المقالات والاخبار > مقالات > البرازيل نمو عال او توزيع عادل

البرازيل نمو عال او توزيع عادل

نشرت بواسطة admin في 03-Nov-2014 12:50 (635 عدد القراءات)
البرازيل: سيدة حرب الغوار في مواجهة وول ستريت
إما نمو عالٍ او توزيع عادل

محاورات في الاقتصاد السياسي 8

عادل سمارة وبادية ربيع

شهدت البرازيل في اكتوبر 2014 سباقا انتخابيا على رئاستها بين مرشحة حزب العمال وبين مرشح يمين الوسط الاجتماعي الديمقراطي البرازيلي اليميني. وبكلام آخر بين مرشحة كل من الطبقات الشعبية في البرازيل والبريكس من جهة وبين مرشح راس المال والإمبريالية بل وول ستريت من جهة ثانية. وكان الفوز لصالح السيدة ديلما روسيف عن حزب العمال لدورة ثانية. وهي السيدة التي انتقلت من ماركسية مقاتلة في حرب الغوار إلى مقاتلة في سياسة الدولة وقيادتها. وخلال نضالها الغواري اعتقلت وعذبت خلال حكم الديكتاتورية المدعومة في حينه من الولايات المتحدة. اي في عقود الستينات حتى نهاية القرن العشرين حيث كانت امريكا الجنوبية محكومة بزنَّار من الجنرالات.
تأمل روسيف ان تصل بالبلد إلى تصالح اجتماعي يخفف شدة التجاذب بين تيارها والتيار المنافس اي بين الطبقات الشعبية وبين راس المال وقطاع من الطبقة الوسطى وخاصة المدينيين وذلك بأن تنجح في خلق توازن بين مؤيديها المطالبين بتوزيع افضل للدخل وبين ضغط الأسواق باتجاه اقتصاد أكثر صداقة للأعمال أي اندماجا في السوق العالمي بزعامة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان.
وقد يكون وراء هذا الأمل امران هما:
· سعي اية قيادة منتخبة للتو إلى تهدئة المجتمع وكسب اوسع قطاعاته لصالح تمرير سياساتها أو على الأقل كمدخل مرن لتهدئة الطرف الخاسر
· والاستفادة من تجربتها في استطاعة الكونجرس البرازيلي الذي يسيطر عليه اليمين خلال فترة روسيف الأولى تقييد او شل بعضا من سياساتها حيث ان هناك حدودا لسلطة الرئيسة.
وكما في كل بلد، فالاقتصاد وراء الصراع السياسي داخله وخارجه، بوسعنا القول ان هذه الانتخابات معركة سياسية طبقية بوضوح , فقد حمى الفقراء الحزب الذي التفت إليهم حتى لو نصف التفاتة. لم ينس الفقراء بل الطبقات الشعبية قط أن راس المال المحلي المتحالف مع الإمبريالية لا يزال من القوة بمكان بمعنى أن عودة اليمين إلى الحكم يعني عودة الفقر لأربعين مليونا رفعتهم سياسات حزب العمال إلى الطبقة الوسطى.
انتخاب الفقراء لروسيف أشبه بانتخاب فقراء فنزويللا لشافيز وتدفقهم إلى الشوارع لتخليصه من ايدي الانقلابيين المدعومين امريكيا.
هنا يجوز لنا السؤال: ترى لو كان في مصر اليوم حزب عمالي بقوة وجدية حزب العمال
البرازيلي هل كان سيفوز في انتخابات نيابية؟ أم ان تجربة ناصر مع الفقراء إمّحت من الذاكرة ذاهبة مع جيلها الذي مضت عليه خمسة عقود؟.
وقد يكون الدرس الأكثر إفادة هنا هو قراءة نتائج انتخابات مصر ومن ثم تونس الأخيرتين. فقد سقطت رؤوس النظامين في هذين البلدين بحراك شعبي بينما بقي المقدس على حاله اي رأس المال كطبقات وسلطات (القوة والثروة). ولكنه كان كما اتضح حراك فيه درجة كبيرة من عدم الرؤية ومن ثم العجز عن استثمار اللحظة وذلك لغياب الحزب الاشتراكي غيابا كليا، في حين كانت الثورة المضادة موجودة بحضور وليس حتى بكمون.
يبرز السؤال هنا: ما هي المقدمات الأقوى:
وجود حالة شعبية هائلة تفرز حزبها بعد حراكها إما ليستلم السلطة ثوريا أو لينافس على السلطة
أم وصول حزب اشتراكي برلمانيا إلى السلطة
لعل الدرس المستفاد أنك لا تستطيع وضع خطة القتال بعد بدء القتال فكيف ان تبني جيشا خلال القتال!.

ماذا انجز حزب العمال؟

في السنوات الثمانية لرئاسة لولا دي سيلفا سلف روسيف ومعلمها في حكم البرازيل حققت البرازيل نموا في الإنتاج الأهلي الإجمالي وصل 7.1 بالمئة عام 2010 مثلا، رغم الأزمة/الهبوط المالي العالمي، بينما هذا العام كادت لا تزيد عن 2.1 بالمئة. وبالطبع الشكر للصين التي زاد طلبها على منتجات برازيلية.
يعزو البعض هذا الهبوط إلى حقيقة ان البرازيل ليست معزولة (ليست مفكوكة الارتباط) بالنظام العالمي بمعنى ان الركود لا بد أن يطالها. ويرى البعض أن السبب كامن في "محاباة" السلطة للطبقات الشعبية على حساب تشيط الأعمال ناهيك عن تهم الفساد ضد الحزب الحاكم.

ولكن، رغم كثير من الانتقادات المحقة، فإن ما حققه حزب العمال تُقر به مؤسسات هامة في الإعلام الغربي المضاد طبعا للبرازيل الجديدة.
تقول ال جارديان البريطانية:
theguardian.com, Monday 27 October 2014 10.49 GMT
"... خلال 12 سنة من حكم حزب العمال تم إخراج اربعين مليون برازيلي من دائرة الفقر اي خمس الشعب. ولكن الفجوة بين الغنى والفقر بقيت من الأعلى في العالم، إلا أن معامل جيني لقياس اللامساواة هبط من 0.56 إلى 0.49، كما سجلت البطالة رقما قياسيا في الهبوط".

أما الإيكونوميست البريطانية، وهي اليمينية الضليعة، فكتبت:
"...تدفق في حزيران عام 2013 مليون محتج إلى الشوارع على بؤس الخدمة العامة والفساد السياسي.
إن الرصيد الأساس للسيدة روسيف هو الثناء الشعبي على تحقيق العمالة الكاملة، والأجور الأعلى، وليس فقط التحويلات النقدية للأسر، بل كذلك الكلف المنخفضة للبيوت، ومنح الطلبة، وبرامج الماء والكهرباء في الشمال الشرقي الفقير. وهذه إنجازات حقيقية.
لقد قامت ببعض الجهود لحل المشاكل البنيوية في البرازيل: بنيتها التحتية الضعيفة، والكلف العالية، وتصحيح النظام الضريبي، وقدمت للفقراء الكثير مثل التسهيل الضريبي، والقروض المدعومة من مصارف الدولة،. لكنها آذت شركة بتروبراس النفطية الحكومية، وصناعة الإثانول بوضع اليد على شركة النفط الحكومية علاوة على الأثر التضخمي في تقليص سعر النفط لتقليص العجز في سياستها النقدية إضافة إلى فضيحة فساد في بتروبراس التي كانت كما وصفتها جوهرة وطنية. إن مفخرتها انها رفعت ثلاثين مليونا من الفقر إلى طبقة وسطى".

ولكن رغم تراجع النمو في الأعوام الأخيرة، فقد اعتبرت البرازيل في نظر العالم "بلد المستقبل". ففي عام 2010 كتبت مجلة تايم ان البرازيل تدخل مرتبة بلدان العالم الأول.
فهي البلد الخامس عالميا من حيث المساحة، واقتصادها السابع من حيث الحجم وهي رابع بلد من حيث حجم تصدير الغذاء، وهي قائدة العالم من حيث تزويده بمنتجات قصب السكر والقهوة واللحم البقري. كما بدأت بإنتاج وتصدير تقريبا كل ما يلزم اسواق العالم من المعادن إلى الماء فالكهرباء والفولاذ.


موقف الثورة المضادة

رداً على فوز روسيف أخذ مؤيدو منافسها نيفيس في مدينة ساو باولو بالتهديد بفصل الولاية الأكثر ثراء في البرازيل ولاية ميناس جيراس، عن الفدرالية لائمين ولايات الشمال الشرقي على انتخاب و فوز روسيف مرددين بأن ولايات الشمال الشرقي هي التي امتصت موارد الفدرالية عبر برامج دعم المداخيل المعروف ب المخصصات الأسرية.

وبغض النظر عن هذا ذاك، فإن حزب العمال سوف يواصل سياسته في تقليص الفقر ببرامج الإغاثة وزيادة الأجر الأدنى وضبط البطالة عند حد مقبول سواء من أجل الانتخابات المقبلة، لا سيما وأن الفارق ليس واسعا بين روسيف ومنافسها نيفيس من جهة، ولأن هذه هي سياسة حزب العمال من جهة ثانية . اما خارجيا فسوف يواصل بناء تحالف قوي مع امريكا الجنوبية والدول الصاعدة في البريكس.

وعليه، لن تحصل تغيرات كبيرة في علاقات البرازيل وروسيا، فهي قد شهدت زيادة هائلة في دورة التجارة حيث ارتفعت من 994 مليون دولار إلى 5.7 بليون دولار عام 2013. وربما تزيد المتاجرة بينهما هذا العام بعد العقوبات العدوانية الأمريكية على روسيا حيث أخذت روسيا تتجه جنوبا أي للاستيراد من البرازيل ومصر وكوبا.
لعل مسألة العقوبات كعدوان راسمالي بامتياز يتم تغليفه بالسياسة والثقافة وحتى الدين، هي مسألة حاسمة اليوم في إعادة تعسكر على صعيد عالمي. ففي دفاع بلدان البريكس عن اسواقها ومنتجاتها ودفاع بلدان أخرى ذات توجه قومي إنتاجي عن اقتصادها ووطنها (إيران فنزويللا، بوليفيا ، إكوادور... الخ) تجد هذه البلدان نفسها في وضعية استقطاب مصيري في مواجهة الثلاثي الإمبريالي.
في سياق إقرار الإيكونوميست باستمرار السياسة القومية الاستقلالية في البرازيل، تقول بأن من المشكوك به ان السلطات البرازيلية سوف تسمح لقناة روسيا اليوم بالبث داخل البلاد كما فعلت حكومة كريستينا كيشنر الأرجنتينية. وفي هذا بالطبع غمز من قناة سيدة الأرجنتين التي وجهت للولايات المتحدة من منبر الأمم المتحدة لكمات لم تتعود عليها سوى من كاسترو وتشافيز.

كيف ينظر وول ستريت إلى الدول القومية ذات التوجه الإنتاجي الاستقلالي، لنرى ما تقوله جوليا سيويج الزميلة في معهد نلسون روكفيلر لدراسات امريكا اللاتينية لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، بأن : "...من الصعب توقع ان يرفض نيفيس مقابلة أوباما او أنه سيلغي اية زيارة للولايات المتحدة بسبب أي هيجان ضد المخابرات الأميركية نظراً لتنصتها على قادة أجانب كما فعلت روسيف.. طرح وول ستريت ما يفضله بوضوح حتى قبل الجولة الانتخابية الأولى بأن الأسواق تبحث عن التغيير . فليأت ايا كان ما عدا ديلما روسيف ".

وهكذا، تشكل البرازيل نموذجا لتوضيح طبيعة التشكلات القطبية على صعيد عالمي وطبيعة الانحيازات الطبقية أيضاً. صحيح أن حزب العمال لم يرتق بالحالة البرازيلية إلى حالة كوبا او فنزويللا أو بوليفيا أو الإكوادور. ولكن ثقل البرازيل من جهة، واستقطاب الحزب للطبقات الشعبية وإن على اسس قد تبدو خيرية أو إسعافية أو ضماناتية هو أنجاز هام لا سيما إذا اخذنا بالاعتبار حجم البلد من جهة، والتاريخ الطويل للنهب الشركاتي الأمريكي فيها من جهة ثانية وتجذر راس المال المعولم فيها مما يسمح له بالاستقطاب والمواجهة كذلك.
يبدو ان تشكي الإغنياء من قيام السلطة بشكل ما من إعادة توزيع الدخل، لم ينفع في تجنيد مناسب وكاف ضد حزب العمال، لأن الأكثرية الساحقة من الطبقات الشعبية تفضل ذلك على تحقيق النمو الأعلى الذي يُقتنص ولا يُوزع!
يبقى السؤال: هل ستواصل روسيف التوجه الراديكالي لأمريكا الجنوبية وتقوده عمليا؟ وهل سيساعدها على ذلك اشتداد عض الأصابع بين روسيا وأمريكا وتوجه روسيا إلى الجنوب الدافىء؟ سؤال برسم التجربة.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة فلننقذ سوريا من الإرهاب الأمريكى تديين المجتمع الموضوع السابقة
تقييم 1.96/5
تقييم: 2.0/5 (72 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع