المقالات والاخبار > مقالات > حصاد رأسماليتنا المدللَّة

حصاد رأسماليتنا المدللَّة

نشرت بواسطة admin في 19-May-2015 14:20 (545 عدد القراءات)
حصاد رأسماليتنا المدللَّة
وشهيتها المتوحشة
أحمد عبد الحليم حسين
- الحكم القائم فى مصر اليوم هو استمرار لحكم الرأسمالية المصرية التابعة للرأسمالية العالمية بالقيادة الأمريكية الصهيونية. ولا تخدعنا مناوشات السيسى المهذبة والمدروسة مع الهيمنة الأمريكية لأنه لا يواجهها جذريا فى مجال الاستقلال الوطنى الذى يتطلب حلفا طبقيا يعتلى السلطة يحقق هذا الاستقلال وينجز متطلبات العدل فى رفع دخول الطبقات الشعبية لكن هذا العدل يقتضى مواجهة رءوس الرأسمالية المصرية وهو مازال يخشاها لأنها الوجه الآخر للنفوذ الأمريكى فى مصر. كما تتطلب هذه المواجهة إعداد الجيش والشعب لإلغاء معاهدة الذل والعار "كامب ديفيد 1979" وهو لا يقترب إلى هذه المنطقة. ومازال أحد مطالب الانتفاضة الشعبية فى 25/1/2011 وهو "تصفية نظام مبارك" وشعار 30/6/2013 "تصفية نظام الإخوان" مُعلَّقين حيث لم تتم هذه التصفية ، مع الأخذ فى الاعتبار أن المضمون الاقتصادى الطبقى الاجتماعى للنظامين واحد وإن اختلفت الأيديولوجيا بينهما. وحيث أن السيسى ينشد "الاستقرار" كما يقول فى كل خطبة فإن تصفية هذين النظامين هو أقصر الطرق للاستقرار المطلوب وبدون ذلك سيظل الوضع السياسى الاقتصادى الاجتماعى فى حالة مراوحة وسيظل فتور الجماهير وتوهانهم قائما.
- تحدثنا فى مقالنا السابق عن المؤتمر الاقتصادى بشرم الشيخ وإفراط الحكومة فى تقديم الحوافز والامتيازات والضمانات للمستثمر الأجنبى حتى أننا وصفناها بـ"الامتيازات الأجنبية" التى تعود من جديد على يد الرأسمالية الحاكمة. علما بأن الرأسمالية المصرية لا تستطيع أن تنهب مصر إلا فى حماية النهب الرأسمالى الأجنبى الاستعمارى وتحت جناحه الحاجب للثورة الوطنية الشعبية ، وتتخفى تحت شعارات "الاستثمار". وتاريخ ولادتها فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فى رحاب الاستعمار البريطانى بدمغها بالتبعية منذ المنشأ. ومع أن الرأسماليين قلة فى المجتمع المصرى إلا أن هذه القلة تهيمن على السوق (كشريكة للاحتكارات الاستعمارية الكبرى) وتمنحها السلطة امتيازات هائلة ومستمرة على مدى أكثر من أربعة عقود. هذه الامتيازات والتدليل تدفعها للتوحش فتحصل على أرباح تفوق أرباح الرأسماليات المركزية فى أمريكا وأوربا لأنها معفيَّة من الإلتزامات الاجتماعية. وتؤدى إلى زيادة فقر الفقراء وسحق المسحوقين وقلق الطبقة الوسطى النازلة اجتماعيا فى مراتبها الوسطى والدنيا إلى مواقع العمال والفلاحين الفقراء. تغيرَّت قمة السلطة الرأسمالية (السادات – مبارك – الجيش – مرسى – السيسى) دون أن تتغير سياسات تمكين القلة الرأسمالية الجشعة من الإمساك برقبة المجتمع والجماهير ومساعدتها فى الإمساك بالتشريعات المسهَّلة. فلكى تستورد الرأسمالية أكبر عدد من السيارات لابد من حزب النقل العام ، ولكى تبيع الحديد والسيراميك لابد من غض الطرف عن العشوائيات ليبنى العشوائيون (نتاج حكمها) ، ولكى تكسب أسرع وأكثر يجب خنق الاستثمارات فى أغلب المدن المصرية باستثناء العاصمة وقليل من المدن الكبرى فيجتمع الناس بكثافة عالية فيقدم لهم التجار وسائل العيش بأسعار أعلى وربح أكثر وجودة أقل. رأسمالية تسلَّم رأسمالية. رأسمالية تدهس الشعب من جانب وتدهسه رأسمالية أخرى من جانب آخر. ولا مُنقذ لنا. لا كان السادات ولا مبارك ولا مرسى ولا السيسى. إنه اقتصاد السوق والسياسات الاقتصادية المفروض علينا من الاحتكارات الأمريكية والأوربية والمنظمات الدولية الاستعمارية الذى ينتج الزحام والبطالة والعوز والجريمة. وينتج "رجال أعمال" السرقة والنصب والتدليس. فهل رأيتم عاملا أو فلاحا نصب أو سرق أو دلَّس إلا أحداث فردية يائسة من مجتمعها ؟ إنهم دائما رجال الأعمال الرأسماليين ، ويجدون دائما طريقا قانونيا للبراءة إن اتهموا جنائيا. إن أولاد الإقطاعيين القدامى يحاولون استرداد أراضى آبائهم التى طبق عليها قوانين الإصلاح الزراعى من الفلاحين فى كل محافظات مصر وقضية فلاحى قرية "سرسو" مركز طلخا دقهلية فى صراعهم مع الإقطاعى محمد فريد المصرى كما عائلة والى فى الفيوم وعائلة نوار فى البحيرة بالتواطؤ مع الشرطة وتجاهل سلطة السيسى للأمر شاهد على ذلك (التحرير 4/5/2015).
- كان الغنى فى الماضى متعلق بالصناعة والزراعة (طلعت حرب وشركاته نموذجا) وتبادل المنتجات ، لكن حركة الأموال صارت اليوم هى طريق الغنى ، الطريق الأقصر وغير المكلِّف لجمع المال ، رأس المال. بل صار المال نفسه سلعة تباع وتشترى فى البورصات ، وتقيس الرأسمالية العالمية الاستعمارية مكانة اقتصادات الدول النامية التابعة مثل بلادنا بمدى تحقيق البورصة أرباحا. فالأوراق المالية تطارد الأوراق الأخرى ، إن الرأسمالية المالية هى أعلى مراحل الإمبريالية. صار الثراء العاجل منزوع الدسم الإنتاجى السلعى دين الرأسمالية ، ومعابده البورصات ومحافظوا البنوك المركزية ومسئولى المالية والنقد كُهانه ورهبانه.
- تترك سلطة الحكم الطبقات الشعبية فى العراء غير مشمولين برعايتها وحمايتها لهم من غول الرأسماليين أو ما يطلق عليه القطاع الخاص. فهاهى أسعار الكهرباء ترتفع وسوف ترتفع أكثر عند تنفيذ مشروعات توليدها من محطات الكهرباء الخاصة والطاقة الشمسية أو الرياح (مشروعات أبناء محمد حسنين هيكل بالشراكة مع ابن أنور السادات) وإيجارات المساكن والأراضى الزراعية أيضا تخضع لقانون الرأسمالية الظالم "قانون العرض والطلب" فالعرض دائما أقل من الطلب ، ومصروفات المدارس الخاصة وتكاليف العلاج فى العيادات والمراكز الطبية والمستشفيات الخاصة وأسعار الحديد والأسمنت والأسمدة والسلع الغذائية حتى أجرة التاكسى والميكروباص والتك توك فى ارتفاع لا تلاحقها الأجور والدخول. فماذا فعل أو سيفعل الحكم إزاء هذا الجحيم. الرأسماليون المصريون من فوقهم ظُللُُ من الظلم والنهب والتوحش ومن تحتهم ظُللُُ من الاستبداد والقهر (كما وصف القرآن الكريم الكفار والمنافقين).
- تمتنع السلطة الرأسمالية الحاكمة المنحازة للرأسماليين وللأثرياء عن فرض ضرائب تصاعدية على الدخل تصل فى بلاد الرأسماليات المركزية إلى 70% ، ووضع حد أقصى للأرباح الرأسمالية فى بعض القطاعات لكى تفرض عليها سعرا محددا للمستهلك أو للمستفيد ، ليس هذا فقط ، لقد ألغت السلطة السيسية ضريبة الخمسة فى المائة التى كانت قد فُرضت على الرأسماليين الذين يتجاوز دخلهم مليون جنيه فى السنة يعنى أكثر من 80 ألف جنيه فى الشهر قبل عقد مؤتمر شرم الشيخ "الدولى" بساعات ، ولم يسهم الرأسماليون إلا بأقل من 20% من حصيلة الضرائب العامة عام 2014 والباقى دفعه صغار ومتوسطى التجار والصناع والحرفيين والموظفين ، فلماذا يتم محاباتها فى مواجهة هؤلاء ؟ يقول المقربون من السيسى أنه يخاف أن يتوقفوا عن أنشطتهم فيشلَّوا الاقتصاد !! ونرد عليه ردا قد يزعجه لأنه يزعج المزاج الاستعمارى العالمى ونقول له : أمّم يا سيسى لتدخل أرباحهم خزانة الدولة لتنفق منها على التعليم والصحة والسكن والنقل. لكن السيسى رئيسهم وليس رئيس الجماهير المطحونة ولم يشفع لها "حبها" المعلن له تقديرا لموقفه فى 30/6/2013. وقبل اعداد المقال للطبع أصدرت السلطة منذ ساعات فى 18/5/2015 قرارا بتأجيل الضريبة على أرباح البورصة لمدة عامين لينعم السماسرة والمضاربون والأفاقون برئيسهم وحكومتهم المستجيبة لضغوطهم ، ولا عزاء للفقراء.
- السلطة الحاكمة ليس لديها رؤية لتطوير بلادنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا تنحاز فيها للجماهير الشعبية والشرائح الواسعة من الطبقة الوسطى. ففاقد الشئ لا يعطيه. وهى تفتقد البوصلة الشعبية. إنها تتوكل على الله دائما وتتصرف كما تدَّعى وفق مشيئته حتى تكاد تُسمى مصر "جمهورية مصر المتوكلية". وهى سياسة عشوائية أو جمائية تخاطب العواطف ولا تخاطب العقول والبطون. تُتيح فى النهاية للرأسماليين إقامة "كومبونداتهم" (مستوطناتهم/مستعمراتهم) الباردة فى القاهرة والساحل الشمالى على هوامش "منتجعات" الجوع والحرمان.
- تنتاب البورصة المصرية عمليات هبوط جماعى لأسعار الأسهم مقصود من رجال المال والأعمال احتجاجا أو رفضا للضريبة على الأرباح الناتجة من المعاملات فى البورصة والضريبة على توزيع الأرباح التى قررتها الحكومة مؤخرا بالقانون 53 لسنة 2014. وهى ضرائب مخففَّة عن مثيلتها فى البلدان الرأسمالية المركزية حيث لا تتجاوز 10% من محصلة الأرباح نهاية كل عام. مع العلم أن المضاربات فى البورصة لا تستدعى جهدا أو مخاطرة كما فى الأنشطة الاقتصادية العينية. على أن حصيلة الضرائب العامة مازالت معتمدة على إيرادات الملكية العامة مثل البترول وقناة السويس وشركات القطاع العام والبنك المركزى (فيما يصدره من أذون أو سندات خزانة) بنسبة 60% أما صغار الموظفين بالحكومة والقطاع العام فيساهمون بـ30% وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة 10% (الأهالى 6/5/2015). الرأسماليون لن يهدأوا إلا بنزع بعض اللحم والجلد الباقى على أجساد الفقراء.فارفضوا يا فقراء ، يا أجراء ، هذا المصير الأسود.
- يقتضى إنقاذ مصر وجماهيرها من هذا المصير اتخاذ جراحات عاجلة منها :-
1- إصدار قانون للضرائب التصاعدية على الدخل يصل إلى فرض ضريبة 70% على من يزيد دخله السنوى عن مليون جنيه. 2- اقتطاع جزءاً كبيراً من ميزانية القوات المسلحة بعيدا عن ميزانية التسليح مع فرض ضرائب على نشاطها الاقتصادى المتنوع. 3- اقتطاع جزءا كبيراً من ميزانية وزارتى الداخلية والخارجية والرئاسة ومخصصات الوزراء والهيئات العامة المستقلة مثل هيئة قناة السويس والإذاعة والتلفزيون والبنك المركزى والبنوك التابعة له. 4- وضع وتنفيذ حد أقصى للأجور والدخل الإجمالى من العمل تحت أى اسم بما لا يتجاوز 30 ألف جنيه شهريا بمن فيهم الوزراء وفرض ذلك بقانون على القطاع الخاص الذى يهدد كبار العاملين باللجوء إليه إن مُسَّت أجورهم ، وبطلان أى عقد أو اتفاق يخالف ذلك وتجريمه. 5- تأميم بعض الصناعات والخدمات الرئيسية وعودة الدولة إلى الإنتاج والتوزيع فى السلع الاستراتيجية والشعبية لضبط الأسواق حماية للمنتجين وللجماهير معاً. 6- تحجيم الاستهلاك الترفى يمنع وارداته ومصادرتها فى الجمارك وتجريم استيرادها ولا يكتفى بفرض جمارك كبيرة عليها. تحدثت الأهرام فى 6/4/2015 عن أمثلة الاستيراد الاستفزازى مثل 156 مليون دولار طعام للقطط والكلاب (الرأسمالية طبعا) ، 78 مليون دولار للجمبرى والكافيار ، 650 مليون للألعاب النارية ، 95 مليون للحوم الطاووس والغزلان و57 مليون للشيكولاته (أكل أغلب فناناتنا) وعين الحسود فيها عود. 7- تشغيل الطاقات العاطلة فى الصناعة بحل مشكلات التمويل والتسويق وبعض مجالس إدارات شركات القطاع العام المخربين وليس تأجيرها للرأسماليين كما تزمع الحكومة تمهيدا لخصخصتها. 8- كشف ونزع الحماية المفروضة على بعض مؤسسات الدولة لحجب عوراتها المالية وإخضاعها للنقد العام ورقابة جهاز المحاسبات.
وختاما نوجه الاشتراكيين المصريين إلى أنه يمكنهم أن يكونوا على يسار أى نظام حكم غير اشتراكى مهما بدا لهم وطنيا أو شعبويا بقدر ما ، لأنهم يتفوَّقون عليه فى مسافة ما بعد ألـ"قدر ما" هذه ، وهى مسافة طويلة وعميقة ، والانتخابات البرلمانية القادمة فرصة سانحة للدعاية لبرنامجكم البديل لحكم الرأسمالية التابعة التى تنفتح شهيتها الوحشية لابتلاع الدولة والمجتمع والثروة.
18/5/2015.


تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة جَدَل الدين والسياسة أحوال مصر بعد عام من حكم السيسى الموضوع السابقة
تقييم 1.61/5
تقييم: 1.6/5 (62 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع