المقالات والاخبار > مقالات > الطائفة أم الطبقة؟ روبير بشعلانى

الطائفة أم الطبقة؟ روبير بشعلانى

نشرت بواسطة admin في 22-Jun-2014 13:00 (797 عدد القراءات)
كثرت فجأة في الآونة الأخيرة الكتابات والدراسات النافية لوجود الطائفية. لا يمر يوم إلا وتنشر الصحف أو الدوريات منشوراً يحذر من الانزلاق إلى متاهتها. المفارقة أن العلم ينكبّ ليس على دراسة هذه الظاهرة والتعمق بها لإنتاج معرفة ملموسة بها، بل على دحض ما هو غير موجود بالنسبة اليه. في حين تشير أطنان الورق التي تتناولها بالنكران، أو تحوم حولها بشكل غير مباشر، إلى وجودها القوي وإلى عدم صحة إنكارها لا بالمنهج ولا بالواقع.
الإنكار يقوم على فكرة أن الصراع الاجتماعي يدور بين قوى اجتماعية طبقية غير طائفية لكنه يتخذ هذا الشكل الطائفي لمؤامرة تقوم بها القوى المسيطرة، الموحدة، بغرض تقسيم قوى الطبقة العاملة وحلفائها. يكفي إذن أن يعمل الواعون للمؤامرة على إطلاق معارك مطلبية ونقابية تضرب على وتر «المصلحة الطبقية» للناس «المرصودين» طائفياً حتى يستجمعونهم ويعيدون إليهم الروح الطبقية الحقيقية. لا صراع طائفيا إذن. لكن لماذا لجأت بورجوازيتنا وحدها من بين سائر البورجوازيات في العالم الى هذه الحيلة مع العلم ان الأديان عندهم ليست معدومة الوجود والعمال مؤمنون أيضاً؟ لا جواب.
القول بانعدام الصراع الطائفي يعني القول بانعدام وجود الطوائف كأجسام اجتماعية. فالصراع الطائفي صراع طوائف. لكن الصراع طائفي مع ذلك فما الحل ؟ الطوائف تصبح ههنا قناعاً وهمياً، وعياً زائفاً، أو «كنائس» تتعاطى فقط العقيدة الدينية. والطائفية، بما هي صراع بين طوائف، لا وجود فعلياً لها، تتحول إلى ايديولوجيا البورجوازية التابعة، «الكولونيالية».
الطائفة الغائبة إذن لا تحتاج إلى تحديد وتعريف بذاتها. لكن ما هو الفارق بين الطائفة وبين الدين؟ بين الطائفة وبين الكنيسة ؟ بين الطائفة وبين المذهب؟ لا جواب.. فالجميع يتحدث عن شيء مبهم لم يقم الباحثون بتعريفه إلا بالسلب والإيحاء الرمزي. نفهم منهم، على نحو غير مباشر، أن الطائفة هي الدين تارة، وطوراً المذهب، تارة الوعي المزيف وطوراً الكنيسة أو رجال الدين، تارة هي الطبقة، وطوراً هي وعي مزور للطبقة، تارة جسم سياسي وتارة اجسام اجتماعية تقودها الطبقات العليا من الطائفة، تارة هي جزء من صورة الغرب الاستعلائية عنا كما أرادها الاستشراق وطوراً هي اللاشيء أو الماضي. نفسر الماء بعد الجهد بالماء.
لا تعريف محددا لهذا الذي ننكر وجوده. حسنا لو انتقلنا الآن الى بقاع تتصارع فيها القبائل أو العشائر صراحة على السلطة كليبيا مثلا أو اليمن، أو بعض مناطق العراق او سوريا او لبنان، فهل يمكننا تطبيق الإنكار نفسه على الصراع الاجتماعي هناك؟ وهل يمكننا القول ههنا إن البورجوازية «الكولونيالية» اختلقت العشيرة كإيديولوجيا لكي تقسم «الشعب»؟ ما العلاقة إذن بين البنية الاجتماعية القبائلية والعشائرية وبين الطائفة؟ وكيف يمكن القبيلة أو العشيرة ان تكون جسما اجتماعيا وليس الطائفة؟ فكما يمكننا ان نعرّف القبيلة والعشيرة، علينا أن نعرّف الطائفة، فكلها أجسام اجتماعية قرابية عرفتها مجتمعاتنا ،على وجه الخصوص، وانحصر الصراع الاجتماعي بها طيلة قرون وقرون.
مكمن الإشكالية عند غالبية هذه المدارس انطلاقها من فرضية تقول إن بلادنا خضعت مع مجيء الغرب اليها الى تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة قلبت بنياننا القديم، وقادتنا إلى الحداثة. أما ما نشاهده من قديم، فهو لا يعدو كونه بقايا من الزمن السابق أو اشكالاً تستفيد منها القوى الاجتماعية الحديثة في عملية ارساء سلطانها الحديث. ولم تكن المظاهر الاقتصادية الحديثة من مصارف ووكالات تجارية ومتاجر وبعض المصانع والجامعات إلا مؤشرات كافية بنظرهم لكي تدلل على إتمام هيمنة الرأسمالية على بلادنا. كما استدلوا، من خلال التفاوتات الكبيرة بالدخول، على تفريخ وتبلور الطبقات الاجتماعية الحديثة. كأن الصراع الرئيسي صار اليوم في بلادنا بين الرأسمال والعمل على توزيع فائض القيمة الذي يحققه العمل.
ومن اجل شرح عدم وضوح الصراع الطبقي في بلادنا، بالرغم من الحداثة المهيمنة، رأى اصحاب هذه المدرسة أن البورجوازية الحديثة عندنا هي المسؤولة عن هذه الضبابية عندما لجأت إلى حيلة شرقية تقسم من خلالها الطبقة العاملة وتمنعها من التوحد. الحيلة، التي إسمها الطائفية، تمكنها من اللعب على «وعي» العمال الديني. فالعمال عندنا مؤمنون. هكذا صارت البورجوازية موحدة والطبقة العاملة منقسمة. فالعمال أذكياء ودواهٍ في كل الكون إلا عندنا. سبحان الله! حيث هم بسطاء تركوا أنفسهم ضحية هذه اللعبة - الحيلة، الطائفية. لكن كيف رأوا وحدة للبورجوازية في بلاد تتنازعها الحروب الأهلية العنيفة كل عشر سنوات، وما مصلحة البورجوازية في التدمير المنهجي الدوري لكل البنية التحتية للبلاد؟
وبما أن الطائفة، على ما يبدو، هي هي المذهب أو الدين ، هي هي الوعي الديني والإيمان بالنسبة لهذا التيار الفكري، فإن رشّة من النضالات المطلبية النقابية والمصلحية تكفي لإنعاش ذاكرة العمال بـ«المصلحة» المتفوقة على «الوعي» فتجعلهم «كالشمس أنقياء» يتركون الوعي الطائفي «الزائف» لحساب المصلحة الطبقية وهي الحقيقة - الجوهركما جاء في العلوم. وبذلك نكون قد فككنا سحر السحرة الشرقيين ونزعنا القناع الطائفي عن وجههم وعريناهم أمام الجماهير ووحدنا ما قسّمته «الكتيبة» و«صيبة العين».
هناك من لا يزال يعتقد أن النجاح لا ينقصه غير الإصرار على التكرار و«المراكمة» النقابية ، متناسياً سنوات نضال أسلافه الطويلة والفاشلة، منذ بداية القرن العشرين الى اليوم، متناسياً تجربة القبائل «الرفاقية» في اليمن الجنوبي الديموقراطي الشعبي مثلاً. متناسياً ما يجري حالياً في اليمن من صراعات قبلية لا علاقة لها بالدولة الحديثة ولا بأشكالها ولا حتى بالطوائف. متناسياً ما يجري في العراق وليبيا والسودان وسوريا. متناسياً ما يجري في لبنان منذ القرن التاسع عشر الى اليوم، من صراعات طائفية سابقة حتى على ولادة البورجوازية الكولونيالية. كل هذا، برأيهم، ليس أكثر من مجرد مظاهر. أشكال تمظهر للصراع الجوهر الذي تحدث عنه الكتاب. الواقع ان وجود مصرف وبضع وكالات تجارية ليس كافيا للدلالة على الانتقال من حال إلى حال. فالمصرف هنا ليس مرتبطا بحلقات الانتاج الصناعي المحلي، الذي وحده يستطيع ان يكون مسؤولاً عن انتاج وصياغة اجتماع من نوع جديد، لا سيما أن دور هذا المصرف لم يتعدّ بأحسن الأحوال دور «القجة» التي تخزّن الأموال الناتجة من الريع وتضخها الى الخارج الناهب.
الوكالة التجارية الحصرية الوسيطة هي أيضا قناة ريعية لا تحتاج الى بنى اجتماعية جديدة لكي تعمل. يكفيها مكتب وتلفون وسبحة والباقي على الرزاق. فالسوق مؤمن ومحتكر بواسطة الوكالة الحصرية والبضاعة المستوردة كذلك. هذا النوع من النشاط الاقتصادي لا يثوّر مجتمعاً ولا يحتاج لعمران بشري حديث. الرأسمال الغربي الفعلي المسيطر والذي يحتاج لنهب الموارد الأولية ليس مستعجلا لبناء الرأسمالية الفعلية في بلادنا. على العكس، فهو يحتاج الى اطالة أمد هذه العملية ما أمكن من الزمن. لماذا وهل يحتاج الى دول صاعدة جديدة تستقل بسوقها وتنافسه على اسواق الكون؟
العلاقة بالرأسمال الوافد لم تقد إذن الى تثوير البنى المحلية ولم تأت بما توهمه البعض من حداثة وتطور وأفكار تنويرية جديدة. بقيت انماط العيش ريعية بمعنى أن مصدر العيش الرئيسي لا يزال الطبيعة بما عليها وما فيها. والريع، كما توزيعه، لا يحتاجان لبنى اجتماعية طبقية حديثة. ومن هنا قوة صمود البنى القرابية وأسباب سيطرتها على الاجتماع المحلي وبقاؤها القوة الحيوية التي يتمظهر الصراع الاجتماعي بألوانها. فالصراع قبلي عندما يكون الاجتماع قبلي القرابة، وعشائريٌ عندما يكون الإاجتماع عشائري القرابة، وطائفي عندما يكون الاجتماع طائفي القرابة.
الطائفة هي القرابة السابقة بحجمها الكبير، امتداد أوسع للعشيرة والقبيلة، عشيرة أكبر حجماً ودوراً وسعةً. وهي ليست «وعياً» ولا ديناً ولا «سياسية» كما درج بالفترة الأخيرة.
والطائفة، كالأشكال القرابية الأخرى، ليست طبقة واحدة. بالعكس هي متحد اجتماعي مكون من طبقات مختلفة ومتناقضة المصالح والنزعات الاقتصادية، لكن هذه التناقضات ليست تناحرية إلى حد تفجير القرابة من داخلها.
الطائفة، وللحفاظ على عصبيتها ووحدتها، توزع العائدات الريعية في ما بينها بشكل متفاوت. فالقرابة لم تكن يوماً عدلاوية او مساواتية (خطأ شائع عن القبائل الاستوائية). بل هي توزع وفق تراتبيتها القرابية والقرب والبعد من مركز القرار والسلطة فيها. لكن هذا التوزيع غير العادل لم يقد يوما الى فرط قرابة. على الأقل ليس على علمنا.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها العراق من التقسيم ؛ إلى تقسيم التقسيم الموضوع السابقة
تقييم 1.72/5
تقييم: 1.7/5 (71 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع