أو تمظهراته (عسكري، اقتصادي ، استيطاني).
لقد كان الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا وبعلم قيصر روسيا15 (1916) هو من جهة بهدف الحلول محل الاستعمار العثماني ومن جهة ثانية مواصلة استهداف الوطن العربي الذي كان مستنزفاً في تلك الفترة. بل الذي لم يفرز حينها سوى "ثورة" تابعة، اي "الثورة" التي تجندت إلى جانب المستعمرين الجدد لطرد القديم العثماني على أمل أو بوعد تنصيب الحسين بن علي ملكا على الدولة العربية الجديدة! إعتقاد بأن الاستعمار يمنح استقلالاً...عجيب! تماما كما يحل اليوم، ان تعطي امريكا والكيان الصهيوني دولة فلسطينية بالمفاوضات!!! وعجيب ايضاً كما اعتقد شيوعيون سوفييت وعرب وفلسطينيين بان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين سيقيم دولة اشتراكية. والأعجب أحداً من هؤلاء لم ينقد نفسه. هذا وكأن الإمبرياليات الغربية أتت تقاتل العثمانيين خدمة للعرب! ناهيك عن أن الحسين بن علي كان يعرف طبيعة العلاقة العشقية بين بريطانيا وخصومه آل سعود!
لم يكن لبنى متخلفة وقبائلية أن تفرز قوى سياسية ارقى من تلك التي خدمت الاستعمار الغربي أكثر مما خدمت شعبها، الأمر الذي لم يتردد المستعمرون الجدد في قلب ظهر المجن لها، وتوظيفها ضمن استراتيجيته للمنطقة بأسرها. وعليه، لم تكن المشكلة في خطة الغرب لتقسيم الوطن العربي بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، بل المشكلة في جاهزية النخب السياسية العربية لقبول هذا التقسيم بل والتنافس عليه، وهو دور لا يزال يتكرر!. لم تكن هناك اقتصادات مستقلة لأي قطر عربي في الفترة العثمانية. كانت جميعها ملحقة مرتبطة بالمركز التركي وتعمل بما يوفي متطلباته ويوفر له الضرائب التي يفرضها والتي تصل دائما حد الحيلولة دون تراكم حقيقي، بينما التراكم الفائض هو الذي يخلق طبقة المستحدثين الرأسماليين. وكيف يحصل هذا التراكم والضرائب عالية إلى جانب عدم تسجيل اراضي سوى في ستينات القرن التاسع عشر وبهدف الضبط الضريبي اساساً ناهيك عن أنها ضرائب لا تتضمن إنفاق جزء منها على خدمة دافعيها وعن أن معظمها كان يذهب لشراء الأسلحة أكثر مما هو لإقامة اقتصاد تركي متطور16.
لذا، كان طبيعيا أن تنخ النخب السياسية التي اختارها المستعمِرون لصالح القوى الاستعمارية وخاصة قبولها بدويلات صغيرة لكل نخبة على اساس قُطري. والأساس القُطْري هو خير ضامن لاستمرار التبعية والتباعد بل وحتى الاشتباك بين قطر وآخر مما يحول:
دون تنامي الشعور القومي
دون تطور بنية اقتصادية إنتاجية تملي على القطر المنتج علاقة وحدوية ما مع غيره
وتقود إلى بقاء الارتباط مباشرة بالاستعمار
ونتيجة كل ذلك ليس دولا وطنية بل مشاريع دول دينية مذهبية
هنا نلتقط حقيقة أن احتجاز التطور كان ضمن تناغم مشترك بين الاستعمار وهذه النخب بمعنى أن النخب المحلية تخارجت عن المصالح الوطنية لصالح ما تتطلبه مصلحة المستعمِر الأمر الذي قاد إلى تواصل التخلف الذي اسس له الاستعمار العثماني.
بعبارة أخرى، فإن التخلف والتبعية التي نجمت عن حرمان الوطن العربي من الموجة القومية الأولى، والتي كانت غالباً أوروبية قد لعب دورا خطراً في حرمانه من دور حقيقي في الموجة القومية الثانية التي هي ثورات المستعمرات او المحيط لأجل الاستقلال.
صحيح أن الوطن العربي شهد في الربعين الثاني والثالث من القرن العشرين استقلالات سياسية، ولكنها ظلت تعاني من عدم تحولها إلى استقلالات اقتصادية اجتماعية. ويمكننا توصيف هذه الفترة ب:
تجذير وتعميق القطرية وخاصة تحت مظلة الجامعة العربية
سلوك التطور في الوطن العربي منحيين17 متعاديين سياسيا وتطوريا
منحى تطور البرجوازية القطرية وطنية/قومية التوجه (مصر سوريا العراق ولاحقا الجزائر)
ومنحى تطور القطريات التابعة المرتكز على الريع وضمن شروط السوق العالمية
لقد كانت كفة المنحى الأول هي الراجحة مقابل المنحى الثاني رغم عدم مثالية المنحى الأول هذا. ولكن العامل الأساس في تقويض تطور المنحى الأول هو الاستهداف الغربي الراسمالي للوطن العربي سواء في سلسلة عدوانات وخاصة ضربته القاضية بهزيمة 1967. والتي لم تكن على يد الكيان الصهيوني بمفرده كما يشيع دائما تيار استدخال الهزيمة او الجهل بحقيقة النظام العالمي.
وبغض النظر عن الخلل في التجربة الناصرية، فهي قد حملت مشروعاً طموحاً في مستوييه:
الوطني المصري من حيث تصفية الإقطاع عبر الإصلاح الزراعي وإقامة القطاع العام والتحول إلى الاشتراكية،
والقومي عبر محاولة اختراق "لا يابان بعد اليابان" فقد وقفت مصر مع الثورة الجزائرية وحركة التحرر في القطريات التابعة ومع الثورة في اليمن الشمالي حيث ارسلت قواتها إلى هناك ومع الثورة في اليمن الجنوبي، وضد الرجعية المارونية في لبنان 1958 ووقفت هي وسوريا مع المقاومة الفلسطينية في الأردن 1970، ثم حرب تشرين 1973..الخ.
وبقدر ما كانت الناصرية كسلطة دولة هادفة إلى تحقيق الوحدة العربية، بقدر ما كانت الجامعة العربية مؤسسة متمأسسة لتقويض اية وحدة عربية عبر فكرتها ونظامها القائمين على سايكس-بيكو. لذا، كانت تضم مصر الوحدوية، والأردن المتآمر على وحدة مصر وسوريا 1958. والسعودية التي أنهكت الجيش المصري حينما دافع عن الثورة اليمنية. هذا إلى أن وصلت هذه الجامعة إلى تشريع احتلال الولايات المتحدة وحلفائها لاحتلال الكويت 1991 وتدمير الجيش العراقي لأنه استعاد الولاية 19 من وطنه، وهو احتلال شاركت فيه جيوش عربية في ذيل العدو الغربي المعولم (مصر وسوريا والمغرب18) و استدعاء الناتو لاحتلال ليبيا وحصل، واستدعاء مجلس الأمن لتشريع احتلال سوريا ولم تتمكن الإمبريالية من ذلك. شكلت هذه المواقف ضربة في وضد الثقافة القومية وقد نرى الإثبات على ذلك أن الشارع العربي ينظر إلى محاولات إبادة سوريا عبر الشاشات بل إن كثيرين يتطوعون للمساهمة في ذلك العدوان وكثيرات يتطوعن لجهاد النكاح19. وهنا لا بد من التذكير بأن هزيمة 1967 قد اسست لهذا على المستوى الرسمي أي تعميق القطرية والمذهبية والطائفية وطمس المشروع القومي والتنمية والاستقلال وبالطبع المقاومة.
أما على مستوى القوى السياسية والشعب فقد اندحرت وتراجعت القوى القومية والشيوعية إما إلى التشرنق على الذات أو إلى التحول إلى الانحصار القطري في تبعية للنظام السياسي. وفي اعتقادي أن تاسيس الطابور السادس الثقافي بدأ منذ تلك الهزيمة.
إن هزيمة الأنظمة القومية في حرب 1967 وانحسار وتشرنق القوى القومية والشيوعية قد فتح المجال لأنظمة وقوى الدين السياسي كي تملأ الفراغ الرسمي والثقافي والشعبي. فكانت سيطرة أنظمة النفط على الساحة السياسية وانتشار افكار قوى الدين السياسي بشقيه الوهابي والإخواني في الوطن العربي، هذا متمول من ذاك.
ولعل من أخطر نتائج هذا :
ضرب الانتماء القومي
والاعتراف بالكيان الصهيوني
وسيطرة الولايات المتحدة على معظم رقعة الوطن.
لعله شكل كاريكاتوري ولكنه راسخ أن يُحكم الوطن من حكام ذوي ثقافة بدوية قبلية بطريركية من جهة (وهذا يجعلهم ضد القومية وضد تحرير فلسطين بوضوح) وفي نفس الوقت لهم شراكة مع راس المال المالي والمضارب الدولي المعولم عبر سيطرتهم على ما يسمح به اقتصاد التساقط Trickle-down Economyمن ريع النفط (وهو كثير رغم ذلك). وقد تفسر علاقتهم الاستتباعية للغرب الراسمالي وتحكمهم بالنفط ورصد اموالهم هناك وعزوفهم عن بناء جيوش وطنية العبارتين التاليتين:
ما يقوله راسماليو ومثقفو الغرب: "كيف حصل ان وجد نفطنا في ارضهم!"
وما يروج له حكام النفط: "الغربيون هم الذين اوجدوا النفط ولذا، هو حقهم".
فترة انتقالية مديدة؟
نتحدث هنا إذن عن قرن كامل ما بين 1916 وما يسمى الربيع العربي نسميها فترة انتقالية مديدة، لم يحصل فيها انتقال حقيقي وكأن الانتقالي إلى مرحلة قد حل محل المرحلة نفسها20. فقد بقي الوطن العربي على هامش التطور الإنساني سواء بمعاني التحديث والحداثة والأغرب أن كثيرا من مثقفيه قفزوا :
إلى ما بعد الحداثة
أو ارتدوا إلى ما قبل الحداثة
لم ينتقل الوطن العربي إلى راسمالية متطورة، كما لم يبن أنظمة اشتراكية كذلك. تجذرت التبعية الراسمالية وجرى الارتداد على المحاولات الاشتراكية التي في حينها رأيناها غير كافية وأصيلة، ومقارنة مع اليوم تستحق إنصافاً أكثر.
على مدار هذا الوضع الانتقالي الذي وبوجه خاص لم يكسر شرنقة ما قبل التصنيع الحقيقي، أو واقع قاد إلى تصفية مواقع التصنيع الطموحة في مصر مثلاً، تواصل الحفاظ على البنى القبلية والعشائرية في المجتمع العربي مما خلق حالة من الاغتراب بين تيارات الحداثة والواقع الاجتماعي القبلي وغير المترسمل إنتاجياً. لقد حرصت الأنظمة الحاكمة على الإبقاء على العشائرية واستدعائها عند أزماتها مع الشعب، بدل ان تدخل معها معركة التنمية لاقتلاعها. بل وزاد الإشكالية وجود حالة من ترسمل الاستهلاك مدعومة او مغطاة بريع النفط. وهو الريع الذي لعب من خلال العلاقة بين دول الفائض ودول العجز، لعب دورا في تعميق الاستهلاكية الاستيرادية العربيةعامة مما قيد التطور الصناعي وخدم اقتصادات المركز عبر تحويلات عربية هائلة لاستيراد الغذاء والمنتجات المصنعة والأسلحة ورصد الفوائض في المصارف الغربية التجارية والحكومية.
وإذا كانت فترة الموجة القومية الثانية قد اخفقت في تحقيق التنمية، فإن فترة الموجة القومية الثالثة قد أتت لتنقل "فرق تسُد" إلى مشروع التفكيك والتذرير من جهة وحملت البريق السرابي للديمقراطية. إن فريق الهتاف للديمقراطية إما يجهل بأن القاعدة المادية التي وحدها يمكنها ضمان الديمقراطية هي التنمية بل التنمية بالحماية الشعبية، وإما يتجاهل ذلك في خدمة للاستتباع والحيلولة دون تحول الحراك العربي الجاري من شكلانية الدمقرطة إلى الاقتصادي الاجتماعي والثقافي. لعل أنشط هؤلاء الدُعاة اليوم هو عزمي بشارة. فكما نسمع منذ عدة عقود وخاصة اليوم صراخ الكثير من المثقفين العرب ينادون بالدمقرطة ويعتبرون الديمقراطية العلاج الشافي لكل شيىء (حجاب الحب والحبل وركوب الجمل)، فإن هؤلاء مأخوذون بما يتلقونه من اللبراليين الغربيين الذين في تجربة بلدانهم، إما توازت الدمقرطة مع التصنيع أو لحقت به كونها شرطاً لاستمرار خط الإنتاج. وهذان ليسا حال الوطن العربي. وما أقصده تحديداً هو أن احتجاز التطور حال دون قاعدة صناعية تخلق ثقافة مختلفة عن ما قبل الرسملة. بل توازى هذا مع عاملين سلبيين هما:
نمو سكاني يفوق النمو الاقتصادي
تخلف في القاعدة الصناعية والرقعة الزراعية.
إن وجود القاعدة الصناعية والدولة العلمانية كانت الضمان بأن التديٌّن هناك اتخذ حالة طقوسية من جهة واحترام مطلق لراس المال. في حين أن الدين السياسي في الوطن العربي أتى على غياب القاعدة المادية، الإنتاج، وبالتالي على وجود دولة هشة تتستر به وترضع من الريع مما جعل كل شيء طقوسي ما عدا تسييس الدين وتمويله بالريع اي رسملته ريعياً.
إن مجتمعات تعيش على الريع، أو تنتظره حتى لو كان ريعا محليا، لن تكون معنية كما يليق بالحريات. كما أن الحكام انفسهم كمتحكمين بالريع وتابعين متخارجين سياسياً لا يشعرون بقناعة ولا بضرورة ولا بضغط قاعدي ليطلقوا الحريات. وبالطبع الأمر نسبي لو قارنا مصر او سوريا بالسعودية أو قطر.
إن لعوامل التخلف واحتجاز التطور المذكورة آنفاً دورها الكبير في قيام القطريات العربية، في حقبة القومية الثانية، بانتهاج سياسات يمكننا تسميتها تطوير اللاتكافؤ بين قطريات الوطن العربي مما يقوض اية فرصة أو ضرورة للتكامل الاقتصادي العربي21 ما ينسجم مع دور الجامعة العربية كمؤسسة لتأبيد القطريات. وهو ما تطور في الموجة القومية الثالثة إلى عدوان الأنظمة القروسطية على الأنظمة المستنيرة والعلمانية والقومية.
وعليه، فإنه بدلاً من توظيف فوائض النفط في مشروع نهضوي صناعي ببعد قومي جرى تبذير فوائضه خلال فترة الموجة القومية الثانية في نزيفه للخارج أو إسعاف دول العجز لسد عجوزاتها من دول الفائض وليس لإرساء قاعدة صناعية او تطوير الزراعة والري ليتم توظيفه في الموجة الثالثة لحريق العراق وليبيا وسوريا...الخ
يمكننا وصف الفترة بين 1967 و 1990 بفترة تغيير ميزان القوى في الوطن العربي من الأنظمة قومية الاتجاه إلى أنظمة الريع. أما منذ 1990، فإن أنظمة الريع بما هي جزء من الثورة المضادة (راسمالية ريعية متداخلة مع راسمالي معولم) فقد انتقلت إلى مرحلة الهجوم لتقويض ليس فقط انظمة الحكم الجمهورية بل تدمير الأقطار نفسها، حال العراق، ليبيا سوريا، اليمن وربما مصر.
في هذه الفترة الانتقالية المديدة، كانت انظمة التبعية محمية من تهديد الدول قومية الاتجاه، محمية من المركز الإمبريالي والكيان الصهيوني بما هي جزء من الثورة المضادة. وهو ما حال دون قيام مصر الناصرية بتبني بسماركية عربية. هذا رغم انها حققت جزئيا بعض ما أرادت اي مساعدة الجزائر واليمن ولاحقا ليبيا. وهو ما قاد إلى دفعها الثمن عام 1967. كما دفع العراق 1991 ثمن استعادة الكويت. وفي الوقت نفسه كانت الدولة القطرية قومية الاتجاه محمية كما معظم دول المحيط من تجدد العدوان الإمبريالي خلال فترة الحرب الباردة. كانت من الداخل محمية بالدولة الأمنية، بينما خارجيا كانت محمية من الاتحاد السوفييتي.
نسوق هذا للتأكيد على أن محاولات النهوض لم تتوقف كما ان خطة العدوان الغربي الراسمالي والكيان الصهيوني وقطريات النفط والريع (الثورة المضادة) لم تتوقف كذلك. ولذا، ففي أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي كان العراق الضحية الأولى، ولاحقا معظم الجمهوريات العربية. فقد وقفت دول الريع النفطي الخليجي في مقدمة الحرب على القطريات قومية الانجاه تتزعم ذلك السعودية وقطر والإمارات.
على أن تطورات الحراك العربي في السنوات الثلاث الماضية كشف عن تبلور جبهة صهيونية عربية 22 وعن قدرة الثورة المضادة الموجودة في الوطن العربي على امتطاء الحراك والانتفاضات بل خصاها لتصبح صراخا لأجل الديمقراطية ومذبحة لتصفية أقطار بأكملها ورفعت إلى السلطة إما قوى الدين السياسي أو قوى العسكر المرتبطة بعمق مع بنى الأنظمة السابقة أي الرأسمالية الطفيلية والكمبرادورية، وخاصة في مصر. أليس عجيباً أن يكون مُنظِّروا الدمقراطية في الوطن العربي آتون من أو متهافتين إلى الخليج الريعي (وزير خارجية السعودية، امير قطر ووزير خارجيته، عزمي بشارة، هيثم مناع، مشيل كيلو...الخ) ويعتبرون المذابح في سوريا ثورة، بل ويعتبرها البعض ثورة بروليتارية (فواز طرابلسي، سلامة كيلة)
سمات إضافية للمرحلة المنسدة:
على امتداد القرن الانتقالي استمر التباعد/التناقض بين الشعبي والرسمي في الوطن العربي باستثناء الحقبة الناصرية وفترة الوحدة المصرية السورية أو لنقل ستينات القرن الماضي حتى عام 1967. هذه السنوات التي جرى اغتيالها بعدوان 1967.
على أن وضع جميع النظم في خانة واحدة ليس من العلمية بمكان. ففي حين كانت معظم نظم المنحى الأول الجمهورية قومية الاتجاه غير ديمقراطية، فإنها قامت بمحاولات تحديثية في الصناعة والإصلاح الزراعي وشهدت تجارب حزبية وبرلمانية ووقفت على ارضية وطنية ودرجة من العلمانية وتثقيف قومي بغض النظر عن عدم القدرة على تجاوز قطريتها.
إن المأخذ غير الديمقراطي/الديكتاتوري على هذه الأنظمة صحيح تماماً، وحكم الفرد أو الحزب الواحد وخاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن والجزائر. ولكن النقد الموجه لها وخاصة سوريا والعراق فيما يخص الموقف من الكيان الصهيوني و/أو شعار "كل شيء للجبهة" هو موقف خادم للثورة المضادة ولا سيما للصهيونية. لقد دفعت هذه الأنظمة ثمن موقفها من الكيان الصهيوني الإشكنازي وخاصة مصر وسوريا والعراق إلى حد تقويض أنظمتها. بل كان بوسع هذه الأنظمة حماية نفسها لو قررت خيانة القضية الفلسطينية والحصول على تمجيدات المركز الرأسمالي العالمي أي الثورة المضادة.
ويؤخذ على هذه الأنظمة العجز عن تحرير فلسطين وهو مأخذ ليس في محله إذا ما قرأنا الصراع ببعده العالمي، اي أن الصراع مع الكيان الصهيوني منذ وجوده وحتى زمن طويل قادم هو صراع مع النظام الرأسمالي العالمي وحتى خذلان من الدول الشرقية. ولنتذكر هنا بضعة أحداث فاصلة فارقة: باخرة الأسلحة الشيكية للعصابات الصهيونية 1948، المفاعل النووي الفرنسي للكيان 1958، عدوان 1956 على مصر، الجسر الجوي العسكري من الولايات المتحدة للكيان في حرب تشرين 1973، كما يستقطب الكيان الصهيوني أكثر من نصف المساعدات الخارجية الأمريكية، ونحو 121 مليار دولارا من الدعم المالي المباشر وأضعاف ذلك من غير المباشر، منذ إعلان دولة الصهاينة23.
وعليه، قد نُغامر بالاستنتاج بأن فقدان اي جزء من الأرض العربية وخاصة فلسطين يحصل على يد الدولة القُطرية، أما تحرير اي جزء فهو فقط بالدولة القومية. قد يرى البعض تحرير حنوب لبنان استثناء عن هذه القاعدة، ولكنه ليس تماما كذلك، فهناك غابت الدولة القطرية حيث غيابها جزء من جعل التحرير ممكناً، كما انها حرب غُوار التحرير من جهة وببعد عروبي (سوريا) وإقليمي (إيران) من جهة ثانية. فقط حينما تضعضعت الدولة القطرية في الأردن كان هناك مكانا للمقاومة 1967-1970 وحينما استعادت قوتها سُحقت المقاومة.
لعل مختلف القضايا المطروحة لم يكن لها مجرد تفكير او وجود في بلدان المنحى الثاني في الوطن العربي أي القطريات النفطية، فلا خطاب قومي، ولا التزام تجاه الأرض المحتلة ولا أحزاب ولا برلمانات، ولا سياسات تنموية ولا حتى بناء جيوش للدفاع عن البلد نفسها بل شراء أسلحة بمئات مليارات الدولارات بهدف خدمة اقتصاد الولايات المتحدة خاصة، اي تشغيل مصانعها، شركاتها24. أما عن الديمقراطية، فإذا كان هناك تركيز من منظمات حقوق الإنسان نقداً لبلدان المنحى الأول ، فإن بلدان المنحى الثاني هي خارج حسابات العلاقات البشرية.
أما اللافت، فهو خطاب مثقفي الثورة المضادة بمن فيهم مثقفي الطابور السادس الثقافي الذين لم يتوقف نقدهم بل شيطنتهم لأنظمة الجمهوريات كل في حينه، ناصر ثم صدام ثم الأسد والقذافي. ولعل هذه المسألة وحدها كافية لقراءة خطورة ونفاق الخطاب وتبعيته بل وانحداره إلى مستوى الإعلام الرخيص.
ليس من قبيل المبالغة القول بأن الوطن العربي، ولا سيما بعد الاستقلالات السياسية في بلدان المنحى الأول ومحاولات الاستقلال الاقتصادي فيها، وكذلك في بلدان المنحى الثاني التي حتى الاستقلال السياسي لم يحصل بشكل فعلي، فإن الوطن العربي عاش عقوداً من الحرب الأهلية تشنها الطبقات الحاكمة على الشعب وهذا يشترط المقاومة بالحماية الشعبية بلا مورابة. ولا شك أن هذا لعب دورا اساسياً في احتجاز التطور والعجز عن تحرير الأراضي العربية المحتلة، وهي كثيرة وواسعة وإن كانت فلسطين على رأسها.
أما نهاية هذه الحرب الأهلية داخل القطر الواحد في حقبة القومية الثانية، فهي الاحتراب العربي/العربي علناً في حقبة القومية الثالثة بقيادة الثورة المضادة متخذة شكل قيام حكام الخليج بالعدوان على الجمهوريات العربية وخاصة الحواضر العربية الثلاث الرئيسة بغداد ودمشق والقاهرة. فقد انتقلت الحرب الأهلية إلى حرب مركَّبة بينية وأهلية في الوقت نفسه في خدمة الكيان الصهيوني والإمبريالية دون تكليفهم شيئاً بل حتى فتح سوق تصريف اسلحتهم وذخائرهم وتكنولوجيتهم اللوجستية ورواتب خبرائهم مختصي التخريب والثورة المضادة.
تجويف وتجريف:
على ماذا كل هذا القمع المتمأسس والدائم أو من أجل ماذا؟ هل المسالة الخلاف في الدين، على الدين في المذهب على المذهب في الطائفة على الطائفة، في الإيديولوجيا على الإيديولوجيا؟ كلا ابداً.
في هذا المجال الضيق إنه تجويف الوعي سواء بالقمع أوالتجهيل والتبعية على ايدي الدولة الأمنية وذلك لتسهيل وضمان تجريف الثروة لصالح الأجنبي والبرجوازية الطفيلية والبيروقراطية والكمبرادورية ورجال الأعمال. لعل هذا ما يلخص هذه الحالة الخطرة عربياً بما في ذلك محتواها الطبقي. تجريف الثروة وتقاسمها مع الأجنبي على ارضية اقتصاد التساقط.
ولكن، وللإنصاف، فإنه حتى في هذه المعادلة الحساسة والمفصلية كان الاختلاف واضحاً بين المنحيين بل بين نظام حكم وآخر. فلا يمكن التقليل من بناء السد العالي في مصر الفقيرة وكثيرة عدد السكان ولا الإصلاح الزراعي والتأميمات وتحمل عدوان 1956 وحرب 1967 وحرب الاستنزاف ونفقات الجيش، ولا يمكن التقليل من تأميم النفط في العراق وليبيا والإصلاح الزراعي في العراق وسوريا والإنفاق على الجيش والمشاركة في الحرب 1967 و 1973 إقامة نظام تعليمي وطبي مجاني وانتهاج السلطة، وخاصة في سوريا والعراق علمانية في مجتمع متعدد المذاهب وحتى الأعراق...الخ هذا مقارنة بانظمة النفط التي لم تقم بشيىء من هذا بل يصل من هم تحت خط الفقر في السعودية 40 بالمئة، هم حقا تحت خط الوجود البشري. ولن نتحدث عن حقوق الفلسطينيين في الجمهوريات وخاصة سوريا والعراق مقابل حقوقهم في النفطيات.
على صعيد آخر، من الصحيح أن أنظمة الجمهورية لم تصل إلى العلمانية المتجذرة أو المكتملة نسبياً، وصحيح أنها في الأزمات طالما لجأت إلى زعم التدين لتنافس رجال الدين والفقهاء في مجالهم المحسوم (العراق بعد عدوان 1991 وسوريا بعد الحرب المعولمة 2011) فبلوغ علمانية حقيقية كما رآها ماركس: " تشترط التمييز بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني، بين علمنة الدولة من جهة وبين التحرر الاجتماعي من جهة ثانية"، ولكن يسجل لها بأنها كانت خارج انظمة الدين السياسي، وهو ما تدفع ثمنه منذ بداية الحراك العربي الحالي بكل ما فيه من كوارث.
ولا يستطيع المرء تجاهل حقيقة اساسية في هذا الصدد، أن تحطيم القوى الداخلية للجمهوريات عبر العدوان الإمبريالي المتواصل مباشرة او لا مباشرة قد لعب دوراً في احتجاز تصنيع هذه البلدان، الأمر الذي ليس من السهولة بمكان التحول العلماني في مجتمعات لم تتصنع كما يجب ، كما ينطبق الأمر على المجتمع المدني. بينما في قطريات المنحى الثاني لم يتم مجرد التفكير في العلمانية حيث إما تندمج المؤسسة السياسية والدينية معاً، أو تتقاسمان الأمر كما في السعودية ولكن تحت مظلة راس المال.
هذا الدوران المقصود على المحور في بلدان المنحى الثاني، واحتجاز وضرب محاولات النهوض القومي والاجتماعي في المنحى الأول انعكس سلبا على المجتمع العربي متسبباً في اشكال مختلفة من المرض.
وحيث تحول الوطن العربي إلى مناخ طارد للكفاءات العلمية والثقافية التي بناء على ذلك وجدت في المغترب مهرباً وملاذا لها، ولكن كذلك للتمييز بين منحى وآخر، فقد حرصت مصر الناصرية والعراق في عهد صدام حسين وسوريا في عهد الأسد على العلماء على الأقل في مجال التصنيع العسكري، الأمر الذي واجهته المخابرات الأمريكية والصهيونية باغتيال من تمكنت منه من هؤلاء العلماء، وخاصة بعد احتلال العراق والعدوان على سوريا.
قاد هذا المناخ إلى تقويض المواطنة، وتعميق فردانية ما قبل راسمالية حيث يشعر المواطن بأنه بلا أية حماية او حقوق مما يدفعه إلى التشرنق على ذاته، ومحاولة خلق أمنه الخاص بأي ثمن مبتعداً عن الجماعة سواء الحزبية أو النقابية أو الطبقية. وهذه حالات فردانية مختلفة عن الفردية في المجتمع الراسمالي الذي يدفعه ويقنعه واقع العمل الاجتماعي للانخراط في نشاط جماعي ما وخاصة المواطنة. هذا التطور شديد الخطورة لعب دورا هاما في تثبيت الأنظمة الحاكمة، وشل الحزبية والنقابية. فلم يعد في هذه البلدان سوى الحزب الحكومي سواء الحاكم او المخابرات أو جيش السلطة. أو حتى الجهاز البيروقراطي الواسع الذي يحمي النظام من خلال سلبيته النضالية اي عدم الاعتراض طالما هو متعيش من النظام وخاصة حين يقارن الشخص نفسه بمن لا يعملون.
وقد انعكس هذا سلباً على الأحزاب، في بلدان المنحى الأول، بينما في المنحى الثاني لا حزبية اصلا. لقد ترهلت الأحزاب التي تسلمت السلطة بين مكاسب السلطة واعتماد الأمن، والابتعاد عن مشروعها القومي والتقدمي الأساسي، مما باعد بينها وبين الجماهير التي قادتها اللامواطنة إلى الفردانية الهائلة. ومن نتيجة ذلك ضمور الأطروحات النظرية ومغادرة المفكرين/ات للأحزاب. وحتى تخارج مثقفين إلى الطابور السادس الثقافي وخدمة الآخر.
في هذا الباب، اشير إلى مخطر كبير وعام. فإن القرن الماضي، اي عصر الانحطاط الثاني في تاريخنا قد شهد تبعية في خطاب وسياسات المركز الإمبريالي (عصر الانحطاط الأول هو العثماني). ففي حين تورطت الأنظمة الحاكمة في الانحدار باتجاه السياسات النيولبرالية والتي مهدت لها سياسة التجويف والتجريف، فإن المستوى الثقافي قد تواطأ مع هذه السياسات مما قاد إلى خطاب الاستسلام باسم السلام، والديمقراطية الشكلانية مكان الديمقراطية الاقتصادية، واعتبار تدخل الناتو وعدوانه ثورة، والأنجزة تنمية، والسوق مكان التنمية وتينا There is no Alternative مكان هناك بديلا.
قد أختم في هذا الباب بكلمات عن المرأة، ففي بلدان المنحى الثاني، هي ببساطة ليست هناك!!!فحتى في الجنس يتم شراء مجلوبات من سوق النخاسة الدولي أوذهاب الرجال إليهن حيث هن، فالمال وفير. وليس من الإنصاف عدم الإشارة إلى ان للمرأة مقدارا من الحقوق في بلدان المنحى الأول، سواء في الوزارات او الأكاديميا او حتى الأعمال. ولها دور في الأحزاب، وإن لم يكن كبيراً. وهناك فارق بين الحصول على وظيفة وبين ممارسة الحق الحر في النضال الوطني والطبقي سياسيا.
لذا، فالخلل الأخطر هو اندراج المرأة في كثير من الوظائف في بنية النظام الذكوري البطريركي، بغض النظر عن درجة ترسمله، مما يجعلها في خدمة النظام وليس المرأة، وهي الحالة التي اسميها نسذكورية.
الموجة القومية الثالثة حزمة من الأمراض:
ليس من السهولة بمكان فصل معطيات مرحلة عن أخرى نظراً لتداخلها. ولكن السمة الرئيسة للموجة القومية الثالثة على صعيد عالمي هو أن هذه الموجة في غالبيتها تصنيع إمبريالي. هي مشروع الإمبريالية في تفكيك البلدان والأمم التي لم تدخل تحت عبائتها، ناهيك عن هدف المحافظين الجدد في ان تحول الولايات المتحدة دون ظهور اية قوة منافسة لها في العالم وانخراط قيادات تروتسكية في الإدارة الأمريكية لتحقيق "أممية" من خلال إمبراطورية راس المال. وهي السياسة نفسها التي تتبعها الرئاسة والإدارة الأميركية في عهد الحزب الديمقراطي.
لعل أخطر تطبيق للموجة القومية الثالثة كانت على الوطن العربي، تقسيم السودان واليمن، ومحاولات تقسيم العراق وتدمير ليبيا ثم سوريا طالما تعذرت هزيمتها...الخ.
يمكننا القول بأن موجة القومية الثالثة قد كثَّفت الأمراض الخطرة في المجتمع العربي في المستويات السياسية والاقتصادية والقومية والثقافية.
ففي حين كانت الموجة القومية الثانية في الوطن العربي وخاصة في بلدان المنحى الأول موجهة ضد الاستعمار لأجل التحرر والوحدة العربية والاشتراكية وتحرير فلسطين...الخ، طغت في الموجة الثالثة سيطرة أنظمة الريع النفطي ذات الأفق القطري التام المعادي للقومية العربية، والذي يستدعي الاستعمار ويصطف إلى جانبه علانية وبخطاب متفاخر! وتتم المشاركة معه في مذابح عربية/عربية حتى بالنيابة عنه. وكل هذا لا يثير الشارع العربي ضدها!
وقد لا تكون ثالثة الأثافي تلك الهجمة الإمبريالية المتجددة، بمقدار الهجوم "الديمقراطي" من أنظمة الخليج ضد سوريا!! فحين تقوم الإمبريالية وانظمة الريع النفطي بحمل لواء دمقرطة سوريا عبر مذابح دامية يصبح العقل البشري مركوناً على رف الهمجية.
لقد اتسمت الموجة الثالثة وهي وليدة حقبة العولمة لا شك، بطغيان طوفان الدين السياسي الذي يلغي الانتماء الوطني والقومي من أجل اممية متخيلة، ويُحل الإيديولوجيا والحزب محل الوطن. ويعمل على تغيير النظام القائم بقوى الاستعمار أو مساعداته. إن ما نشهده ضد سوريا وإلى حد كبير العراق هو أكثر فظاعة مما كان في فيتنام. إنه مشروع حرق كل شيىء، إبادة بلد باسم الدين.
وهنا أصر على تفسيري الخاص بأن هؤلاء القادمين من الخارج تحت رايات العديد من الإسلامات ومن يشترك معهم في الداخل ليسوا سوى منقادين لقادة يلعبون دورا مزدوجا:
ارتباط سياسي مصلحي سلطوي بالثورة المضادة بما فيها الصهيونية
واستخدام وجه ديني في علاقتهم بالبسطاء الذين يحلمون بالقتل والانقتال بكسب الدين في الآخرة وكسب الدنيا بالتمتع بسلطة ما والحصول على مبالغ بديل ذلك لم يحلموا بها25.
ولكن، أليس مما يثير الاستغراب ذلك التقاطع بين قوى الدين السياسي في رفض سرديات كبرى (القومية والاشتراكية مثلاً) وبين المابعد حداثيين؟ ولا يغير كثيرا من هذا التقاطع تمسك قوى الدين السياسي26 بأمة مطلقة في التخيل، أمة الإسلام وخلافتها التي تبدأ من العداء الشديد للقومية العربية من دون مختلف القوميات التي تدين بالإسلام! لكن دُعاة أمة الإسلام يُمعنون في المسلمين تصفيةً!
إن هذا الانخراط باسم الدين في هجمة الثورة المضادة على الحواضر العربية الرئيسية الثلاث بغداد ودمشق والقاهرة هو إعادة للاستعمار على حساب الوطن العربي في مساومة خطرة مفادها: إعطونا السلطة وخذوا الجغرافيا والثروة.
هذا دون أن نغفل حقيقة أن الأنظمة قومية الاتجاه هي ايضا لم تكن كذلك بما يكفي. ففي حين قرر عبد الناصر دعم الثورة اليمنية 1963 وأرسل الجيش المصري إلى هناك، فإنه رفض قرار عبد الكريم قاسم استعادة الكويت 1961 وأرسلت الجامعة العربية جيشا لحمايتها! أما في النهاية فقد خسرنا العراق من أجل الكويت. كما أن النظامين البعثيين في العراق قد فشلا حتى في إقامة علاقات جوار حسنة بينهما.
ورغم تعاطف انظمة المنحى الأول مع المقاومة الفلسطينية في الأردن، إلا أنها لم تتمكن من حمايتها من قرار النظام الأردني شن مذبحة ايلول التي هي جوهريا ضد المقاومة كظاهرة وليست كما يزعم الإقليميون الفلسطينيون بأنها ضد الشعب الفلسطيني. كما أن محاولة النظام البعثي اليساري إنقاذ المقاومة من مذبحة ايلول 1970 تلك لم تحصل على غطاء عربي.
لقد كشفت الموجة الثالثة عن الدور الخطر لجامعة الدول العربية بمعنى أنها ليست فقط ضد الوحدة العربية، بل تحولت كذلك إلى أداة لسحق الحيز الجغرافي للقطريات العربية بدءاً من التقاطع مع العدوان على العراق 1991، ولاحقاً احتلاله منتقلة من التقاطع والاستخذاء إلى استدعاء الناتو لتدمير ليبيا وحتى فشلها في استدعاء مجلس الأمن لاحتلال سوريا مكررة ذلك الاستجداء علانية وبشكل متواصل! هذا ناهيك عن أنها تحولت إلى اداة لتمرير سياسات وعدوان انظمة المنحى الثاني ضد ليبيا وسوريا واحتلال السعودية للبحرين.
أبرزت تطورات الموجة القومية الثالثة تورط قطاع واسع من المثقفين العرب في تزكية احتلال اقطار عربية. ففي حين وقفت قلة منهم مع تدمير العراق 1991 ومن ثم احتلاله، تحول الكثير منهم إلى دُعاة، كما الجامعة العربية، لاحتلال ليبيا والشام وذلك بذرائع التخلص من انظمة ديكتاتورية.
لقد انخرط هؤلاء في شكل جديد من تغيير الأنظمة قومية الاتجاه. فبعد المألوف عن تصدير الثورة تقاطع هؤلاء مع "شراء" الثوار أي تمويل وتسليح وتجنيد وتجميع مرتزقة من 83 دولة لتدمير سوريا.
ورغم انكشاف كل ما كان وراء دعم الحراك الشعبي السلمي في سوريا27 إلا ان هؤلاء المثقفين لم يكونوا من الجرأة واحترام الوعي بمكان بحيث يراجعوا تحليلاتهم وقناعاتهم، الأمر الذي يعكس سيكولوجيا الفردانية والنرجسية الثقافوية بمعنى انه لا يخطىء وإن أخطأ لا يُنتقد ولا ينقد نفسه. لذا تورط البعض منهم حتى للدفاع عن طائفة ضد أخرى. هذه الظاهرة هي ما اسميه: "الطابور السادس الثقافي".
لعل تجليات هذه الأمراض الجديدة لا تخفي، بل تنراكب على الأمراض المتجذرة الأخرى، بل البنيوية في الواقع الاقتصادي الاجتماعي ومن ثم في الثقافة العربية والتي لا تحتاج إلى شروحات مثل الذكورية والبطريركية والقبلية والفردانية، والفساد والواسطة والمحسوبية...الخ.
إذا ما ألقينا نظرة على الأمراض الموروثة والحديثة، يمكننا الزعم بأن هناك حالة من الفلتان القيمي في الوطن العربي. ولا أدل على ذلك من أنه في الوقت الذي تستدعي الجامعة العربية ومعظم الأنظمة الحاكمة ومثقفين عرباً، الناتو لتدمير قطر عربي، يكون الشارع العربي إما موافقاً، أو مصلوباً متفرجاً، أو يتهافت مثقفوه للمشاركة في لقاء في عمان برعاية يو.أس.إيد والسفارة الأميركية في العراق 28!.
وبعد:
قد نختصر كل ما سبق في مفردة واحدة: انتقال الاستهداف الدائم إلى التحدي فالعدوان الشامل بقصد الإبادة للأمة العربية بل إبادة نفسها بنفسها. هذا حال الأمة العربية بلا مواربة. وعلى من يرفض هذا أن يرفضه جذرياً، وليس من سبيل وسط. لقد وصل وضوح العدوان إلى درجة بات معها الحياد تواطئاً. قراءة الماضي ضرورية والتوقف عنده كارثة. فلا بد من تجديد الأدوات كي تتجدد الأمة. وتجديد الأدوات وآليات التعاطي والتحليل لا تعني تغيير الأسس المبدئية وتحديدا الحقوق في الوطن.
مواجهة/مقاومة ضد مَنْ :
لا مناص من المواجهة مع الاستهداف الدائم من قِبَل ثلاثي الثورة المضادة:الإمبريالية (في حقبة الراسمالية المعولمة) والصهيونية المتجددة في يهودية الدولة والرجعية والبرجوازية الكمبرادورية العربيية (طفيلية ورجال أعمال ...الخ) متمظهراً في الصهيونية العربية أنظمة ومثقفين. كما لا بد من مواجهة الحرب الأهلية التي تديرها الأنظمة الحاكمة وخاصة انظمة وقوى الدين السياسي وخاصة في تمظهراتها في إمارات مذهبية، فالمواجهة/المقاومة هي الطريق، بما هي تكتيك يوصل للاستراتيجيا.
تحطيم الخطاب بخطاب المواجهة
ليس من صدفة أو عبثٍ أن الثورة المضادة جعلت اولويتها تحطيم الثقافة والانتماء العروبي وواصلت قصفه دون توقف حتى حينما قارب الوعي والتمسك القومي حد العدم! إنه الانتقال من استهداف الانتماء إلى تسهيل استهداف الجغرافيا. إن الوطنية هي البدء وهي الباقية ، هي الجغرافيا، بينما الإيديولوجيا متغيرة ويمكن تغييرها بتحول الشيوعي إلى دين سياسي والقومي الى صهيوني واليساري إلى طائفي ...الخ.
لن أدخل هنا في جدل الخطاب الذي يربط القومية بالفاشية. ليس فقط لأن المرحلة القومية لا بد من المرور بها، ويجب أن نتصدى للذين مروا بها واصبحوا في مرحلة ما هو اوسع منها وليس ما بعدها، وإلا ما معنى الغزو والعدوان الإمبريالي على اتساع جغرافيا العالم. ليس لهذا وحسب، ولكن لأن أمة تحت الاستهداف هي في لحظة التحرر الوطني، وتفريغها من الانتماء العروبي هو تفريغها من قرار المقاومة.
صار لا بد من التصدي للشعوبية الجديدة التي تنسب للقومية العربية دورا فاشيا، بينما هي مرتبطة بالاستعمار والصهيونية عبر نخبها الكمبرادورية. هذه الشعوبية الجديدة التي تكرر خطاب الغرب الرأسمالي والصهيونية ضد الأمة العربية في محاولات دمج المسألة العروبية بمواقف الأنظمة قومية الاتجاه وخاصة رفضها المتخلف للحقوق الثقافية واللغوية للشركاء مع العرب في الوطن، في المغرب العربي وفي المشرق كذلك.
ولا بد من النقد المر للشيوعيين العرب الذين تورطوا في مواقف كوزموبوليتانية ضد القومية العربية، فحصروا انفسهم بعيدا عن الطبقات الشعبية التي زعموا تمثيلها، فإذا هي طبقات بلا تمثيل وأحزاب بلا جماهير. أما التروتسكية، فتقف معظم قياداتها ومنظريها من العروبة موقف الارتباط بالصهيونية والتحالف مع المحافظية الجدية في الغرب ومع القاعدة والوهابية في العراق وسوريا. لا باس من الأممية الشيوعيى إلى الأممية الإمبريالية إلى الأممية الوهابية.
لم يكن الفكر القومي العربي بلا كوارث ذاتية، وهنا يجب التفريق بين المسألة العروبية وبين الأطروحات الفكرية/السياسية التي قد تمثلها او تزعم تمثيلها. وأختصر بالقول بأن الفصل بين الشعبي والرسمي هو فهم الفارق الفالق بين:
القومية الحاكمة، اي التمفصلات القُطرية المعادية جوهريا للوحدة وللأمة العربية (انظمة الحكم)
والقومية الكامنة قومية الطبقات الشعبية صاحبة مشروع الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي تشمل العرب وغير العرب ما عدا الكيان الصهيوني.
الخطاب العروبي المطلوب إذن طبقي، خطاب الطبقات الشعبية العربية وهو بهذا ضد الصهيونية وضد التخارج الثقافي وضد الخطاب اللبرالي الغربي وصولا إلى المابعد حداثي. هو خطاب اشتراكي علماني بمضمون التحرر الإنساني وليس السياسي فقط ليواجه انطمة وقوى الدين السياسي بوضوح.
العفوية لا تعوض تحرير الخطاب. واضح أن السنوات الأخيرة هي سنوات رمادية. لم ينجلي غبارها عن ما تحته بعد. حراك شارع في اقطار، وحراك احتوائي من الثورة المضادة، صراع طائفي ومذهبي وتدخل غربي بالسلاح ,وخليجي بالمال والمسلحين، قتل ودمار وتخريب في اكثر من قطر، تدخُّل قطر عربي ضد آخر، انفضاح ارتباط الجامعة العربية بالثورة المضادة، تراجع الحراك الشعبي مصدوماً...الخ
لعل أحد دروس هذا الحراك في عفويته. والعفوية لا يُعوَّل عليها رغم جماليتها. هي ليست ثورة، هي مجرد إرهاصات، يُمكن ان يتم الإيقاع بها باسم الدين (مصر وتونس) او احتلالها بالإرهاب الغربي والديني (سوريا) أو منحها "الانتصار" (ليبيا) او احتلال البلد بأجمعه (البحرين) أو نقلها إلى حالة التجمد (اليمن) أو تحويل البلد إلى ديمقراطية تسمح وتستفيد من تذابح الطوائف والقوميات (العراق) أو وصول البلد إلى حالة الرعب من اي حراك داخلي كي لا تكون مذبحة ايلول ثانية (الأردن).
ولكن الدرس الأكثر بلاغة هو أن المواجهة/المقاومة تحتاج الحزب والمثقف الثوري المشتبك، وهما الحاملان الحقيقيان للوعي الذي لا يُخدع. ولعل هذا سر التناقض بين العفوية والوعي. أو هو ما يوجب استعادة الوعي. ألا يجوز قول ذلك:استعادة الوعي في مواجهة استدعاء الاستعمار.
دعونا من أكاذيب الأنظمة عن الأحزاب، ومن تعاويذ رجال الدين السياسي ضد الأحزاب ودعونا بشكل خاص من فذلكات المابعد حداثيين عن الفردانية. فالفرد خارج نطاق جماعة ما واعية ما هادفة ما، لن يكون مواطناً بل مطية. لا تتحقق المواطنة في أنظمة تشن على الشعب حربا أهلية، لا تتحقق المواطنة بغير الوعي المحمول على حامل حزبي طبقي. وإذا لم يكن هذا واضحاً من قبل فتجربة الحراك العربي جعلته كالشمس التي من لا يرى ضوئها تلسعه حرارتها.
تدفق الملايين إلى الشوارع ليس أكثر من كرنفال ما لم يكن له جسم ما يقوده. حزبه ، أحزابه وشعاراته التي تتحدث عن مشروع محدد. لذا، لم يتغير في مصر وتونس شيئا ذي بال بعد.
لكن تحرير الشعار يشترط تحرير الخطاب، وتحرير الخطاب يحتاج أحزابا مختلفة، يحتاج حزباً تفرزه الناس، ينطق بلغتها، يعرف أوجاعها وآمالها. حزب يقطع مع خطاب الغرب اللبرالي، حزب بخطاب نقدي مختلف يضع لكل مصطلح ومفهوم ومفردة بديلا من إنتاج العقل الجمعي للمجتمع، بل للإنسانية بدل الراسمالية. حزب لا يتتلمذ على قراءات غيره للنظرية، حزب ينتج قراءته وحواراته وتثقيفه وبرنامجه دون ان يكون مجرد كمبرادور ثقافي وسياسي . حزب يثقف ب الوطن العربي بدل العالم العربي، الأمة العربية كاساس للإسلام، أساس الإسلام هو العرب، لا كعدوة للإسلام، المشرق والمغرب بدل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ألتنمية بالحماية الشعبية بدل النمو والتنمية المجردة، الحريات بدل الديمقراطية، الغرب الراسمالي الاستعماري بدل الغرب، الثورة الاشتراكية بدل الثورة، تحرر المرأة بدل التمكين والمساواة، الحريات بدل الديمقراطية السياسية، الإيمان بدل الدين السياسي ...الخ
يقود تحرير الخطاب إلى تحرير الموقف وتحرير النفس. عندها تنتهي كثير من المناحات المنفلتة التي تصفعك على اذنيك وأنت في الشارع: " العربي متخلف، طماع، انتهازي كذاب...الخ"
يقود تحرير الخطاب إلى تحرير الدين، فلا يعود الدين فوق الوطن ولا نقيضه ولا نظيره بل مكملا له مكملا لسعادة الإنسان. يحول تحرير الخطاب دون تقسيم الوطن بين الأديان ومن ثم الطوائف فالمذاهب فالجهات. تجاوز السلطة اية سلطة امر مشروع، حتى لو فيه نقاشاً، أما تجاوز الوطن، فلا يجوز تحت اي شعار أو خطاب.
تقويض سايكس-بيكو تفكيك مفاصل الدولة القطرية:
لا بد من مواجهة الدولة القطرية بنية ومصالحا وثقافة وسلطة وخطاباً. وكما اشرنا في غير موضع، فإن هزيمة 1967 فتحت الطريق لتكريس الدولة القطرية إلى درجة رآها كثير من المثقفين كضرورة، واسموها الدولة الوطنية بينما هي الوليد الرئيسي لسايكس-بيكو، وهما بالطبع كرستا بعضهما تبادلياً، ثم كانت الجامعة العربية مؤسسة رعاية الدولة القطرية، إلى أن وضعت الأخيرة الدويلة الطائفية.
الدولة القومية، متحدة أو اتحادية او فدرالية أقاليم، والفكرة القومية هما النقيض الضروري للدولة القطرية التي تتفتت كما نرى اليوم إلى مذهبيات وطوائف وجهات.
لقد دام حمل سايكس-بيكو قرنا كاملاً ليضع ما نراه اليوم:
طابور سادس ثقافي في خدمة طابور سادس سياسي يكرس المذهبية والطائفية وتقوده الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ورائهما الاتحاد الأوروبي واليابان!
احتراب مفتوح بين كل قطر وآخر
هذا يستدعي مواجهة ذلك الخطاب والانحطاط القيمي بقيم مضادة تماماً.
لقد أصبح المشرق العربي بل والمغرب العربي ايضاً، ساحة تجارب لمختلف دول العالم. وبدل ان توصف هذه الدول بحقيقتها توصف عكس ذلك:
في الأرض المحتلة يطلقون على الاستعمار المالي الريعي الدول المانحة، وفي سوريا يطلق ثوار الناتو على الدول المعتدية 83 دولة، الدول الداعمة، والناتو محرر ليبيا!
القطرية تولد الدويلة الطائفية
بعد قرن من الزمن انتهت الدولة القطرية، بما هي في حضن الجامعة العربية، إلى انفجارها الطبيعي ناثرة وباء الدويلات الطائفية والمذهبية والإثنية والجهوية...الخ.لقد سقطت مزاعم أن الدولة القطرية هي دولة وطنية، وهو خلط مقصود كتسمية البرجوازية المحلية ب البرجوازية الوطنية. فالدولة القطرية هي دولة طبقة، حتى لو لم تكن في طور النضوج (طبقة لذاتها)، وحينما غدت لذاتها كانت لذاتها حقا. لقد عجزت الدولة القطرية المركزية (مصر) ذات التوجه القومي، عجزت عن هزيمة الدول القطرية، بل انتكست إلى تحويل مصر (السادات مبارك) إلى قيادة الجامعة العربية نحو الصهينة منذ اتفاق كامب ديفيد إلى ان وصلت المشاركة في عدوان دول عربية على أخرى في ذيل الإمبريالية كما جرى ضد العراق 1991. وكان تفاقم ذلك كله تقويض الدولة العراقية 2003 ثم الليبية ومحاولات تدمير سوريا منذ 2011.
لعل الاشتباك اليوم هو بين وجوب الدولة العروبية وبين بقايا الدولة القطرية وفيروسات الدولة الطائفية كتوليد للجامعة العربية وللموجة القومية الثالثة.
لم ينحصر وباء الدولة القطرية في احتجاز الوحدة العربية، بل امتد إلى احتراف إضاعة الأرض والتعامل مع أنواع المحتلين بانتظار الدولة العروبية التي وحدها تحرر الأرض.
الدولة الأمنية
إن الدولة الأمنية هي الشكل السلطوي والحمائي الأمني للدولة القطرية. تتلازمان بالضرورة. هي ليست قوة حماية السلطة من العدو الخارجي بل هي قوة حمايتها من المضطهَدين طبقيا في هذه الدولة اي الطبقات الشعبية.
وبالتالي، حتى الدولة الأمنية الوطنية، لم تنجح بما يكفي كي تكون مواطناتية مجتمعيا داخلياً في العراق وسوريا، هذا وإن نجحت في تكريس المواطنية القومية كما اتضح في سوريا. بينما في القطريات العربية الأخرى فالدولة الأمنية في الخليج هي دولة يقودها الأمن الاستعماري، والمواطنة غير مطروحة لمجرد الهمس.
وإذا كانت الحماية الخارجية للدولة الأمنية قومية الاتجاه قد وفرها وجود الاتحاد السوفييتي، فإن الحماية الخارجية لدول الخليج لم تكن مطروحة لأنها تحت احتلال خارجي أتى ويتكرر استدعائه والإنفاق عليه من نفط العرب.
لقد انتهت مرحلة الدولة الأمنية مع الانكشاف المخجل للدولة القطرية، مما يجعل الدولة القومية ضرورة المرحلة.
جيش الدولة ودولة العسكر
تم اختراق الخطاب السياسي/الثقافي العربي بخطاب العسكر بدل خطاب الجيش الوطني. مصطلح العسكر المألوف هو نتاج معاناة العرب من العساكر الأتراك الذين مثلوا سلطة النهب والقمع الاستعماريين.
والتقط الغرب الاستعماري هذا المصطلح لكي يقطع العلاقة بين الجيش الوطني وبين الشعب، فتكرس خطاب العسكر محل خطاب الجيش، وهو أمر زادته تعقيدا سلسلة الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، والتي بدل أن تُوجه وحدويا انحصرت قطريا لتخدم الدولة القطرية والتي كان وليدها دولة الطائفة وميليشيا (عسكر) الطائفية.
كانت تجربة حل الجيش العراقي على يد الاحتلال الأمريكي مقصود بها اقتلاع الجيش الوطني لخلق عساكر الطوائف والإثنيات. لكن تجربة العراق هذه وتجربة قيام الناتو ودول الخليج بتدمير الجيش الليبي بيَّنتا بأن الجيش يحمي الدولة وبأن العساكر تخلق دويلات الطوائف والمذاهب.
بينما اثبتت تجربة سوريا أن الجيش العربي السوري قد حمى الدولة. وليس الأمن الذي حماها. وعليه يكون التحدي، هل تسير سوريا المتجددة في طريق دور عروبي للجيش العربي السوري. وهذا لا يعني البسماركية المجردة، وإنما يعني أن المرحلة تؤكد وجوب ما يلي:
نهاية وإنهاء الطائفية والمذهبية من السياسة والاجتماع
تجديد الخطاب والمشروع والأداة السياسية الطبقية الفكرية العروبية
الانتقال إلى مشروع تحرير بقية الوطن العربي بكافة هذه الأدوات.
طوائف ونفط ولادة أم انتحاراً؟:
باطن الأرض والتاريخ كرحم المرأة، فيه يكمن كل تنوع، والتحدي من الذي يغوص فيه إما ليُحرج الإنسان أو يزرع الوحش. التنوع الشعبي في الوطن العربي نعمة تاريخية والنفط نعمة طبيعية. لم نستخرجهما فاستخرجتهما الرأسمالية بمعداتها (الاستعمار والإمبريالية والعولمة). قام الاستعمار بالنهب والتجزئة وقرأ الطائفية جيدا وقسم الوطن على هذا الأساس. طائفية محاطة بزنار مشتعل من النفط كي لا تتحد طائفة مع أخرى. واصلت الإمبريالية ذلك وخلقت الكيان الصهيوني على شكل طائفي ديني (أول دولة دينية في التاريخ الحديث)، أما حقبة العولمة، فأخرجت النفط والطائفية على الهيئة التي تريد فكانت مذابح الطوائف بوقود النفط.
في غياب الدولة العروبية، وعدم تفكيك مفاصل الدولة القُطرية كان للنفط دوره الحارق لا دور الطاقة، دور الريع لا دور التصنيع، دور التسريب والنهب لا دور تمويل التنمية. سُحبت احشاء الأرض لتقييد طاقات الأمة وتتبيعها. هكذا ينتهي ما هو كامن إن لم نحفر الأرض برموشنا لنخرجه ياسمين وبنفسج، كان يجب ان نضع ايدينا نحن عليه حتى لو بالقوة البسماركية، لا بل بقوة ما فعل نور الدين وصلاح الدين.
والتنوع والتعدد التاريخي منذ ما قبل الأديان وخلالها وحتى اليوم، هذا التنوع كمون إنساني هائل، لا يزدهر في مناخات التجزئة والدولة القطرية بل يتحوصل في ظلهما ويتحول بغياب الدولة العروبية العلمانية إلى ألغام مبثوثة في كل شبر وناح. إنه رجوع الإنسان إلى بدائيته التي هجرها حين كان ما يحيط به هي الذئاب. أما اليوم فكل الطوائف ذئابا.
النفط والتعدد/ التنوع، هما لمن يدخل بطن الأرض المجتمع ويستثمرهما.
جرى تأميم النفط العراقي والليبي، وبالمقابل جرى تدويل النفط الخليجي حيث لعب دور "المُنتج المرجِّح" فكان برفعه اللأسعار أداة لإفلاس الدول الفقيرة. وكان بضخ مزيد من النفط معول هدم لنمو الدول النامية وتفكيك الاتحاد السوفييتي تماما طبقا لسياسة الشركات الغربية الكبرى عابرة القوميات والجغرافيا. تحكَّموا بباطن الأرض فأحرقوا من على وجه الأرض، أنظروا العراق وسوريا واليمن وليبيا اليوم.
بطن الأمة بطن أُم، مليىء بالتنوعات الدينية والإثنية والثقافية والفنية. قاد احتجاز الوحدة والتنمية إلى بقاء الدول القطرية. فتحول البطن المليء بالمخلوقات بالأجنَّة المتآخية والجميلة إلى بطن سفاح إلى حاضنة المذهبيات والطوائف والجهات والعائلات والقبائل والعشائر. فاندفعت تأكل بعضها بعضاً كالكلاب الجائعة.
في غياب الإنتاج يكون الريع، ويكون المذهب والطائفة بديلا للطبقة، ويحل الشيخ محل النبي والفيلسوف، والحاكم مكان الله. وفي حضور الفقر يكون تسييس الدين على شكل ريع لا راسمال تشغيلي إنتاجي، فتكون الطبقة ميليشيا، ويصبح المثقف يائساً تافها يتنقل من أجل الريع من حضن إلى حضن.
في المجتمع الراسمال الصناعي يكون الدين والعودة إليه حالة طقوسية تحت رقابة راس المال بل في خدمته تماماً، أما في المجتمع الريعي غير المصنَّع حتى راسمالياً، يكون الدين أداة لعقول بدائية فيها فردية وحشية يستبيح كل رأس رأس الآخر في تذابح سني شيعي، صابئي نقشبندي، مسلم مسيحي، سني جزئيا وسني كلياً، وهابي ...الخ، تذابح إن لم يُصدُّ، سينتهي العالم إلى رجل ذكر واحد وأربع مليارات امرأة. فهل يعلن حينها أنه الله!
إذن هو بطن التاريخ، فإما ولادة يانعة للتعدد وإما وليد سفاح.
تقويض الجامعة العربية
تقوم جامعة الدول العربية على اساس يكرس الكيانات القطرية مما يعني تغييب المشترك القومي الوحدوي. ولعل هذا أهم اسباب عدم مساهمتها في أي توجه وحدوي. ورغم أن قرارتها يجب ان تكون بالإجماع، إلا أن قراراتها للعدوان على العراق وليبيا وسوريا واستدعاء الناتو للعدوان على هذه البلدان العربية لم تكن بالإجماع، ومع ذلك تم تمريرها بل شراء تمريرها من البعض مقابل المال أو "الخوف". هذا ناهيك عن أنه من غير المعقول أن يكون سواء العدوان الذاتي او استدعاء العدوان من مهام جامعة للدول العربية.
منذ أن شاركت جيوش عربية في العدوان على العراق 1991 (مصر سوريا المغرب) كان على الجامعة إما أن تحل نفسها أو تفصل هذه الدول. أما حينما استجدى أمينها العام السابق عمرو موسى الناتو لتدمير ليبيا بحجة ان القذافي ضرب متظاهري بنغازي بالطائرات29، وبعده امينها الحالي نبيل العربي الذي لم يتوقف عن استجداء تدمير سوريا، فقد تكشفت عن مؤسسة معادية للأمة العربية.
من هنا، فإن المطلوب جامعة للشعب العربي تقوم على فكرة ومن ثم مشروع توحيد الدول التي تدخل عضويتها. وهذا يعني تحديداً أن لا تعود سوريا الجديدة إلى هذه المؤسسة وأن تبدأ مؤسسة وحدوية جديدة. وسيكون هذا مثابة اختبار لسوريا إن كان الدرس قد تمت الاستفادة منه أم لا. وإن لم يحصل، سنقلب لها ظهر المجن. وإن عدتم عدنا30.
الحماية الشعبية، المقاطعة ومناهضة التطبيع بحرب الشعب
لن تختار الأنظمة الحاكمة وخاصة الكمبرادور وحكام العيش على ريع النفط أي شكل من الوحدة او التنمية او التكامل الاقتصادي العربي. لذا، يجب أن يكون مشروع الوحدة بداية من بناء قاعدي من الطبقات الشعبية. البدء بالتنمية بالحماية الشعبية، الاقتصاد الشعبي مفكوكا عن الاقتصاد الرسمي الرأسمالي، وتقوم العلاقة على إرغام الرسمي بالتحول للشعبي. ومقاطعة منتجات مختلف الدول المعادية وعلى راسها الكيان الصهيوني من خلال الاستهلاك الواعي او الوعي بالاستهلاك مما يرغم السلطات على وقف استيراد منتجات الأعداء وتشجيع الإنتاج المحلي من قطر لآخر. وهذا يشترط مناهضة التطبيع سواء مع الكيان أو الدول المعادية أو الأنظمة العربية العدوة للأمة.
إن اللحظة الحالية هي لحظة الحسم في حرب بين معسكرين في الوطن العربي:
معسكر منخرط في الثورة المضادة
ومعسكر المواجة/المقاومة
لقد وصل الصراع إلى اللاعودة واللاتصالح بين المعسكرين، وهذا يقتضي مستوى من حرب الشعب أوسع من مفهومها الماوي الغِواري. اي حرب التنمية بالحماية الشعبية، المقاطعة ، مناهضة التطبيع، وتفكيك الدولة القُطرية. وهنا مرة أخرى، إن لم ترتفع سوريا الجديدة إلى هذا الدور، فإن التضحيات والضحايا تكون قد ذهبت سُدىً. وإن لم ترتفع إلى مستوى الدور، فهذا لا يعني نهايته.
تحييد الدين السياسي
منذ هزيمة 1967 التي حاقت بالأنظمة قومية الاتجاه، انهزمت معها القوى القومية والشيوعية حتى التي كانت تقف ضد تلك الأنظمة. وفُتح السبيل لأنظمة الدين السياسي كي تضخ ثقافة ما قبل الحداثة باسم الدين. وهي ثقافة سهلة الانتشار في مجتمعات لم تشهد ثورة صناعية وغارقة في هزائم انظمتها على المستويات القومية والتنموية والثقافية، وتعيش ازمات اقتصادية حادة وممتدة. وبتوفر سيولة مالية هائلة من ريع النفط صار ممكناً تجنيد ملايين الدُعاة الذين يخدمون السيد السياسي وليس الرب.
على هامش هذا التشوه الهائل تولدت طبقة من رجال الدين تصدرت الثقافة والسياسة والدين معاً، وصارت لها سطوة على العقول.
لقد آتى هذا التورط أُكُله منذ تأسيس القاعدة31. ولكن فترة الحراك العربي نقلته إلى لحظة الهجوم على الوطن العربي والأمة العربية نفسها. لذا شهدنا فتاوى الوعظ المشيخي بالديمقراطية وهدم الأهرامات وشرب بول البعير، وجهاد النكاح، وفتاوى التضحية بثلث الشعب السوري لإسقاط النظام هناك، ومباركة عدوان الناتو على ليبيا واليوم عدوان داعش على بغداد. من هنا، فإن العلمانية هي ضرورة .
لن يكون من العملي منع الشيخ من الحديث في السياسة، ولكن من التواطؤ عدم محاججة الشيخ في السياسة على الأقل، هذا ولو من أجل إزاحة القداسة وتحويله إلى مواطن عادي، رأيه قابل للنقاش او الدحض32.
قوى المواجهة
1- الأحزاب:
تشترط المواجهة/المقاومة فرز حواملها، لأنها، اي المواجهة، مشروع حياتي كفاحي حضاري مستمر. وهذا يتضمن بداية إعادة إعتبار الحزبية الوطنية لذاتها. وهو لا يتأتى دون خلق خطابها الخاص، وموقفها بناء على واقعها من اية نظرية او فلسفة. وهنا تدخل الجغرافيا، أي الوطن والثقافة والحضارة والمهام المطروحة كي تشكل خطاب المواجهة.
لم يعد الحزبي هو محتكر الصندوق السود علبة الثقافة والمعلومات. لقد اصبح الوصول إلى المعلومة اسهل من المشي على الرصيف او ممارسة حديث النميمة. لدى الأكاديمي اطنان من المعلومات ينوء تحتها لكنه قلما يرتقي إلى الحزبي الحقيقي الذي يحمل المعرفة على جهده ليخدم مشروعا وطنيا ومن ثم طبقياً.
لقد أثبت الشكل البيروقراطي والطاعة الحديدية للحزب بأنها من أدوات قرن مضى. وعلى اثر اندثار الأحزاب في الوطن العربي سواء بفعل القمع أو بفعل الفقر النظري والعجز عن ابتكارات نظرية متولدة من محيطها، غدا الباب مفتوحاً لأشكال حزبية جديدة. هي ضرورية ولكن جديدة.
إن النواح على القديم الذي نسمعه في كل ناح، أشبه بتحسر انكيدو على ترك قطيع الحيوانات بعد أن اغرته الراهبة فامتصت قدرته الجنسية ومن ثم الجسدية فتطبع كما قرأه فرويد فلم يتمكن من الرجوع إلى ما كان.
إذا كان لنا أن نواجه الحقيقة، نقول صار من قبيل الجريمة مع سبق الإصرار أن يقف الحزبي مع حزبه وهو يخون او يتخاذل أو يرتزق. فليس هذا الحزب ولا الحزبي المطلوب للمرحلة الراهنة والقادمة. ذلك لأن الأصل ان تبدأ وطنياً وهذا يعني الجغرافيا، إلى ان ترث الأرض الشيوعية الحقيقية. لذا، فالاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي، خيانة مهما صيغت بأنواع وألوان من خطاب الهزيمة، والهروب إلى أمة الإسلام مع صداقة ووفاء مع رئيس الكيان الصهيوني خيانة. هذا التقاطع المثير للخوف بين أممية شيوعية مهلهلة واممية دين سياسي سرابية. إن اية مجاملة في هذه القضايا الهامة هي من روافع الهزيمة. وكل من يجامل فيها يدرك أنه يتواطىء ويطلب من الناس قبول ذلك منه. والخطير ان كثيرين يقبلون ذلك.
وإذا كان لحزبية جديدة أن تبزغ، فذلك لن يكون من صنع نخبة قيادية، بل من توليد قاعدة شعبية تبلور حزباً وتضعه تحت رقابتها المشددة. يخرج منها ويعود إليها للمسائلة. فالشكل البيروقراطي هو الحالة المقلوبة للحزب. وهو الذي يحول القيادة إلى طبقة متحكمة ومستفيدة ومتخشبة.
في واقع الحرب الأهلية، وغياب ديمقراطية اقتصادية اجتماعية وحرب الثورة المضادة، يجب ان يكون الحزب علنياً وسرياً كذلك. أي الاستفادة من المساحة العلنية وتوسيعها، مع حفظ كوادره من ضربات الأمن. فكلما كان الحزب مفتوحاً أمام السلطة والأمن كلما كان أكثر جاهزية للاضطجاع في معدة النظام، وحينها لا يعود ثورياً.
إن ورطة الديمقراطية التي بدأ كثير من الأحزاب والمثقفين الحديث عنها وترويجها قبل أزمة الحراك العربي الحالية وارتفعت وتيرة ذلك منذ هذا الحراك، هي شرك خطير، يختزل الفعل الثوري والتغييري في صراخ في الميادين وعبر وسائل الإعلام هائلة الاتساع، ولكن بنتائج جوفاء يتأكد فيها الصوت ويُنفى صاحبه. فالديمقراطية ليست سوى بندا في المبنى الهائل للحرية. هي العلاقة او ترتيب العلاقة بين السلطة والمواطن، وبين حاكم الأسرة ومحكوميه. هي ليست الديمقراطية الاقتصادية وليست حق العامل في نتائج عمله، وليست تحرر المرأة، هي باختصار ليست الاشتراكية. أن دُعاة دمقرطة سوريا اليوم هي انظمة الخليج النفطي وتبختر العجوز المتصابية بوقاحة هيلاري كلينتون في ميدان التحرير بعد إمامة القرضاوي هناك، وهي تباكي ضواري الإمبريالية على سوريا والدم يسيل من كافة مسامات انظمتها بل ومن كثير من طبقاتها الشعبية التي ترسل جنودها لقتل هنا وهناك كي يحيا مجد فرنسا وبريطانيا وأمريكا وحتى النرويج الضئيلة. مثلاً، النرويج هي أم اتفاق أوسلو، وهي ممولة مؤتمر الإعلام في فندق رويال/عمان بإشراف يو.اس إيد، وهي نفسها التي تستضيف مؤتمرات تطبيع ثقافي عربي صهيوني، وحتى منحها الدراسية مشروطة بأن تأخذ شكل تقارير إخبارية وخاصة عن سوريا وطيرانها شارك في قصف ليبيا وهي نفسها قدمت نظارات رؤية ليلية للغزاة الأمريكيين للعراق! إذا كان كل هذا من النرويح، فماذا عن الولايات المتحدة!
لا يتم استكمال ادوات المواجهة التاريخية هذه دون الاقتصاد. صحيح ان حق كل إنسان هو في ما يُنتجه، ولكن، إذا لم يتحول هذا الحق إلى هدف، يبقى الاستغلال والنهم وحتى التقشيط طبيعياً ودارجاً. طبعا لا تستطيع الطبقة العاملة استعادة الاقتصاد/الثروة إلى يدها دفعة واحدة. فهي لا بد ان تنتظم في حزبها، ولا بد أن تصل إلى عمق الوعي المشتبك ليتحول الاقتصاد او الثروة في وعيها إلى اقتصاد سياسي، اي وعي طبقي، مشروع طبقي...الخ. وقد يكون صحيحاً أن تسلك في البداية طريقاً آخر قبل حسم المعركة الأخيرة مع الملكية الخاصة، إنها طريق اقتصاد الطبقة، اقتصاد الحزب حتى ولو بتعاونيات بسيطة أولية. فلا يمكن لحزب ثوري أن ينتقل لاستلام السلطة فجأة، كما لا يمكن أن يصمد ويستمر ما لم يخلق شكلا ما من اقتصاده الخاص. وقد تكون العبرة في تجربة انجزة الأحزاب السياسية33. فمن أجل المال والعيش الرغيد لجأت أحزاب اليسار إلى مال الأنجزة، فإذا بجوهرها يتحول إلى نقيضه اللبرالي بل ويتحول إلى القوادة للنيولبرالية.
2- مثقفون:
المثقف كائن خلافي، له فعل وتأثير اينما وُجد. أما خلافيته فتكمن في قدرته على الانتقال من الأقصى إلى الأقصى. يمكن ان يكون شيوعيا فيصبح لبرالياً، وينتقل من علماني إلى سلفي، ومن سلفي إلى ماوي، ومن قومي إلى قطري...الخ. وفي كل حالة يكون من "البلاغة" بمكان بحيث يقدم تبريرا لذلك قد يكون من حسن الصياغة إلى حد يُقنع كثيرين...فيتبعوه! ولعل المشكلة أنهم يتبعونه!
وحده المثقف هو القادر على هذا الرقص المتناقض وبشكل سريع. ربما لأن المثقف يملك سلعة يجب ان لا تكون سلعة وهي الثقافة، فحين تُباع الثقافة تتحول إلى سلعة مسمومة ومسممة. لذا، يمكن للمثقف أن يكون مفجرا للثورة وأن يكون لغما يحطمها.
ليس جديداً القول بأن مختلف مفكري التاريخ قد أجمعوا على أن اقتراب المثقف من السياسي سقوط لا أفظع منه. وحتى اقترابه من القيادي، اي تحول المثقف إلى مغني لقائده السياسي، تماماً كما كان مثقفون ومثقفات في م.ت.ف ومن ثم مع سلطة أوسلو-ستان. وماذا نتج عن هذا؟ تبرير للتطبيع مع الكيان الصهيوني إلى درجة اعتذارية وكأننا نحن الذين اغتصبنا ارضه. إن مثقف التطبيع الفلسطيني هو اشد الأخطار على الوطن الفلسطيني والعرب لأنه يُغري المثقفين العرب بالتطبيع وهؤلاء يحملون هذا الفيروس إلى الوطن العربي. ولذا، أرى زيارة البطريرك الراعي للكيان الصهيوني هي مستندة بدرجة كبيرة إلى التطبيع السياسي والثقافي الفلسطيني دون ان ننفي أنها رسالة حب للصهيونية باسم الدين.
المثقف يجب ان يبدأ وينتهي وطنياً، ولذا، فهو نقيض السلطة التي تبدأ وتنتهي مصلحياً. وحتى حين تتطابق مصلحة السلطة مع مصلحة الوطن على المثقف أن يُباعد بين نفسه وبين السلطة كي يكون رقيبا وناقدا لها. وبالعموم، فإن علاقة المثقف النقدي الثوري المشتبك بالسلطة تأخذ حال مطاردة أو صيد طراد بمنحيين:
مطارة قمعية لتناقضه معها
أو مطارة إغواء لطيه تحت جناحها حين يتقاطع موقفيهما في نقاط ما. ولذا، عليه أن يبقى بعيداً.
بعيداً كي يبقى نقديا ومشتبكاً، وهذه مسألة في عمق الديالكتيك.
من هنا يكون للمثقف دوره في التغيير، ومن هنا يأتي دوره ملاصقا لدور الحزب الثوري.
ولكن من هنا ايضا يمكننا فهم الخطر الكارثي الذي مثله مثقفون عرباً ضد الوطن والأمة. واقصد تحديداً كيف تحول كثير من المثقفين إلى ابواق لأنظمة متخلفة او لخطاب طائفي وامبريالي صهيوني!
أسوق هنا ملاحظة إضافية، حينما غزت الإمبريالية الكويت بعد ان استعادها العراق، تعرض العراق لهجمة من مثقفين يساريين غير عرب وعرب. كتبت حينها عن غير العرب بأنهم كأولاد السكرتيرة تجاه النظام الراسمالي الحاكم، يثرثرون ضده، وحين يتأزم يهبون لإنقاذه. ليسوا علنيين بما هم اولاد سفاح، لكنهم لا يتخلون عن ابيهم34. لكن الأفظع كان موقف مثقفين/ات عرباً وكذلك فلسطينيين. وها هو العراق يُغزى مجدداً، ويجد الغزاة مثقفين مخضرمين يروجون لديمقراطية وثورية قوى أعطاها الحكام السعوديون إكسير الحياة ونصل الذبح.
كان ذلك، حسب تجربتي الشخصية، بداية واضحة للتحول التواطئي الإختياري أو المأجور لكثير من المثقفين/ات. لذا، حينما حصلت الحراكات العربية 2011، واحتلتها الثورة المضادة، تورط الكثير من المثقفين لصالح الثورة المضادة حقدا على النظام. وهو حقد فردي ذاتي وحبذا لو كان طبقياً أو حتى جندرياً. وإلا ماذا نسمي وقوف مثقف حداثي او ما بعد حداثي، شيوعي تروتسكي قومي...الخ مع احتلال العراق وليبيا وسوريا؟
هي إذن ظاهرة مثقفي الطابور السادس الثقافي. وهؤلاء في الواقع فريقين من حيث المنبع الثقافي:
منبع علماني
ومنبع دين سياسي أي من يُعرفون بالفقهاء
مثقف الطابور السادس نميمي، لا مشتبك. قلما يشتبك. يثرثر كثيرا خارج الورق والتلفاز والمسموع. يخشى كثيراً، أن يُشار إليه بإسمه. يصر على ارتكاب المعاصي ويريد أن لا يُذكر اسمه. يخرق مختلف القيم، يزكي فلتان القيم، ويعتبر ذكر اسمه عدواناً وكراهية فردية.
وبالمقابل، إذا لم يتصدى المثقف المشتبك لهؤلاء، فإنه يسقط في المساومة والمجاملة وخيانة مبدأ "كل الحقيقة للجماهير"35.
إن المثقف النقدي المشتبك هو صمام أمان لمواجهة تخريب الوعي، وهو بلا شك حالة استشهادية في واقع تابع بهدوء ومتعة. هو نبي يقاتل عالما من التكاذب المتعدد. فالمثقف المشبوه وحده الذي يضع زيارة السادات للأرض المحتلة في باب كسر الحاجز النفسي، أو اعتبار اوسلو سلام الشجعان، وهو سلام راس المال، أو مجيىء العرب إلى الأرض المحتلة زيارة للسجين بينما هو تطبيعاً، أو اعتبار امريكا بلد الحرية ...اللخ

3- الطبقة
لا معنى للحزب ولا للمثقف إن لم يكونا ضمن طبقة شريطة ان تفرزهما لا أن يمتطيانها. ذلك دون أن ادخل مجدداً في طبيعة العلاقة وتحديداً القيادة أو مختلف التعريفات للطبقة والتجديد عليها أو حتى زعم البعض نفيها. لأن المواجهة هي في التحليل الأخير بين الطبقات، وليست بين الأحزاب أو المثقفين أو الأديان أو المذاهب. إنها بين الطبقات متضمنة الأحزاب والمثقفين. هذا جوهر التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية.
وبالطبع، فلكل طبقة حزبها ومثقفها العضوي كي تتكون ثلاثية التصدي.
في واقع الوطن العربي شهدنا بعد هزيمة الحركتين القومية والشيوعية في نهاية الموجة القومية الثانية، وحلول الثالثة شهدنا تغيرات في تموضع الطبقات والقوى:
فمن جهة استسلمت البرجوازيات الكمبرادورية والبيروقراطية والطفيلية العربية ورجال الأعمال للكيان الصهيوني وقرروا الاعتراف به سرا أو علانية. وهذا الاعتراف يتضمن خضوعها وارتباطها بالمركز الإمبريالي بثلاثيته (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) أي ان المسألة أوسع من مجرد الاعتراف بالكيان.
ومن جهة ثانية، فإن الكثير من القوى السياسية الفلسطينية و العربية اعترفت بالكيان الصهيوني وتحولت إلى الخطاب اللبرالي الغربي مما يعني التحاق القوى بالأنظمة وهذا يتضمن تحالف او تصالح بين هذه القوى والأنظمة.
وبالتالي، فإن الجبهة التي صمدت وتتعرض للاختراق هي جبهة الشارع العربي الطبقات الشعبية التي يجري العمل على تدجينها لصالح الاعتراف بالكيان والتطبيع معه من جهة ولتكريس معادلة التجويف والتجريف من جهة ثانية وكل هذا في رزمة واحدة.
لعل الحراك العربي في الأعوام الأربعة الأخيرة هو معركة تركيع الطبقات الشعبية للثورة المضادة، وهي معركة/مواجهة لم تحسم بعد. لا بل هو امتطاء حراك الطبقات الشعبية كحراك جماهيري لا طبقي، بمعنى غياب المعنى السياسي المشروع السياسي لحراك الطبقة. فهل هو حراك طبقي في سوريا حيث تقود داعش والقاعدة والوهابية والولايات المتحدة تمرد فقراء الشام! هذا سؤال برسم فذلكة أحفاد الشيخ القتيل ليون دافيدوفيتش تروتسكي من جلبير اشقر إلى الوهابي معيشياً سلامة كيلة.
أما والأمر على هذا النحو، فلم يعد أمامنا سوى المواجهة المفتوحة، ليس لأن ذلك واجبا وحسب، بل ايضا لأن أعداء الوطن المحليين والخارجيين لم يوقفوا هجومهم.

الهدف البعيد لا الابتعاد عن الهدف:
استذكر في هذا السياق ما كتبه الراحل إدوارد سعيد بأن على الفلسطينيين أن يقدموا تفكيراً جديداً في الصراع مع "إسرائيل" كان هذا من خواتيم حياته حيث اصر على الاعتراف بالكيان والتحاور مع الصهاينة وكان 1969 قد توسط بين عرفات والإدارة الأمريكية ودخل المجلس الوطني تعييناً من عرفات، ثم نقد عرفات على أرضية ضعف نتائج مفاوضات أوسلو وليس على أرضية رفض اوسلو، ناهيك عن موقفه العلني ضد الكفاح المسلح36 وزيارته لمدينة الناصرة لدعم ترشح عزمي بشارة للكنيست. دعوة سعيد هذه أمر استدعى تفكيراً ملياً لم اصل منه سوى إلى نتيجة واحدة مفادها: هل التفكير القديم خاطئاً؟ أي التحرير والمشروع العروبي. لا لم يكن خاطئاً. ما الجديد الذي على شعب وطنه مغتصب أن يبحث عنه سوى الاستسلام لقوة المحتل؟37 حينما يتعلق الأمر بالجغرافيا، بالوطن، لا يكون سوى تفكير واحد هو استعادته. هو التحرير من أجل العودة الحقيقية لا الرمزية. وهنا لا بد من تأكيد بأن الهوية تتحول لأنها سائلة، والعشق الفكري العقيدي يتحول، أما الوطن فلا يتحول.
ينسحب السؤال على الوضع العربي، فبعد قرن على تكريس القطرية بكل مستوياتها، ها هي تضع حملاً انتحارياً طائفياً مذهبياً، حمل سفاح لم يبقَ عابر سبيل إلا وضاجع ارض هذا الوطن، لا توجد دولة أو دويلة في العالم ليس لها إصبعاً تمتصه من دمنا. هكذا كتب ماركس في 18 برومير حينما نخَّت البرجوازية الفرنسية للمغتصب الألماني 187038.
قرن حمل معه سقوط القيم وأخطرها سقوط الوطن كقيمة عليا، وتناسل الهويات، وتخارج الثقافة، والتخلي عن السرديات الكبرى القومية والاشتراكية، والسقوط في سرديات السوق والدين السياسي والطائفي...الخ. قرن تأكد فيه أن الاستهداف لهذا الوطن مطلق زمنياً لأن بحيرة الطاقة هذه هي مثابة الدم للغرب الراسمالي، والكيان فقط هو فيروس احتجاز نهوض الأمة، فلا بد منه، ولا بد من تكراره في دويلات الطوائف بعد تكراره في كردستان العراق. ولذا، لا خيار سوى الحياة مقاومة.
ولا إخال هذا إلا ويستدعي مسألة واحدة هي المسألة المركزية، بأنه: إذا كان مشروع التجزئة ممكناً، فلماذا يكون مشروع الوحدة مستحيلاً39. كان هذا ردي على تهجمات الراحل إميل حبيبي على القومية العربية عام 1987 أثناء جدال كانت نتيجته اغتيال ناجي العلي وهروبي من لندن واحة الديمقراطية ووكر المعارضات المرتبطة.
واليوم، لا أرى غير مشروع العروبة بديلاً، نعم هو الخطاب السابق الذي ووجه بموجات من العدوان الإبادي. وهو مشروع التحول إلى الاشتراكية. وقد يكون الوطن العربي الأجدر بذلك. فهو ليس كالكثير من بلدان العالم التي ذاقت إلى حد ما ، في فترة ما طعما ما للراسمالية. أما الوطن العربي فلم يذق منها سوى العلقم.
لا بد من اعتماد خطاب التحدي والمبادئة، بأن الأنطمة الحاكمة تتمسك بالتجزئة وتضاعفها كي تواصل احتلال ثروة الأمة باجمعها. ومن أجل تحطيم هذا الاحتكار الموظف اساساً في خدمة الإمبريالة والصهيونية يجب الهجوم الواضح على هذه الطبقات وتلك القطريات. تصفيتها بلا مواربة بخطاب وقوى وأدوات مختلفة. خطاب وقوى القومية الكامنة في مواجهة القومية الحاكمة. خطاب العروبة هي الحق والمصلحة المادية للطبقات الشعبية (عربا وغير عرب) في المقاومة والوحدة والتنمية/الاشتراكية40 . فالحرية هي اولا الحق في الجهد والثروة. الوطنية هي تحرير كل شبر محتل في الوطن العربي وهو مستحيل دون الوحدة. فالدولة القطرية قادرة على فقدان الأرض وحسب. بل في غالب الأحيان هذا دورها التكيف مع سحق الحيز وتصاغره41.

الاشتراكية الجديدة أبعد من دور الدولة ومن فك الارتباط:، ليست اشتراكية السلطة الطبقة الحاكمة. فليست الدول هي التي تفك الارتباط بل الطبقات الشعبية، التنمية بالحماية الشعبية.
مواجهة مثقف الطابور السادس بالمثقف المشتبك في معركة مفتوحة: تواجه كل من ثقافة الاعتراف بالكيان، التمول من الخارج، الانخراط في الأنجزة، مساومة الدولة القطرية، التطبيع مع الثورة المضادة، التطبيع مع راس المال،
تجاوز الدولة/ السلطة ممكنا، أما تجاوز الوطن ...فلا. الاجتهاد في النظرية ممكناً وضروريا، والاجتهاد في الوطن لا.
هل نحقق هذا؟ هل نحن متأخرين، أكتفي ببيت الشعر التالي:
فإن يكُ صدر هذا اليوم ولَّى...فإن غداً لناظِرهِ قريبُ

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة ماذا يجرى فى العراق؟ الطائفة أم الطبقة؟ روبير بشعلانى الموضوع السابقة
تقييم 1.70/5
تقييم: 1.7/5 (47 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع