المقالات والاخبار > مقالات > جَدَل الدين والسياسة

جَدَل الدين والسياسة

نشرت بواسطة admin في 09-Apr-2015 06:30 (706 عدد القراءات)
جَدَل الدين والسياسة
"من دين عبد الناصر إلى دين السادات
إلى دين مبارك إلى دين الإخوان والسلفيين"
(أمريكا أم المؤمنين وأوباما الإمام الأكبر)
أحمد عبد الحليم حسين
- قال الجنرال يعقوب القبطى المصرى الذى كان معجبا بالحملة الفرنسية على مصر وعلى ما أدخلته من عناصر الحداثة "إن تغييرا فى مصر لن يكون نتاج أنوار العقل أو نتيجة تصارع المبادئ الفلسفية وإنما يكون التغيير بقوة قاهرة على قوم وادعين جاهلين" كان يعبر عن الحالة التى حكمت مشروع الحداثة المصرى حيث ظل مشروعا فرضته القوة الاستعمارية ولم تكن نتاج تطور داخلى تاريخى وإنما نموذجا جاهزا يتم إنزاله على الواقع. ولقد فهم محمد على باشا هذا الحكم اليعقوبى فعمد فى بداية حكمه إلى القضاء على نخبة المصريين وقتها (مشايخ أزهر وتجار وحرفيين) واصطنع لنفسه نخبة جديدة بديلة ارتبطت به وبدولته. كان رائدها رفاعه الطهطاوى وانحازت هذه النخبة إلى الدولة على حساب مجتمعها ، وما كانت الحداثة لتتم إلا مرتبطة بـ "ولى النعم".
- فبينما كان الطهطاوى يتحدث فى كتبه عن الدستور الفرنسى وإمكانية إزاحة الحاكم بإرادة الشعب كان عندما يتحدث عن الباشا يقول "ولَّاه الله حكم مصر". وهنا يظهر أهمية التجاور الذى كان يسكن الطهطاوى بين ما هو حداثى أو مدنى وبين ما هو شرعى وهو ما استمر حتى الآن فى الثقافة المصرية فأنت تجد فى انتخابات مجلس الشعب والرئاسة عبارة "تنتخب" فلان و"نبايع" فلان ، فالانتخاب ينتمى للمدنية والحداثة والمبايعة تنتمى للشرعية الدينية. وأصبح التجاور بين الشرعى والمدنى أسلوب تفكير المثقف فى تناوله للحداثة أو ممارسته لها وامتدَّ ليكون أسلوب حياة المواطن العادى. أو أن نجد سيدة منتقبة فى أحد المحال الأجنبية تشترى ملابس حديثة على الموضة فهى تنتمى إلى ثقافة الحجب ومن ناحية أخرى تمارس ثقافة الحداثة بالملابس أو تتناول الطعام فى مطعم أجنبى وما يتضمنه من ثقافة السفور.
- ومارس محمد عبده سياسة/ثقافة التجاور "العقل والتسليم" وسمح هذا التجاور بتغلب ثقافة التسليم لأنها الأقدم والمؤيدة بنصوص مقدسة فأصبح "التأييد" أوسع من "الرفض" و"القبول" أكبر من "الرفض والتغيير" وبذلك تفشل الحداثة (أو تتعثر) فى التأثير فى واقع الناس ولأنه ارتبط بالسلطة السياسية بدءاً من الخليفة إلى السلطان إلى ولى النعم إلى الملك إلى الرئيس. مما أثر أيضا فى النخبة التى رأت فى مشروع الحداثة ضرورة تواجد سلطة أو قوة تفرضه وتُنزله على الواقع ، من هنا كان ضعف الأحزاب والجماعات السياسية. وهذا ما حدث مع طه حسين رائد العقلانية الملجومة حيث ارتد إلى التراثى والشرعى بعد تكفيره عن كتابه "فى الشعر الجاهلى" فجرى إلى مؤلفه "على هامش السيرة" ، وفى حديث تلفزيونى قبل وفاته بسنوات قليلة عندما سئل عما يقرأ قال "القرآن الكريم فقط". وكذلك ارتد محمد حسين هيكل من "زينب" إلى "محمد" ، وكان الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية عضو لجنة دستور 1923 "مجاورا" لأحمد لطفى السيد فجاء الدستور يقول إن الإسلام الدين الرسمى للدولة. وظلت الحداثة والمدنية لعبة يتقاذفها المثقف والسلطة فالأول مقتنع بأن خطابه الحداثى يحتاج لسلطة تحميه لأنه ليس ابنا للتطور الداخلى للبرجوازية المصرية الناهضة لأنها بنت الإمبريالية العالمية ونتاج "برجزة" العالم الثالث وإزاحة علاقات الإنتاج الإقطاعية لفتح السوق للغزو المالى والاقتصادى الإمبريالى بالقدر اللازم لتحقيق أرباح هذا الغزو. ولذلك رافق مشروع الحداثة الاستبداد لأنه اندمج مع السلطة طلبا للحماية ، والسلطة ابنة التطور الإمبريالى لا تملك إلا الاستبداد لمواجهة مقاومة الشعب للغزو الجديد. وحمل رايتها مثقفون طليعيون بمعنى ما لكنهم رؤساء وزعماء فى أحزاب معادية للشعب وممالئة للاستعمار والملك. (الأحرار الدستوريين بزعامة أحمد لطفى السيد مثالا) ولقد أدت هيمنة المقدس وغلبته على عناصر الحداثة والعقل والأنوار إلى فقد مجتمعنا القدرة على إضافة قيم ومعارف جديدة وعرقلت عملية التفكير الخلاق لأن المبدع خائف دائما من "التكفير" مذعور من حكم النص وتأويله. (مأساة د. نصر حامد أبو زيد). ولقد أسس الفكر الدينى للاستبداد الدينى والسياسى لكن السياسى هو الذى أمسك بتلابيب الدين منذ بداية تشكلَّ النص وعلى وجه التحديد منذ لحظة وفاة النبى (ص) واجتماع سقيفة بنى ساعده والبحث فى أمر "السلطة" الجديدة بعد السلطة الإلهية للنبى. وظل الدينى منذ تلك اللحظة خاضعا لسيطرة السياسى ، والسياسى المستبد تحديدا. لأنه لا يمكن أن تفرض تأويلا للنص وتُزيح تأويلات أخرى إلا بالجبر ، بالسيف ، بالدم ، وباسم الله فى كل الأوقات.
- إن الثقافة العربية الإسلامية التى ورثناها هى التى فرضت سلطة النص وصنعته فتفاعل السياسى مع الدينى فأمسك بتلابيبه وأخضعه لمصالحه. ومن هنا جاء ضرورة تحرير الدينى من السياسة ليصبح الدين للوعظ والإرشاد فقط. وتحرير السياسى من الدينى لكى لا يبرر معاويه استيلائه على الحكم باعتباره "قميصاً ألبسه الله إياه" وتعميد ابنه زياد باعتباره "قضاء وقدرا" كما قال لعائشة. وكانت "دولة الخلافة" قد بدأت بكونها دولة قريش على التعميم بين سادة قريش دون باقى المسلمين ، ثم صارت دولة أموية على التخصيص بين سادة بنى أميه دون باقى قريش ثم صارت دولة بنى العباس على التوازى مع دولة بنى أمية فى الأندلس ودولة الفاطميين فى مصر حتى آلت دولة الخلافة لبنى عثمان الأتراك على التخصيص بينهم دون العرب ودون باقى المسلمين. وهكذا تضيق دائرة الحكم الموصوف بالإسلامى.
- وفى تطور مصر التاريخى كانت المؤسسة الدينية هامشا وكانت السلطة السياسية أقوى منها فسيطرت عليها وشغَّلتها لتحقيق مصالحها. وقد حدث أن تواطأت المؤسسة الدينية مع مؤسسة الحكم عندما كان النظام فى حاجة إلى قوة تدعمه (غير قوة الشعب الذى تخشاه السلطة) لذلك كثيرا ما تتبادل المؤسسات الدعم ، كأن تصادر مؤسسة الحكم كتابا إرضاء للمؤسسة الدينية (كما فى حالة د. نصر حامد أبو زيد) بينما تدعم المؤسسة الدينية مؤسسة الحكم بإصدار فتاوى تتفق مع التوجه السياسى للحكم مثل فتوى الدكتور على جمعه أن الغرقى من الشباب على شواطئ أوروبا ليسوا شهداء لكى يغسل مسئولية الحكومة عن هروبهم من مصر بسبب البطالة والفقر. ويعتبر بعض الباحثين أن هذا الدين ليس دين الله ولكنه دين السلطة ، أى أنه الدين "المؤمَّم" من قبل السلطة حتى لو كانت تكره فكرة التأميم فى المجال الاقتصادى جريا واء تدابير الرأسمالية العالمية تحت الهيمنة الأمريكية والمنظمات المالية الدولية الاستعمارية. إنه الدين الذى جعل الإسلام اشتراكيا فى عهد عبد الناصر ورأسماليا ومع الملكية الخاصة وضد التأميم وضد عقود إيجار الأراضى والمساكن الدائمة ومع خصخصة شركات القطاع العام وبيعها للرأسماليين بأبخس الأسعار فى عهدى السادات ومبارك وحكم الجيش والإخوان حتى تحت حكم السيسى. هذا هو الإسلام السياسى على أرض الواقع. فهكذا يتعدد الدين الواحد من دين عبد الناصر إلى دين السادات إلى دين مبارك إلى دين الإخوان والسلفيين ولقد دعى القطب الإخوانى الإرهابى صبحى صالح الله قائلاً "اللهم أمتنى على الإخوان" وبذلك يصبح شعار الإخوان "الإسلام هو الحل" شعاراً زائفاً كاذباً إذ يعنى أن الإسلام واحد= ومطلق لكننا وجدنا فى التطبيق السياسى الاجتماعى غير ذلك. وهو ما عبرت عنه عبقرية على ابن أبى طالب بقوله "القرآن حَّمالُُ أوْجه". ولنتذكَّر عندما أعلن السادات أساس دولته وحكمه "العلم والإيمان" انتهى الأمر بأن اختفى العلم وبقى الإيمان الأجوف الطقسى تحت رعاية الأزهر ومشايخه ووعاظه. هذا الإيمان الباقى هو الذى سمح للشيخ الشعراوى أن يسجد لله شكرا على هزيمة جيش مصر فى 5 يونيه 1967 حتى لا يُنسب النصر إن حدث إلى السلاح الروسى الشيوعى الملحد بما يعنى أنه بارك النصر الإسرائيلى على مصر بالسلاح الأمريكى المؤمن !! إن إيمان الإخوان والسلفيين إيمان لا يقبل شريكا معه فى الحكم. ويزيد معه الفتاوى الشرعية حتى فى الإجراءات والتوجهات الاقتصادية والسياسية والوطنية. ليسود الظلام ويزدحم المجال العام بالخفافيش.
- هكذا صارت السياسة دينا والدين سياسة وبذلك صارت أمريكا أم المؤمنين لا عائشة وصار أوباما اليوم الإمام الأكبر للدول العربية الخاضعة للهيمنة الأمريكية الصهيونية. وهو ما يحاول الإسلام السياسى (إخوانا وسلفيين) فرضه على التطور السياسى الاجتماعى فى مصر وهو يستدعى مقاومته وهزيمته بحسم وجود الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية والمواطنة حق للجميع بلا تفرقه بسبب الدين أو الجنس أو الطبقة أو الجهة والمنطقة. ليبقى الوطن للشعب والدين لله والأزهر للوعظ والإرشاد الدينى فقط.
7/4/2015


تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة تشابكات أزمة اليمن حصاد رأسماليتنا المدللَّة الموضوع السابقة
تقييم 2.06/5
تقييم: 2.1/5 (72 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع