المقالات والاخبار > مقالات > تشابكات أزمة اليمن

تشابكات أزمة اليمن

نشرت بواسطة admin في 29-Mar-2015 13:50 (775 عدد القراءات)
تشابكات أزمة اليمن
أحمد عبد الحليم حسين
1- تواجد وصعود الحوثيين :-
- لتحليل الأزمة اليمنية الحالية ينبغى الرجوع قليلا إلى جذور الحالة اليمنية ، حيث استشرى الفساد طوال حكم على عبد الله صالح وما بعدها بالإضافة إلى استبداده واستئثاره وأبنائه وقبيلته بالسلطة وحرمان مكونات كثيرة فى الطيف القبلى والطبقى فى اليمن ، حتى أن القبائل ذاتها أصابها حكم صالح عن طريق ذهب المعز وسيفه والتقريب والإبعاد والرضى والغضب بالانقسامات داخلها. لقد انحاز عبد الله صالح إلى إخوان اليمن والقاعدة حينا ومالأ حيناً الحوثيين. تقدَّم الحوثيون بقوة ووتيرة متسارعة إلى صدارة المشهد السياسى والعسكرى لأنهم نجحوا فى استغلال السخط الشعبى ليتقدموا الصفوف فى الدفاع عن المطالب الشعبية فى العدالة الاجتماعية والحريات حتى أنهم استغلوا رفع الدعم عن الطاقة بما يزيد عن 50% ارتفاعا فى أسعارها وأنابوا أنفسهم فى الدفاع عن السواد الأعظم من الشعب الذين يئنون من الغلاء الشامل للطاقة والغذاء وهدَّدوا وقتها باقتحام العاصمة ما لم تتم الاستجابة لثلاثة مطالب شعبية هى : تغيير الحكومة بحكومة شراكة وطنية وإلغاء رفع الدعم عن الطاقة والبدء فى تطبيق مقررات الحوار الوطنى والتى جوهرها حكومة وحدة وطنية ، ونتيجة التباطؤ فى الاستجابة للمطالب كان اقتحامهم للعاصمة سهلا بل ومقبولا لاسيما أن الطرف الثانى فى الصراع (حزب التجمع اليمنى للإصلاح) رغم الوجود الكبير للإخوان فيه فإنه فى الواقع يتكون من مذهبيات متعددة ومصالح تجارية وعسكرية وقبلية مختلفة. فكان الحوثيون الفصيل الأقوى الذى استطاع أن يسيطر على الساحة بقوة لغياب القدرات التنظيمية المنضبطة بين القوى المختلفة مما كان يمكن أن يجعلها حائط صد ضد الحوثيين ، ذلك أن أهم ما يميز الحوثيين هو وجود قياد. مركزية محددة المعالم ذات سيطرة كاملة على كل عناصرها بعد أن استفادت من حروب السلطة السابقة (سلطة على صالح) ضدهم. ورفع الحوثيون مطالب ذات سمات شعبية ووطنية ترفض انقسام الدولة وتدعو إلى توسيع عدد أعضاء مجلس الشورى ليمثل كل أطياف المجتمع وتأكيد حق التعيين فى مؤسسات الدولة للمكونات السياسية المحرومة من هذا الحق (ومنهم بالطبع الحوثيون) كما اهتموا بتمثيل الجنوب ، وكانت الجماعة الحوثية قد أرسلت عناصرها فى أغلب المدن للمشاركة فى الاجتماعات.
- استغلالا لحالة الصخب الثورى والانفلات الأمنى وهشاشة الدولة دفعت الجماعة الحوثية عناصرها المسلحة إلى التوسع على الأرض تدريجيا. وقد ساعد الوضع الإقليمى وموقف دول الجوار على تهيئة مناخ مواتٍ لتحركات الحوثيين حيث كانت القوة الأخرى الجاهزة للتسلل للحكم هم الإخوان المسلمون يحملون تهديداً واضحا لدول الخليج وبصفة خاصة السعودية ، حيث رأى السعوديون أن الحوثيين أقلية مذهبية ليست لديها إمكانية التمدد خارج اليمن وهم يشكلون عاملا مهما فى القضاء على الإخوان أو تهميشهم والخبرة التاريخية تشى بذلك فالزيديون (وهم شيعة) حكموا اليمن عدة قرون ولم يتخطوا الحدود خلالها عكس عناصر الإسلام السياسى الأخرى مثل الإخوان المثيرة للقلاقل والمتطلعة إلى بسط نفوذها إقليميا لتعويض إنحسارهم وإنكسارهم فى مصر (بالطبع تغير موقف السعودية بعد استيلاء الحوثيين على السلطة وإبعاد الرئيس الشرعى للبلاد وحصاره فى مقره وظهرت حقيقة الحوثيين الموالين لإيران فى التطورات اللاحقة/الآتية).
- عندما ثار شعب اليمن بعد تونس ومصر وليبيا وتطلعوا إلى "التغيير" الذى رسمته المخابرات الأمريكية للمنطقة العربية الذى يقود إلى تحسين الأوضاع فى بلادهم وخرج الناس إلى الشوارع مطالبين برحيل نظام على عبد الله صالح القبلى العائلى المستبد وسيرَّ النظام تظاهرات مضادة لاستمراره فى السلطة كان الحل الخليجى (مجلس التعاون الخليجى) قد قضى بتنحى صالح الذى حكم أكثر من ثلاثين عاما وتولى نائبه عبد ربه منصور هادى السلطة مع بدء حوار وطنى لمرحلة انتقالية يتم خلالها وضع دستور جديد للبلاد وتقاسم السلطة بين كل الأطياف. لكن الحال المأمول انقلب مع خروج الحوثيين من مناطقهم فى شمال البلاد زحفا إلى العاصمة صنعاء حيث استغلوا رفع الحكومة الدعم عن البترول وعن مواد أخرى وغضب الجماهير عن النحو السابق بيانه وأعلن عبد الملك الحوثى زعيم الجماعة رفضه زيادة الأسعار دفاعا عن مصالح الفقراء والبسطاء فانضموا إليه وزحف إلى العاصمة وفق مخطط ترعاه إيران وبالاتفاق مع الرئيس السابق على عبد الله صالح وأنصاره (الانتهازى الذى انتقل من معسكر نائبه الذى تولى السلطة إلى معسكر معارضيه)، حيث اتفق الحليفان (الحوثيين وصالح) على إسقاط النظام ونشر الفوضى ، تبغى إيران الوجود فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر عند مضيق باب المندب ومن ثم التحكم فى المدخل والتجارة الدولية خاصة قناة السويس وفرض قواعد جديدة على دول مجلس التعاون الخليجى وخاصة السعودية والإمارات وفرض الأمر الواقع على مصر وهى تحاول القيام من عثرتها الإخوانية السوداوية وكسر حصارها المنصوب حولها شرقا وغربا وجنوبا. ولكى تكون لها (إيران) كلمة نافذة فى تسوية أزمات العراق وسوريا ولبنان. الكعكة اليمنية كانت مشتهى لجميع الأطراف حتى العميل على صالح الذى تحالف مع الحوثيين وأصدر أوامره لرجاله وجزء من الجيش التابع له بترك معسكراته ومخازن سلاحه كما هى للحوثيين لتنتشر الفوضى والفزع فى أنحاء البلاد ولا يصبح من منقذ إلا هو فيتقدم وحزبه وقبيلته وجيشه للإنقاذ. أما أمريكا فكل فوضى فى المنطقة لصالحها فما أسمته "الربيع العربى" ها هو يتحقق ومعه "الفوضى الخلاقة" و"الشرق الأوسط الجديد" لكونداليزا رايس. وتتطور الأوضاع وتقوم السعودية بحملتها المسلحة الناجحة ضد الحوثيين (عاصفة الحزم) فيؤيدها الأمريكان انتقاما من النفوذ الإيرانى تعويضا عما سلمت لهم به فى مفاوضات القوة النووية الإيرانية وحدودها. كما أن الحوثيين يحاربون القاعدة فى اليمن التى تشكل منغصا لهم فى أفغانستان والعراق. (للقارئ أن يرصد حجم تناقضات المصالح وتشابكاتها فى نفس الوقت).
2- إيران العظمى :-
- أحست دول الخليج بخطورة الموقف نتيجة تصاعد المد الإيرانى خاصة بعد أن أعلن أحد قيادات الحرس الثورى الإيرانى أن الإمبراطورية الفارسية تعود من جديد بنفوذها وثقافتها وعاصمتها بغداد. هكذا فى سفالة عنصرية. لكن علينا الاعتراف أنه بمقارنة النظام الدينى العنصرى الطائفى الإيرانى بأنظمة حكم الدول الخليجية سنجد أن هذه الدول اعتمدت طوال تاريخها الذى أنشأها كدول الاستعمار البريطانى ثم الأمريكى على مظلة الحماية البريطانية ثم الأمريكية حاليا نظير تسليمها مفاتيح ثروتها البترولية استخراجا وتكريرا وتسويقا لشركاتها الاحتكارية العملاقة فعاشت خاضعة للسياسات الأمريكية والصهيونية نظير ضمان حماية عائلاتها الحاكمة من زحف شعوبها المرتقب. هذا ، على عكس إيران التى اعتمدت على ذاتها وطوَّرت صناعات مدنية وعسكرية متقدمة بالرغم من العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ أكثر من ثلاثة عقود الأمر الذى فرض على أمريكا وهى تجرى مباحثاتها معها هذه الأيام عن مصيرها النووى أن تعترف لها بنفوذها فى المنطقة العربية والآن يبدأ التحول الأمريكى من التحالف مع دول الخليج التابعة إلى التحالف مع إيران القوية المستقرة التى سوف تسيطر على المنطقة إن استمر العرب فى تبعيتهم لأمريكا وإسرائيل والغرب الاستعمارى واستمرت إيران فى خصوصيتها وقوتها معا.
3- المخــاوف :-
لا توجد الآن قوة على مسرح التفاعلات/الاشتباكات السياسية فى اليمن حاليا بمقدورها كسر الاستقطاب الحاد بين الوقوف فى صف الحوثيين المتحالفين مع إيران أو الوقوف فى صف "القاعدة" والنسخ الجديدة من التنظيمات الإسلامية المتطرفة الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية فى الشام والعراق "داعش". ونأمل أن تكون الضربة العسكرية السعودية الناجحة للحوثيين مقدمة لإعادة توحيد اليمن ديمقراطيا طاردين الانقسام القبلى والطائفى والمذهبى. لأن تحكم الحوثيين ومن ورائهم إيران فى باب المندب يمهد الطريق لتدخل بحرى دولى ، ودولى يعنى سيطرة حلف الأطلنطى على البحر الأحمر وهو ما يضر ضررا بليغا الأمن القومى المصرى تحديدا ويكفى متاعبنا الحالية مع أثيوبيا. كما أن سيطرة الحوثيين ستعيد المطالب الجنوبية اليمنية باستعادة دولة الجنوب مرة أخرى مع العلم أن الجنوب صار منقسما هو الآخر بين الوحدة مع الشمال والانفصال ويقال أن 50 فصيلا يتصارعون هناك على السلطة والثروة. ويبدو أن اتفاقا بين الحوثيين والجنوبيين على أن ينفصلوا مقابل عدم التصدى للهيمنة الحوثية على الشمال. ويعزز هذه المخاوف صمت القوى الكبرى فيما يبدو أنه اتجاه لضرب تنظيم القاعدة الناشط فى اليمن منذ سنوات بالحوثيين باستنزاف قواهما دون أن تضطر الولايات المتحدة أو غيرها إلى تجشم مخاطر وعناء التدخل عسكريا. وسيؤدى استمرار الحرب الأهلية إلى استقواء الأطراف بأنصارهم – حلفائهم بالخارج فيسارع أعضاء القاعدة وحلفائهم لنصرة حلفائهم ويهرع المتطوعون من حزب الله والحرس الثورى الإيرانى لنجدة حلفائهم فيستعر إوار الحرب والضحية الشعب اليمنى الذى كان يمنه سعيدا فى عصور مضت.
4- الحـلول :-
- تقف السعودية ومعها دول الخليج موقفا صحيحا ضد الهيمنة الإيرانية – ممثلة فى الحوثيين – على مقدرات اليمن. التى تستهدف إيجاد موضع قدم لها فى المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب (بوابة قناة السويس الجنوبية) ليعزز إلى جانب سيطرتها على مضيق هرمز من تحكمها فى ممرات الملاحة الدولية فى الخليج العربى (الذى تدعوه إيران الفارسى) والبحر الأحمر بصورة تزيد من مكانتها التفاوضية بشأن برنامجها النووى لتصبح إيران تحاصر الجزيرة العربية شمالا بنفوذها فى لبنان وسوريا والعراق وجنوبا بنفوذها فى اليمن. ويصبح موقف مصر المناصر للضربة السعودية والمستعد للتدخل جويا وبحريا للحفاظ على حرية الملاحة فى باب المندب موقفا صحيحا (وقد تطور الأمر إلى التدخل الفعلى).
- ويتطلب الأمر استجابة الدول العربية لطلب مصر تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة تحت لافتة جامعة الدول العربية ومواثيقها للتدخل العسكرى المشترك الحاسم ضد التدخلات الخارجية الأجنبية التى نأمل أن تتطور وتشمل التدخلات الأمريكية والإسرائيلية المهددة لاستقلال وسيادة دولها وشعوبها. وامتلاكها ثرواتها ومصيرها. وأن تعى الدول العربية أن دولة المواطنة المدنية غير الدينية وغير العسكرية هى السبيل إلى الخلاص من الإرهاب والاستبداد والسيطرة الأجنبية وهى سبيل صيانة الأوطان.
- أما اليمن فالمنتظر (بعد استسلام الارهاب الحوثى) إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ديمقراطية شفافة ونزيهة ليختار الشعب اليمنى رئيسه وأعضاء برلمانه ليبدأ طريق التقدم الوطنى الديمقراطى الشعبى وينبذ أى شكل للحكم الدينى الطائفى أو المذهبى فى ظل دستور جديد يتم وضعه بمشاركة كل الأطياف السياسية والاجتماعية يؤسس لهذا التقدم.
ونود فى ختام المقال العاجل الاول عن اوضاع اليمن ان نؤكد على الاتى:
1- نأمل ان تعود اليمن خالصة لقواها السياسية الوطنية الديمقراطية وشرعية الحكم القائم لا ان تكون فى صراع بين وكلاء تحركهم ايران وحلفاؤها ووكلاء تحركهم السعودية وحافاؤهم ،
2- قوة الردع العربية المقترحة مشكوك فى ان تكون مستقلة فى مهامها وتوجهاتها لأنها تمثل دولا تحت الهيمنة الامريكية والصهيونية وبالتالى قد تكون اداة للناتو. وقد تكون من مهامها المستقبلية اداة للاجهاض المبكر لأى انتفاضات شعبية عربية ، 3- امريكا واسرائيل يريدان خراب المنطقة فهما مع الجميع وضد الجميع ، المهم الخراب. فأمريكا مستفيدة من الحروب الطائفية والمذهبية بالمنطقة لرواج سلاحها الذى تتعثر مصانعه ورواج مصانع أدويتها المتعثرة ايضا امام الاحنكارات العالمية الاخرى المنافسة لعلاج الجرحى والمصابين ، 4- ان اعظم انجازات اسرائيل تتم بأيدينا والمنطقة تُخرب بأيدينا ، فقد تراجع سعر النفط وارتفعت اسعار السلاح وتراجعت قضية تحرير فلسطين لتصبح لقضية تحرير اليمن الاولوية ، 5- القمة العربية والقرارات الخليجية لا تعترف بالدولة السورية والحكومة الحالية وعلى مصر اعادة العلاقات فورا مع سوريا واعادة فتح السفارة المصرية فى دمشق ، كل ذلك مجاملة للسعودية مركز النفوذ الامريكى الصهيونى بالمنطقة ، 6- يجب الا يتحول شعار السيسى "مسافة السكة" للدفاع عن أمن الخليج الى "سبوبة" لدفع الجيش المصرى لأعمال خارج نطاق الامن القومى المصرى نظير "مقابل" (قروض ومساعدات سعودية وخليجية) ، 7- على الانظمة العربية كما استجابت للخطر الواقع على اليمن (وهو خطر حقيقى) وتحرك السعودية والحلف العربى المساند لها تجاهه ، ان تستجيب بنفس الهمة للخطر الصهيونى القائم منذ عام 1948 وسرقة الوطن الفلسطينى (عينى عينك) وتتحد ايضا فى مواجهته فى قضية اخطر بمراحل من قضية اليمن ، 8- نرفض اشتراك باكستان فى الحرب ضد الحوثيين حتى لا تتحول الحرب من حرب تحرير اليمن من عصابات الحوثيين الدينية المسلحة ومواجهة النفوذ الايرانى بالمنطقة الى صراع سنى شيعى. ونعتقد ان السعودية ترحب بهذه المشاركة المشبوهة باعتبارها زعيمة السنة ومقرا للاماكن الاسلامية المقدسة ، 9- لماذا لم تتخذ القمة العربية المنعقدة اليوم 28/3/2015 قرارا بضرب الميليشيات الاسلامية المسلحة فى ليبيا وتمكين الحكومة والبرلمان الليبيين الشرعيين من السلطة هناك؟ هل لابقاء الامر شوكة فى الخاصرة الغربية المصرية كمركز للارهاب الاسلامى مع نهب الشركات الاحتكارية لبترولها؟.
28/3/2015.
ملحوظة: هذا المقال يعبر عن وجهه نظر كاتبه
وليس بالضرورة معبراً عن الحركة أو موقفها.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الليلة الكبيرة يا عمِّى جَدَل الدين والسياسة الموضوع السابقة
تقييم 1.90/5
تقييم: 1.9/5 (69 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع