المقالات والاخبار > مقالات > صعود وهبوط الحركة الاشتراكية

صعود وهبوط الحركة الاشتراكية

نشرت بواسطة admin في 10-Feb-2015 14:00 (642 عدد القراءات)
صعود وهبوط الحركة الاشتراكية المصرية
والخبرة المستفادة
أحمد عبد الحليم حسين
- تعالوا نتذكر معا نهوض الشيوعيين المصريين فى الحركة الوطنية الديمقراطية والحركة الاجتماعية الاشتراكية فى ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضى وما بعدها ، حيث بلغ أعداد الفلاحين المنضمين لمنظمة "حدتو" الشيوعية حوالى ثلاثة آلاف فلاح (فى وقت كان تعداد الشعب المصرى 14 مليون نسمة) حسب ما أورده طارق البشرى فى كتابه الهام "تطور الحركة السياسية المصرية" والذى لم يستطع أن يغيرً فيما أورده بعد تأسلمه وتنظيره للإسلام السياسى ، تذكروا اللجنة الوطنية للعمال والطلبة عام 1946 التى تشكلت من القوى الوطنية الديمقراطية وفى القلب منها القوى الشيوعية دفاعا عن استقلال البلاد والدستور ضد سلطة الثالوث الاحتلال البريطانى والسراى وأحزاب الأقلية ، ونتذكر تأثير الحركة الشيوعية فى الطبقة العاملة فى المدن رغم صغر حجمها فى مجتمع زراعى ، واشتراك الشيوعيين فى القتال ضد قوات الاحتلال البريطانى فى القنال عام 1951 ، ثم اشتراك ممثليهم فى الجيش (يوسف صديق وخالد محيى الدين) وفى قيادة حركة 23 يوليو 1952 ، ثم نضالهم واشتراكهم فى أعمال الفدائيين أثناء العدوان الثلاثى الاستعمارى على مصر عام 1956 ، ويتواصل النضال والفعالية حتى الانكسار الإرادى عام 1964 عندما تم الانحراف يمينا وإعلان حل منظمتهم الثورية واعتناق ما قدمه التنظير السوفيتى الرجعى المخادع عن طريق "التطور اللارأسمالى" والعمل تحت عباءة نظام 23 يوليو كأفراد لا كجبهة وطنية ديمقراطية متحدة فى برنامج حد أدنى وطنى ديمقراطى ذو أفق شعبى ، وهو نظام (23 يوليو) برجوازى قح ومعادى للطبقة العاملة وساعدته أمريكا من أول لحظة لتفويت وتقويض ثورة شعبية كانت تدق باب مصر. آية ذلك تشكيلها محكمة عسكرية لمحاكمة عاملين قادا إضرابا عماليا فى شركة كفر الدوار للغزل والنسيج فى سبتمبر 1952 (بعد الثورة بأقل من شهرين) والحكم بإعدامهما وتم تنفيذ الحكم (كما أعدم من قبل الثائر زهران بمعرفة قوات الاحتلال) للفت نظر العمال إلى تسليم أمرهم للانقلاب البرجوازى العسكرى والذى كان يجب على الشيوعيين فهم الطبيعة الطبقية للانقلاب وألا تلقى بسلاح كفاحها تحت أى وعود أو إغراءات ، وتم حل حزب الطبقة العاملة عام 1964 وراح القادة الشيوعيون يعزفون على أنغام السلطة ووفقا لنوتتها.
- ثم يعود الشيوعيون إلى التألق مرة أخرى بعد هزيمة 1967 ، وتنهض الحركة الوطنية الديمقراطية واليسار معها من 1968 حتى 1977 بدءا بمظاهرات الطلبة والعمال فى فبراير ونوفمبر 1968 احتجاجا على الأحكام الصادرة بحق قادة الجيش والطيران لمسئوليتهم عن تدمير الجيش فى الحرب الشهيرة بحرب الست ساعات أو الستة أيام. ثم الانتفاضة الطلابية عامى 1972 ، 1973 استعجالا للحرب تحريرا لأرض الوطن من الاحتلال الصهيونى ورد كرامة الجيش والشعب ثم انتفاضة الخبز فى 1977 التى عمَّت البلاد شملا وجنوبا ، تزامن هذا النهوض مع نهوض حركات اليسار على النطاق العالمى مع مظاهرات طلبة باريس 1968 وتألق الثورة الفيتنامية والثورة الثقافية الماوية الصينية وحركة التحرير الفلسطينية وإزدهار اليسار فى لبنان والسودان والمغرب واليمن وغيرها من دول المنطقة والعالم. ولم تكن تعددية المنظمات اليسارية آنذاك تعيق حركته وتفاعله مع الطبقة العاملة والطلبة والجماهير الشعبية بل كانت تعكس النهوض الشعبى والمزاج الثورى للعمال والطلبة بصفة أساسية. وإذا كان اليسار المصرى متألقا هكذا فإنه كان ضيفا على السجون والمعتقلات الناصرية ، وحتى هذا الزمان لم يكن للإخوان المسلمين دورا فى هذا الصعود الشعبى لتاريخهم الطويل السياسى الانتهازى من العمل داخل عباءة القصر الملكى وأحزاب الأقلية وضد حزب الأغلبية الشعبية ممثلا فى "الوفد المصرى" ولتناقض توجهاتهم مع العمل الشعبى الطبقى خاصة النضال العمالى الثورى ولم نر فى قضاياهم العديدة أمام القضاء عمال متهمون بالانخراط فى "العمل الإسلامى" ، بل اتبعوا أسلوب الإرهاب المسلح فقتلوا النقراشى والخازندار وأحمد ماهر ، (وعادوا اليوم إلى التخريب والإرهاب المسلح موجهين بنادقهم إلى صدور الجماهير). ومازالوا عاجزين حتى اليوم عن اختراق الطبقة العاملة المصرية رغم نجاحهم اللاحق فى السيطرة على قطاع الطلاب لأسباب كثيرة منها تراجع نضال الطبقة العاملة المصرية وانحطاط الأوضاع السياسية والاجتماعية والتغيرات الإقليمية والدولية ، حتى استولى الكومبرادور على الحكم فى السبعينات الذى فتح الباب واسعا لهم للعمل فى المجتمع والاقتصاد فى الوقت الذى كان السادات ينسق مع القوى الإمبريالية والصهيونية بقيادة أمريكا ومع القوى الرجعية القرن أوسطية ممثلة فى السعودية ومع الإخوان وكبار التجار والمستوردين ووكلاء الشركات الاحتكارية العالمية فى الداخل وفتح الباب لهجرة العمالة المصرية من عمال البناء والفلاحين الفقراء وعمال الزراعة والصنايعية إلى المملكة السعودية ومشيخات الخليج ونفخ فى الصور لتسييد قيمة الحل الفردى كسبيل للرقى الاجتماعى الاقتصادى فسافر الفقراء إلى أرض البترول والتخلف وعادوا باللحية والجلباب والمسجل والفيديو والثلاجة والغسالة والمروحة والزوجة الثانية ومنازل المسلح وقيم الفتاوى والأدعية عن كل حركة وسكنة (وهنا ظهر الشيخ الشعراوى ممثلا للسلطة الدينية متحالفة مع الكومبرادور) وخلعت الجماهير ثوب التمسك بالأرض وصار الوطن وطنا خاصا بكل مسافر وعائد وتم طرح خطاب أخلاقى تطهيرى فردى يدعو للخلاص الفردى ويستبعد الخلاص الجماعى الطبقى الوطنى التحررى. وللأسف فقد استقطبت السلطة الجديدة شرائح واسعة من الأجراء والفقراء يتماهون ويقبلون التبريرات التى طرحتها السلطة زيفا وتزويرا عن أن 99% من أوراق اللعبة التى هى استقلال مصر وفلسطين فى يد أمريكا ونظَّر لها المخرِّب حسنين هيكل. وعادت النغمة الاستعمارية عن "معاداة الشيوعية" يرددها عملاؤها المحليون فى مصر وبلاد النفط متحالفين هذه المرة مع الإسلام الجهادى لتحرير أفغانستان من الشيوعية السوفيتية ، وظل النفخ فى صور الجهاد وتولت أمريكا والسعودية تمويل جيش/جيوش الجهاد الإسلامى لتحرير أفغانستان. لا فلسطين !!.
- تراجع العمل الاشتراكى ونفوذ اليسار المصرى بدءا من الثمانينات وهمدت حركة الطلبة والعمال بينما طغت تحركات الإسلام السياسى ، ولم تستقطب الرجعية فقط قطاعات واسعة من الطلبة بل أيضا ويا للعار بعضا من رموز اليسار من أبناء حركات 68-1977 ، إضافة إلى استقطاب نماذج من الاشتراكيين إلى نمط الحياة البرجوازية والإغراءات التجارية الاستهلاكية فيها ، فتخلوا عن العمل الثورى التنظيمى والفكرى والديناميكية التى كانت تسرى فى أنشطتهم وتبنوا مفاهيم استعمارية صُنِّعت فى المراكز الثقافية الاستعمارية المتخصصة فى صناعة العقول التابعة وغسل الأدمغة تدعو إلى تجزئة النضال الجماعى والقضايا الكلية والفكر النظرى المرشد للعمل واتجه التنظير الأمريكانى الهوى إلى القضايا المفككِّة للنظرة الشاملة لتطور المجتمعات حتى صاروا (اليسار الانتهازى) ينعمون برغد العيش وينظرون لماضيهم باشمئزاز وتأفف واستنكار لحاضر أقرانهم ممن واصلوا القبض على جمر النضال ، وباتوا أشد تعلقا بنمط الحياة البرجوازية وأخلاقياتها من البرجوازيين "الأصلاء" أنفسهم ، وقد انخرط كثير منهم للعمل فى جمعيات أهلية مشبوهة ممولة من المراكز الإمبريالية للترويج لفكر التفكيك و"السلام وعدم الكراهية والاعتراف بالآخر" يتقاضون أجورا بالآلاف. واليوم يجرى إعادة طرح وحدة الاشتراكيين (الشيوعيين) الذى نؤيده ونُلح على تحقيقه.
- يمكن من هذا العرض المختصر أن نستنتج الآتى :-
1- حين يتحالف النظام الحاكم مع القوى العظمى الإمبريالية المهيمنة على النظام الرأسمالى العالمى والمعادية لشعوب الجنوب ومنها بلادنا والداعم الأساسى للعدو الإسرائيلى فى نفى الوطن الفلسطينى وحق شعبه فى التحرير واسترداد وطنه المسروق وفى التهديد المستمر لمصر والعبث بأمنها فهو (النظام الحاكم) يقف ضد مصالح الشعب المصرى ، ويصبح الموقف منه ضد هذا النظام وليس ضد "سياساته" كما يرى بعض اليساريين لأن المسألة مسألة "سلطة ونظام" وليست مسألة "سياسات". 2- النضال المستمر لإلغاء أى نص دستورى أو قانونى يعيق تشكيل الأحزاب بصفة عامة والأحزاب الشيوعية بصفة خاصة تحت الشعار الخبيث "منع تشكيل الأحزاب على أساس طبقى" ويأتى هذا الحظر الطبقى وسط حظر آخر مقبول مثل أن تقوم الأحزاب على أساس دينى أو طائفى أو عرقى أو نوعى ، لأن نظم الحكم البرجوازية مهما بلغت من ديمقراطية هى نظم تشرعن لديكتاتورية البرجوازية على باقى الطبقات الشعبية. 3- اتسم العمل الاشتراكى الثورى (الماركسى أساسا) فى أغلب فتراته باعتماده على العمل السياسى السرى، وقد أدى هذا الأسلوب إلى التعامل مع الحركات الجماهيرية بتحفظ شديد للحفاظ على هياكل التنظيم بسبب الملاحقات والتنكيل الأمنيين ، ولم يمكِّن هذا الأسلوب الاشتراكيون من مد جسور الثقة معها ، وما تم من علاقات علنية واضحة (مثل تجربة التيار الثورى رغم خطأه الأساسى فى دمج البراجوازية فى سلة واحدة رافضا الاعتراف بخيانة الشريحة الكومبرادورية منها ممثلة فى الرأسمالية الكبيرة) ثم إجهاضها من قبل السلطات المتعاقبة ، وراحت العلاقات تتراوح بين وصْل متحفِّظ أو ابتعاد غير مبرَّر ، الأمر الذى أفقد الطرفين (الحركات من جهة والتنظيمات من جهة أخرى) مزايا الاتصال العضوى اللازم ، كما أشاع ذلك الابتعاد فى الوسط الاشتراكى نقيصة التعالى على العمل الجماهيرى والتركيز على التنظير (أحيانا يتم لكسب المكانة فى التنظيم) والبيانات والمنشورات وبعض النشرات التى لا تواصل الإصدار ، مما خلق تربة صالحة للصراعات الفردية والتكتل والانشقاقات ، الأمر الذى يدعو إلى استنتاج أن العمل السياسى التنظيمى لا يُغنى عن العمل الجماهيرى العلنى (ونشدد على كلمة العلنى) حيث يُفرز الأخير قيادات جديدة ميدانية أساسا ثم تؤصِّله بالتنظير لتواصل النضال وتعاقُب الأجيال. 4- ضرورة الوعى الثورى بخديعة ما يطلقه الشيوعيون السابقون والشيوعيون الذين استلذُّوا طيب العيش فى مواقعهم الجديدة من دعوتهم بأن يتجه النضال العمالى إلى منظمات المجتمع المدنى والحركات الاجتماعية الجديدة للدفاع عن قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والبيئة والأقليات والمرأة وغيرها من منظمات "الفضاء الأهلى" بديلا عن حزب الطبقة العاملة المأزوم تاريخيا ، مقدِّمين مبررات خبيثة تدور حول تراجع أهمية الطبقة العاملة فى جملة العاملين بأجر فى المجتمع وتشوَّه وعيها العمالى بسبب أصولها الزراعية ، الأمر الذى يقتضى الانتقال إلى أشكال تنظيمية أخرى. يعنى ببساطة أن تنسى الطبقة العاملة المصرية تاريخيا النضالى وشهدائها وضحاياها ومعذَّبيها خلال قرن كامل وتدخل تحت عباءات برجوازية وتترك لها القيادة لتدافع بالوكالة عن مصالحها ، وأن نستبدل النضال الطبقى بنضال قانونى حقوقى. وهى دعوات تطلقها أبواق وآلات الدعاية الإمبريالية العولمية ويرددها أعوانها فى مصر للدفع بالعمال إلى سوق المطالب الإصلاحية كبرنامج لها وليس كإجراءات مؤقتة أو عاجلة لعلاج مشكلة ما وتشتيت نضالهم المركزى إلى زوايا هلامية عريضة لا تعادى الرأسمالية ومنظومة الاستغلال الرأسمالى وإنما تخدمه فى التحليل الأخير ، لأنها تسكنِّ الأوضاع الاجتماعية السياسية وتؤجل انفجاراته السياسية والاجتماعية كما تؤجل بزوغ حزب الطبقة العاملة وقيادته للنضال السياسى والاقتصادى مع تشكيل نقاباتها الحرة حيث تتهيأ الظروف الموضوعية اليوم لهذا البزوغ. وهذا لا ينفى الاشتراك فى الحركات المدنية والاحتجاجية المناهضة للمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تعانى منها الطبقات الشعبية لكن من موقع الاستقلال والعلانية تمهيدا لقيادة النضال والشعب. 5- نتصور أن دور الاشتراكيين الماركسيين اليوم وفى ظروف بلادنا هو العمل على إجراء تغييرات مهمة فى بنية المجتمع السياسية أولا ثم الاقتصادية وفى قيم ووعى الجماهير الشعبية للارتقاء بها إلى مستوى الوعى السياسى الثورى الأمر الذى يمهد لسلطة الحلف الطبقى الوطنى الديمقراطى الشعبى القادم ، ويتم ذلك عن طريق توثيق الصلات مع الطبقة العاملة المصرية فى مواقعها الإنتاجية والخدمية ومع باقى الجماهير الشعبية فى المدن والأحياء ولكى تصير الجبهة المرتقبة وبرنامجها المقترح جزءا من حشد جماهيرى يمثل أغلبية الشعب ولنا فيما حدث لليونان فى الأيام القليلة الماضية درس وخبرة ، حيث فاز "تحالف اليسار الراديكالى" (سيريزا) برئاسة الوزارة اليونانية وأعلن رفضه لما فرضته على بلاده الاتحاد الأوربى وأمريكا من سياسة "التقشف" الموجهة ضد الجماهير الشعبية والأجراء لتسديد ديون اليونان لصندوق النقد الدولى وللرأسمالية الأوربية ، مطالبا بأن تتقشف الرأسمالية اليونانية لا الجماهير مع إلغاء كافة ديون اليونان للخارج. وهكذا يكون تحالف اليسار الاشتراكى لعلنا نتعلم.
لقد توحد الشيوعيون المصريون فى حب فيروز والشيخ محمد رفعت ، وتفرقوا وتشتتوا فى مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية وحكم الرأسمالية التابعة الاستبدادية ، فهل يجمعهم قضايا الوطن الرئيسية ويعودوا مرة أخرى طليعة للشعب المصرى بطرحهم الحل الاشتراكى لتطور مصر السياسى والاجتماعى وتحررها الوطنى ؟
5/2/2015

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الاستشراق الإرهابي... الطبعة الأجدّ للاستشراق الليلة الكبيرة يا عمِّى الموضوع السابقة
تقييم 1.60/5
تقييم: 1.6/5 (62 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع