المقالات والاخبار > مقالات > الاشتراكية الماركسية والدين

الاشتراكية الماركسية والدين

نشرت بواسطة admin في 09-Jul-2015 12:50 (929 عدد القراءات)
قراءات
الاشتراكية الماركسية والدين
أحمد عبد الحليم حسين
- الاشتراكية العلمية الماركسية مذهباً اقتصاديا ونظرية فى السياسة ومنهجاً لتقدم المجتمعات ، وبالتالى فهى لا تتقابل أو تتضاد مع الدين الذى هو أحد المكونات الروحية للإنسان منذ فجر التاريخ. فالاشتراكية العلمية لم تظهر فى القرن الأول الميلادى كرد فعل على المسيحية ، ولم تظهر فى القرن الأول الهجرى كرد فعل على الإسلام ، بل ظهرت فى منتصف القرن التاسع عشر كنقيض وبديل للنظام الرأسمالى عندما كفَّ عن أن يكون قوة تقدمية كما بدأ فى أول ظهوره ضد النظام الإقطاعى والعبودى – وصار معوِّقا للطبقة العاملة والأجراء فى امتلاك حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وصارت الماركسية تتجه فى أفكارها ونضالاتها نحو العدالة والمساواة ومحو التفاوت الطبقى الشاسع بين البشر المنتجين وغير المنتجين وإقامة المجتمع الاشتراكى القائم على توظيف قوى الإنتاج لصالح خير الإنسان وتقييم الأفراد بحسب قدرتهم على العمل وكفاءتهم. وقد دأبت الطبقات المهيمنة على السلطة والاقتصاد (الرأسمالية والرأسماليين) على استخدام بعض رجال الدين فى محاربة كل حركات التحرر الوطنى والاجتماعى ، ويكاد يكون توظيف الدين من قبل الملاَّك والحكام ظاهرة تاريخية تواجدت فى كل الحضارات والأمم من أجل السيطرة على الجماهير وكبح جماحها والتأثير فيها وتخريب وعيها.
- والدين عامة يعبَّر عن رسالة تقدمية لخلاص الإنسان من الظلم والشر والاستبداد ويرسَّخ لقيم إنسانية رفيعة وعلى رأسها تقدير قيمة العمل وإعمار الحياة وتدبُّر آيات الكون وإعمال العقل ، وإذا صلُح التدين أصبح الدين قوة خلاَّقة يساعد الإنسان على التحرر من الاستغلال والرجعية والتخلف والجمود. والدين يضع الإطار العام والمبادئ العامة للتحرر عبر تعاليم محددة ، وتركَ الممارسات الحياتية لظروف الواقع الذى نُحدد من خلاله طريقة الخلاص الدنيوى من القوى المستِغلة بالأخذ بأسباب وأدوات العلم فى هذا التغيير ، والماركسية هى علم تغيير المجتمع. وهذا ما قرره الرسول الكريم محمد (ص) فى حديثه "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ، وأمور الدنيا توجُبها المصالح العامة ، مصالح الأغلبية وتنظمها العقود والتوافقات والدساتير والقوانين الحديثة دون قوامة من طرف على طرف آخر. وبهذا المعنى يقف الدين ضد القهر والإجبار سواء على الكفر أو الإيمان أو اختيار شكل وطريقة إدارة شئون البلاد بما يوافق مصالح العباد. فأينما توجد مصالح الناس فثَّمة شرع الله. مما يعنى رفض كل صور الاحتكار سواء الاقتصادى أو الدينى ، فليس من حق جماعة ما مثل الرأسماليين أن تحتكر استثمار عوائد الاقتصاد الذى يشترك فى إنتاجه العمال وكل الأجراء ولا أن تحتكر تفسير قضايا الدين بعيدا عن العبادات. والحديث يقول "الناس شركاء فى ثلاث : الماء والكلأ والنار" وهى قوى الإنتاج بالمعنى الماركسى. وهذا الحديث الشريف هو أساس لتوجهات الفكر الدينى الإسلامى الحقيقية إذا ما تخلَّص من تضليل الفكر الرأسمالى كما فعل لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية عندما اختار مواجهة التبعية لأمريكا واستغلالها لثروات بلادهم ولعمالها وفلاحيها وانحاز للإشتراكية ولمصالح الأغلبية الشعبية تحت شعار "تحقيق الفردوس المسيحى على الأرض" بالاشتراكية.
- إن التاريخ يُثبت أن الرأسمالية لم تأخذ موقفا ثابتا مع أو ضد الدين. فحينما بدأت أوربا التحول من العصر الإقطاعى إلى الرأسمالية ونشطت حركة الاكتشافات والعلوم وتبلورت مفاهيم الدولة القومية كانت مصالح الطبقة الجديدة البرجوازية الصاعدة فى مواجهة الإقطاع والإقطاعيين أن تتخلص من زواج المصالح بين الكنيسة (السلطة الدينية) والإقطاع (السلطة الاقتصادية والسياسية). لكن الموقف تغير بعد ذلك ، فعندما تشعر الرأسمالية أن مصالحها الاقتصادية (وبالتالى السياسية) تفرض عليها استدعاء التفسير اليمينى للدين لا تتوَّرع عن توظيف كل قوى الدين فى مواجهة القوى المعارضة (العمال والفلاحين والفقراء). فحينما احتاجت أمريكا لجماعات الإسلام السياسى كدرع بشرى فى مواجهة تمدُّد الاتحاد السوفيتى السابق فى أفغانستان نفخت فيه وأنشأته وقدمت له المال والسلاح ، وهى تفعله الآن فى بلادنا العربية لتفكيك دولها والهيمنة عليها تمكينا لإسرائيل. وقد دعَّمت القوى الغربية فى التاريخ الحديث التيار الوهابى فى مواجهة محمد على وجمال عبد الناصر والقوى التقدمية فى العالم العربى. إن النظام الرأسمالى يريد دينا موظفاً لمصلحة رجال الدين والاقتصاد ، يريد نظاما رأسماليا يخدمه ويفتح له قنوات التمدد والهيمنة ، وعلى ذلك فإن مشروع الإسلام السياسى (مثل مشروع الإخوان المسلمين والسلفيين) مؤهَّل وقادر على التكيف مع هذه المصالح الاستعمارية ولديه الاستعداد للاندماج فى الجزء التجارى التدَّاولى منه حيث لا توجد لديه رؤية مستقلة واضحة فى الإنتاج والتوزيع. والقرآن الكريم لم يقل لقد خلقنا أقلية ذات حَظْوة تستبد بأغلبية ذات حظ تعِس ، وإن امتلأ "تاريخ الحكم الإسلامى" بهذه السمة ، فإن مرجع ذلك إلى طبيعة القوى الاجتماعية الإقطاعية التى حكمت معظم فترات "التاريخ الإسلامى". وعندما استخدم معاوية التوريث السياسى للحكم استدعى معه التوظيف الدينى. وعندما رفعت الفاشية الإيطالية شعار "إن الله معنا" كانت تُخفى توجهاتها العنصرية ، لكنها اندحرت ، وتبين أن الله لم يكن معهم. وعندما رفع "ضياء الحق" شعار الحاكمية لله بسياسته التى سماها "شرعية" فى باكستان 1979 لم يهدف إلى تقدم باكستان بل إلى البقاء فى السلطة فانقسم المجتمع وتفكك تحت راية الشريعة الإسلامية وفتاوى مشايخ السلطة وانفصلت بنجلاديش عن باكستان. وذهب الحكم بشريعته المدَّعاه وبقيت باكستان تبحث عن الحضارة والعدل. وباسم الإسلام ذبح رجال الخومينى فى الثورة الإيرانية 1979 الآلاف من شباب الثورة بل وصفُّوا دماءهم قبل قتلهم لنقلها إلى المستشفيات ، وأباح آية الله الخومينى فى فتوى شرعية – ذكرها المدعى العام الثورى للجمهورية الإسلامية الإيرانية – نقل دماء من سمَّاهم "المنافقين" من مجاهدى خلق والماركسيين شركاء الثورة إلى مراكز الصحة وبنوك الدم. كما أصدر فتواه بأن النساء والفتيات المخالفات لسياسة آية الله وحكمه يُقبض عليهن كسبايا حرب ويصبحن جوارى ، وبموجب هذه الفتوى رأى الإمام منتظرى أحد مساعدى الخومينى أن يطوِّر فتوى الإمام فأفتى بضرورة اغتصاب الفتيات قبل إعدامهن لأن الشرع يمنع إعدام الفتاة البكر ، وفى لحظة الإعدام يقوم الحرس "الثورى" باغتصابهن لفض بكارتهم حتى لا يأتى إعدامهن مخالفا للشرع (يا للبشاعة المتشحة بالإسلام والشرع). واستطاع النميرى بشعار الحكم بالشريعة أن يبقى على رأس الحكم وإن ضحَّى بقطع يد الآلاف من شعبه الفقير الجائع.
- وهم يرفعون شعار "الإسلام هو الحل" كما رفعه السابقون عليهم فأنتج الشعار سفكا للدماء وتمزيقا للأوطان وتعطيلا لسلطات الشعب ومصادرة لحرياته ، وعندما حكموا وفشلوا فى مصر (الإخوان) فمن الذى فشل هم أم الإسلام ؟ إنه شعار يأخذ من الإسلام ولا يضيف إليه ويضعه موضع التقييم لا التقدير.
- اتفقت جماعات الإسلام السياسى التى تحاول احتكار الدين فى مواجهة احتكار السياسة لدى الرأسماليين على محاربة الاشتراكية. فلقد ترك نظام السادات ومبارك (ويواصل نظام السيسى) الفرصة لهم لكى تفعل ما تشاء إلا أن تزاحمهم فى السلطة السياسية ، وكان هذا تقسيماً للعمل بينهما ، سلطة الرقابة الاجتماعية والحديث باسم الدين للمتأسلمين (إخوانا وسلفيين) وسلطة الدولة والحديث باسم الدولة للرأسماليين ، وعندما حاول الإخوان المسلمون بسط نفوذهم إلى حيث السلطة السياسية بمساعدة أمريكية كان لسلطة الدولة (الجيش والشرطة) دور حاسم فى منع تمدد خطة الإخوان فى تذويب المنطقة العربية فى حِمضْ الخلافة الوهمية التى لم تكن إلا تنفيذا لمشروع أمريكا "الشرق الأوسط الجديد الكبير". والدين فى الحقيقة والجوهر ثورة على الظلم سواء أتى من فرد (نبى مثلا) أو جماعة أو طبقة أو دولة. بينما التعصب الدينى هو أحد إفرازات المجتمع الرأسمالى التابع مثل مجتمعنا المصرى الذى يسرِّب فائض القيمة المتحققة بعرق عماله وفلاحيه وموظفيه وأجرائه لدول المراكز الرأسمالية. كلاهما يركزِّ على الشكل فى الثقافة والدين وكلاهما يُسهم فى تشكيل مناخ اقتصادى واجتماعى يستفيد منه الآخر ، فالرأسمالية تستغل الدين من أجل الرضوخ للواقع السياسى الاقتصادى المعادى للأغلبية الشعبية ، وضحية هؤلاء وأولئك هم الفقراء الذين تم الضغط عليهم عبر منافذ ثلاثة : الدينى حيث الجماعات الدينية ، والاقتصادى حيث جماعات المصالح ، والثقافى حيث ثقافة التفكيك. إنَّ نضالنا ضد التحريفيين فى الدين هو جزء أصيل من نضالنا ضد كل عمليات تزييف الوعى الاجتماعى وتحريف النضال الطبقى سواء كان هذا التحريف باسم الله كذبا أو كان باسم حرية التعبير والمنافسة باسم الليبرالية أيضا كذبا وافتراء. فالفقر هو الفقر.
- وتدور منذ سنوات رحى معركة تزييف وعى من نوع جديد بفكرة أن الصدام القادم صدام حضارى (وليس بين الاشتراكية والرأسمالية) بين الغرب والأصولية الإسلامية ، وهى فكرة تتجاهل جسور التعاون المشترك بين دول حلف الناتو الرأسمالية وأهم بلدان العالم الإسلامى تشددا مثل السعودية وباكستان لأن الغرب كان يحتاج بنزعته الاستعمارية إلى عدو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتى الاشتراكى يستمد منه قوة الوجود الاستعمارى بنزعته العسكرية التى يصدِّرها للعالم للإبقاء على جزء هام فى نظامه متعلق بعسكرة الاقتصاد فاستبدل الهلال بالمنجل والمطرقة. فى المقابل كان الإسلاميون توَّاقين لإحياء نزعة متطرفة جديدة يعيدون بها إنتاج التاريخ ويؤججون بها لحالة صراع دائم مع الغرب وأعوانه الداخليين وخلق مناخ متوتر بين مقولات كلا الطرفين الثقافية والدينية والاستفادة من هذا المناخ الجديد فاستبدلوا أيضا تهمة العلمانية الكافرة التى وصموا الفكر الغربى بتهمة الإلحاد التى وصموا بها الاشتراكية مع غض الطرف عن التوجهات الاقتصادية هنا أو هناك تأكيدا لمفهومهم الوجودى عن الإنسان أن إنما خُلق للعبادة فحسب وليس لإعمار الأرض وتدبَّر آيات الكون أيضا.
- وحرص الطرفان الغربى والأصولى الإسلامى على أن يبقى الفرد المسلم هائما فى حالة السكون بعيداً عن إنجازات العصر عائشا فى القرن الأول الهجرى أو فى القرن السادس عشر عند سقوط الدولة الإسلامية فى الأندلس فى غياب حقيقى عن الحياة المعاصرة وصراعاتها المحلية والإقليمية والدولية. وصار الفرد المسلم فى حاجة دائمة إلى شيخ بجواره يوجهه كيف ينام ويصحو كيف يأكل ومتى وكيف يأتى زوجته ومتى يجوب الأسواق ومتى يخرج على الحاكم أو لا يخرج ، وفى المقابل أنكر الغرب على الدول الفقيرة مثل بلادنا إمكان تحولها بعيداً عن مساراته لخلق مسار جديد للتنمية المستقلة والتحرر الوطنى وربط تلك الشعوب فى فلك النظام الرأسمالى ربطا يجعل منه تابعا غير قادر على تحرير اقتصاده وتحرر سياساته. إن أهم أحداف هذا الصراع بين الرؤيتين الاستعمارية والأصولية تحويل منطق الصراع من صراع اقتصادى اجتماعى بين قوى منتجه وأخرى مستغلة (وفى هذا النوع من الصراع يتفق الأصوليون مع الغرب) إلى صراع بين قدرة العقل وقيمة النقل فيتحول الصراع من صراع سياسى اقتصادى إلى آخر ثقافى كما أراد همنتحبون. أما عن نتائجه فهى متعلقة بتقسيم جديد للعمل بين القوتين المتنافستين ، فالقوى الغربية الرأسمالية الاستعمارية فى حاجة إلى سوق استهلاكى كبير مع الحفاظ على منابع النقط كمحمية اقتصادية ، وليس للسوق دينا ، أما القوى الأصولية الإسلامية فهى فى حاجة إلى فرد وبيت ومجتمع نمطى يتبع السلف الصالح فى سكناتهم وحركاتهم بغض النظر عن اتجاه هذه الحركة مع تعطيل القوى الحَّية للعقل. إذن يبقى الإنسان العربى فى ظل هذه الثنائية الفتاكة عاجزا عن تدبير مستقبله الاقتصادى والسياسى بعيدا عن سلطة السوق الحر. إن ما يبدو شقاقا بين الطرفين ليس سوى شقاق بين فرعين جذرهما واحد. وهناك صورة أخرى لتزييف وعى الجماهير تقول إن العدو هو الغرب. نعم. ولكن بأية طريقة ؟ الغرب هو العدو لدى الأصولية من منطلق أنه علمانى كافر أو صليبى يسعى إلى تدمير الإسلام (كما تفعل جماعات داعش والنصرة وغيرها من جماعات الإسلام السياسى) ويتلقى الغرب هذه الاتهامات بصدر رحب فلا ينزعجوا منها إطلاقا لأنها تُبقى على مسارات التبعية الاقتصادية والسياسية موجودة كما هى لا تُمس وربما تزيد أيضا القيم الاستهلاكية لمنتجاته.
- فى أى بورصة للأوراق المالية يُجرى اليهودى والمسلم والمسيحى معاملاتهم معاً وكأنهم من دين واحد ولا ينعتون بالكفر إلا المفلسين. فالدين هو المال والكفر هو الإفلاس. وعقيدة التملك هى دين الرأسمالى. ولم تتأسس الماركسية على فكرة نقد الدين ولم تُقم صرحها على مناقشة قضايا الأديان ومسلماتها وإنما اهتمت بإشكالية توظيف الدين فى مصارف الحياة ومذاهبها. وأصدر ماركس مقالا شهيرا بعنوان "فى المسألة اليهودية" تناول فيه الأسباب التى تجعل الإنسان يوظف الظاهرة الدينية للوصول إلى غاية اجتماعية ، حيث طرح فيه المشكلة اليهودية (وهو من عائلة يهودية) بوصفها محاولة للهروب من الواقع الاجتماعى الذى يحصر الحياة اليهودية فى أعمال معينة دون غيرها كنوع من ممارسة القهر عليهم. ورأى أن أى مجتمع تسود فيه المساواة والعدالة الاجتماعية تنحسر فيه أهمية توظيف الدين بدرجة كبيرة ، وقرر أن الدين اليهودى يُستخدم من قبل معتنقيه كحالة هروب من الواقع الاجتماعى الراهن فى وقته. وطالب اليهود أن يندمجوا فى المجتمعات التى يعيشون فيها وأن يناضلوا مع الطبقات العاملة فى أوطانهم. أما عبارة "الدين أفيون الشعوب" فقد جاءت ضمن سياق يقول فيه "الدين ينثُر أزهارا وهمية على البؤس الواقعى للإنسان ، إنه زفرة كل مخلوق مضطهد ، إنه الروح فى عالم بلا روح وهو القلب فى عالم بلا قلب إنه أفيون الشعب ، ومهمة الثورة أن تنزع هذه الأزهار لا لتترك حياة الإنسان خالية بلا أزهار ولكن لتضع مكانها أزهارا حقيقية" ونلاحظ من هذا النص أن ماركس كشف عن انعكاس الواقع على شكل التدين ، فإذا حكمت الطبقة الإقطاعية تحالفت مع الكنيسة على تراكم الإقطاعيات والثروات وعلى تزييف وعى الأجراء والفلاحين لصالح استمرار هذا الوضع الاجتماعى ، وإذا حكمت طبقة الرأسماليين والتجار فإن خطاب توظيف الوعى لصالح تلك الطبقة الجديدة يتم أيضا بحيث يضمن عجز الناس عبر تغيير أوضاعهم وفقا للفكرة الدينية ، وبذلك يصبح مخدِّرا يساعد البشر على تحمل أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية البائسة. وعندما يؤكد ماركس أن "الدين زفرة المحلوق المضطهد" أى زفرة ضد الظلم والاستغلال ، فإنه يضع مظهرا التدين : فإما أن يكون الدين زفرة المضطهدين وهو هنا يشير إلى الجانب الإيجابى التى تتبناه الإشتراكية وكل قوى التقدم فى العالم ، وإما أن يكون أفيون الشعوب وهو الجانب السلبى الذى يتبناه أعداء الاشتراكية وأنصار الرجعية أو المستفيدون من تزييف وعى الفقراء والكادحين. وقد أكدت الانتفاضة المصرية فى 25/1/2011 صحة موقف ماركس عندما سعت السلفية إلى محاربة الانتفاضة والإدعاء بأن الخروج على الحاكم كفر. وقد قال ماركس هذه العبارة (الدين أفيون الشعب) حينما كانت أوربا الكاثوليكية تتعافى بعد قرون من سيطرة الكنيسة على السلطة والثروة والدين فى تحالف مع الإقطاع ، حينئذ كانت الكنيسة تملك بمفردها حوالى ثلث الأراضى بما عليها من أقنان وما تفيض به من محاصيل ومراعى. فلمن انحاز ماركس هنا ؟ هل لهؤلاء الذين استخدموا كل مقولات الدين لتراكم ثرواتهم بالاستعانة برجال الدين أنفسهم الذين كانوا يملكون مفاتيح الجنة (صكوك الغفران)؟ أم لهؤلاء التعساء الذين خرجوا من رحمة الرب لأنهم لا يملكون ثمن الصك ومن رحمة رب العمل لأنهم لا يملكون سوى قوى عملهم مقابل نقود زهيدة يشترون بها غذاء تقييم أودهم من أجل يوم عمل شاق آخر ؟ لقد قالها لصالح الضعفاء وفى سياق يعد فيه الدين تعويضا للإنسان عما فقده فى العالم الفعلى المحيط به وتخفيفا لما يعانيه من بؤس. إن الدين فى هذا النص عزاء لإنسان مطحون إذ من الظلم والقسوة أن تحرم المظلوم المضطهد حتى من الأمل فى حياة أخرى أفضل من حياته التعسة أو أن تسلبه الإيمان الراسخ بأن فى الكون نظاما عادلا وبأن هذه العدالة إذا تأخرت قليلا فإنها لا تُهمل.
- إن الماركسية تنطلق فى صورتها العامة إلى الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية وليس بوصفه نصاً مقدسا فقط ، إذ أن الفكر الدينى إنتاج بشرى يعبِّر عن طبيعة علاقات اجتماعية تقوم فيها الطبقات الحاكمة بتوظيف مقولات الدين الأساسية من خلال كبار رجال الدين فى تكوين رؤية دينية متوافقة مع الانحياز الطبقى الحاكم. مع ملاحظة أنه ليس لماركس ولا لإنجلز ولا لأخلافهما من مفكرى الاشتراكية العلمية كتبا أو كتابا خاصا عن الدين بل جاءت معظم ملاحظاتهم فى إطار تحليلات تقيس مستوى الوعى عند الطبقات الاجتماعية وذلك باستثناء موقف ماركس من اليهود فى الغرب حيث وجَّه نقدا عنيفا لليهودية فى مقاله السابق الإشارة إليه "حول المسألة اليهودية" وأشار فيه إلى أهم المشكلات التى تعوق اندماج اليهود فى السياق الاجتماعى للشعوب التى يعيشون بين ظهرانيها ، وأدان دورهم التخريبى فى البرجوازية الأوربية وكذا استعمارهم لفلسطين مؤكدا أنه احتلال وأنه ليس حلا لمشكلتهم الوجودية ، بل الحل يكمن فى تحررهم الإنسانى والفكرى من عبودية المجتمع الرأسمالى والأفكار اليهودية وهذا لن يتحقق فى تقديره إلا بالثورة الاشتراكية.
- إن القراءات الماركسية للحدث التاريخى لا تتم من خلال ثنائية الدين/العلم ولكن من خلال الثورى/الرجعى. إن الطبقات الحاكمة إقطاعية أو رأسمالية استغلت الظاهرة الدينية كما تستغل قوى عمل العمال لتوطيد أركان حكمها وهيمنت على الجانب المقدس فيه فغابت القداسة واستخدمت لصالح الصراع الاجتماعى. لقد استُخدم المقدس بعد تحويله إلى اجتماعى سياسى ويمكن القول بثقة إن الديانة المسيحية تكونت فى أولها من المعدمين والفقراء والمساكين التوَّاقين للعدالة والمساواة وكان هذا منطبقا تماما على المسيحيين الأوائل وكذلك الأمر فى الدين الإسلامى حيث انحاز له فى بداياته نفر كثير من العبيد والفقراء والمستضعفين والمهمشين باعتباره صيحة ضد كبار القبائل الأغنياء التى تمتلك أجزاء كبيرة من الثروة. إن الاشتراكية كعلم بعيدة – كسائر العلوم – عن المعايير الدينية والأحكام الأخلاقية وليس لها أن تقول حول الدين ، كما أن العلم ليس له أن يقول حول الدين. وهى لا تقول أكثر مما فعل أنصار التنوير الإسلامى حينما أقاموا نظرتهم إلى الدين على مبادئ العقل والعقلانية أمثال ابن رشد قديما وأمثال نصر حامد أبو زيد وخليل عبد الكريم ومحمود أمين العالم والمستشار سعيد العشماوى وسيد القمنى وحسين مروة وغيرهم حديثاً. أما تداخل السياسة بالدين والحكم بسفك الدماء والطغيان كما فعل معاوية ومن بعده من حكام المسلمين الطغاة وكما فعلت المسيحية فى العصور الوسطى حيث يرون معا أنه لا انفصال بين العقيدة والسلطة (الدولة) والتى عبَّر عنها القديس أوغسطين بكتابه "مدينة الله" كذلك وُجد فى الإسلام من يقول أن "الإسلام" دين ودولة" على خلاف مقولة الرسول (ص) فى حجة الوداع "اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا" ولم يقل (ص) دينا ودولة. ذلك أن "الإسلام" رسالة لا حكم يُراق على جَوانبه الدمُ.
9/7/2015

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة لماذا اغتيل النائب العام الحرب الطبقية الدولية الموضوع السابقة
تقييم 2.02/5
تقييم: 2.0/5 (124 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع