المقالات والاخبار > المكتبة الاشتراكية > الزراعة والطبقات والثقافة

الزراعة والطبقات والثقافة

نشرت بواسطة admin في 31-Aug-2015 13:30 (640 عدد القراءات)
الزراعة والطبقات والثقافة
فى القرية المصرية
أحمد عبد الحليم حسين
- تنظر القوى السياسية اليمينية الحاكمة إلى الريف باعتباره الموطن الأصيل للقوى المحافظة اجتماعيا باعتبار أن الانتفاضة الشعبية التى حدثت فى 25 يناير 2011 هى انتفاضة المدن وشباب الطبقة الوسطى فيها على وجه التحديد حتى تم التحاق الملايين من الطبقة العاملة وجماهير الموظفين والحرفيين والمهنيين والمهمشين وسكان العشوائيات والمتعطلين بها ، لكنها لم تمتد إلى الريف حتى الآن. ورغم أنه كان للفلاحين دوراً عظيماً فى الثورة العرابية 1881 ثم ثورة 1919 الوطنية الديمقراطية كدور العمال والطلبة وإن بتركيز واتساع أقل ، فإن الانقلاب العسكرى الذى قام به الجيش فى 23 يوليو 1952 وإصداره قانون تحديد ملكية الأرض الزراعية وقانون الإيجارات فى 9 سبتمبر 1952 لصالح الفلاحين وسَّع من نطاق الفلاحين الأغنياء وظل فقراؤهم وعمال الزراعة فى خانة النسيان. فكان هؤلاء الأغنياء هم من يمتلكون توجيه الكتل التصويتيه الفلاحيه فى القرى لصالح مرشحى الحكومة ، وكانت القرية هى الثغرة التى تنفذ منها السلطة لتكريس هيمنتها محاصِرةً أى تطور ديمقراطى يفيد الفلاح الفقير. وكانت نسبَة ألـ 50% عمالا وفلاحين التى اخترعها نظام يوليو هى بداية تزييف ممثلى الفلاحين فى المجالس الشعبية والنيابية حتى وصل الأمر إلى اعتبار لواءات الجيش والشرطة بالمعاش وكذلك أساتذة الجامعات فلاحين ماداموا يحوزون أرضاً. وكان لغياب القوى الاشتراكية عن العمل مع الفلاحين سببا فى تركهم نهبا لأعدائهم الطبقيين من البرجوازية الريفية والمدينية معاً. وظل "الفلاحون" مجالا للاحتفاء والتقدير لدى الحركة الاشتراكية دون زرع نشطاء للحركة فى أوساطهم من أجل تثويرهم ووضعهم على طريق النضال الطبقى تجاه مستغليهم. ومن الجدير بالذكر والأسى أن نسبة فقراء الريف تصل إلى 30% من سكانه بينما تصل نسبة سكان الحضر الذين يعانون من السِّمنة المرضية إلى 34% (أمنية شفيق أهرام 15/11/2014).
- كان المرابون "الخواجات" هم من يموِّلون فقراء وصغار ومتوسطى الفلاحين لشراء مستلزمات الإنتاج بفوائد باهظة وضمانات ظالمة بلغت 2% فى اليوم وليس فى السنة ، حتى أنشأ حزب الوفد "بنك التسليف الزراعى" فى الأربعينات من القرن الماضى لتخفيف العبء عن صغار الفلاحين وفقرائهم تجاه المرابين وتخفيف العبء عن أغنيائهم تجاه البنوك ، وترافق هذا مع موجة الاستقلال الوطنى ومواجهة الاحتلال البريطانى التى قادها حزب الوفد كحزب البرجوازية الوطنية المصرية. وكان البنك لا يهدف إلى الربح ولكن كان يحصِّل فائدة بسيطة على قروضه بنسبة 4% لتغطية مصروفاته الإدارية ، وكان الهدف حماية الملكيات الزراعية الصغيرة من الوقوع فى براثن المرابين والبنوك ، وكان "الصرَّاف" يحصل مستحقات البنك فى موسم جنى القطن غالبا باعتباره المحصول النقدى الأساسى (اقتصاد المحصول الواحد).
- وبانتهاء الحقبة الناصرية وبعد هزيمتها الثقيلة فى يونيو 1967 تحول بنك التسليف الزراعى إلى "بنك التنمية والائتمان الزراعى" ، وأصبح الفلاح الفقير لا يعرف الطريق إليه ، فقد عمل البنك برسالته الجديدة مثل أى بنك تجارى آخر بفوائد مركبة ، تزداد ، لدى التعثر فى السداد ، يخلق التعثر عجزا ، فيزداد جبل الدين فلا نجد لأصله علامة لأنه فاق الأصل مرات ومرات. ولم يكن الطابع الربوى لبنك التنمية والائتمان الزراعى منحصرا فى فوائده المركبة بل إنه يُحرر مع الفلاح المقترض عقود بيع لأرضه لصالح البنك أو توكيلات موثقة للبنك لبيع الأرض للسداد ، وفى حالة القروض الكبيرة لأغنياء الفلاحين يطلب البنك شيكا مقبول الدفع على أحد البنوك التجارية مما يعنى الدفع أو السجن فضلا عن نزع ملكية العقارات المرهونة ، ويُترك مصير الفلاحين الصادر ضدهم أحكام بالحبس إلى تفضُّل السلطة الرأسمالية الحاكمة التى يحبسهم بنكها بالعفو عن جزء من الفوائد أو تقسيط الدين بفضل سماحة الرئيس وأبوته للضعفاء. وقد بلغ عدد المتضررين وضحايا البنك أكثر من 3 ملايين فلاح دخل كثير منهم السجن عام 2012. وبسبب ربح البنك والفوائد المركبة يقوم صغار الملاك ببيع أراضيهم لكبار الملاك الذين يقومون بتجميع الملكيات الصغيرة فى ملكيات كبيرة لخلق وتوسيع طبقة كبار ملاك الأرض من جديد بعد أن كانت إجراءات يوليو 1952 قد حجَّمتها ويتم ذلك فى غياب الجمعيات التعاونية الإنتاجية الفلاحية التى تُجمع الملكيات الصغيرة والمتوسطة فى مساحة واسعة لتحقيق مزايا الإنتاج الزراعى الكبير لصالح فقراء ومتوسطى الفلاحين. ويتم الفرز الطبقى من جديد ليصير المالك الصغير أجيرا لدى المالك الكبير أو ينضم إلى عمال الزراعة أو إلى جيش العاطلين فى الصناعة والزراعة ليضغط على الأجور فيهما معا فتنخفض. وطبقا للدكتور عاصم الدسوقى فإنه فى يوليو 1952 كان 112 ، أسرة تملك من 10 إلى 500 فدان لكل أسرة ، 267 أسرة تملك من 500 فدان إلى ألف ، 134 أسرة تمتلك من ألف إلى خمسين ألف فدان. وفى مصر الآن 135 أسرة تمتلك من ألف إلى 500 ألف فدان بعد تمليك الأراضى الصحراوية وأرض توشكا وهى تُملَّك بالكيلومتر ، ولا تعد هذه الأسر أسر فلاحيه بل أسر تعمل بالتجارة والصناعة والسمسرة وضمنها البرجوازية البيروقراطية من كبار رجال الدولة وقيادات الجيش والشرطة حيث يُمنح "الولاه الجدد" الأراضى كما مَنح فى السابق الوالى محمد على وخلفاؤه لموظفيه وتابعيه. (الوليد بن طلال نموذجا وغيره من رأسمالية محاسيب مبارك وزوجته وولده).
- كانت قوانين الإصلاح الزراعى فى الخمسينات والستينات تهدف إلى تصحيح بعض الخلل فى الملكية والإيجار عن طريق :- 1- تحديد سقف الملكية الفردية للفرد والأسرة. 2- وجود عقود تأجير دائمة تورث. 3- وجود قيمة إيجارية ثابتة (7 أمثال الضريبة وكانت الضريبة بسيطة). 4- إمكان الحصول على قروض ومستلزمات إنتاج مدعومة. ورغم ذلك فحتى عام 1995 ظل 4% من الحائزين يمتلكون أكثر من 40% من جملة الأرض الزراعية والآن فإن 80% من الحيازات الزراعية تقل عن فدان (أمنية شفيق أهرام 9/3/2014) مع وجود عدد كبير من الفلاحين والعمال الزراعيين لا يحوزون أى مساحة من الأرض. ومع الانفتاح الاقتصادى الساداتى وما سُمى برنامج "التكيف الهيكلى" واعتماد آليات السوق الحرة القاتلة ثم صدور قانون جديد ينظم العلاقة بين الملاك والمستأجرين رقم 96 لسنة 1992 (بناء على توصيات/أوامر صندوق النقد والبنك الدوليين) تأسس هذا القانون على :- 1- إلغاء سقف الملكية 2- إلغاء عقود الإيجار الدائمة وتحويلها إلى عقود محددة المدة لا تورَّث 3- إلغاء الدعم على مستلزمات الإنتاج. 4- زيادة القيمة الإيجارية حيث كانت أقل من 200 جنيه للفدان ثم صارت بين 1992 و 1997 وهى فترة السماح قبل تنفيذ القانون 600 جنيه وبعد 1997 حيث التطبيق الكامل للقانون من 4000 إلى 7000 جنيه إيجار للفدان ، وكل ذلك بلا عقد أو بعقد مؤقت لمدة عام أو موسم زراعى. (د. محمد عاطف كشك) وكانت نتيجة تطبيق هذا القانون المدمِّر للفلاحين 1- زيادة عدد الفلاحين بلا أرض إلى حوالى من 3 إلى 5 مليون فلاح 2- انخفاض (أو انعدام أحيانا) العائد من زراعة الأرض وبالتالى إفقار كل الفلاحين المستأجرين 3- أدى رفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج وفوائد بنك الائتمان المركبة إلى لجوء الفلاحين إلى الاقتراض الربوى مرة أخرى 4- نظرا لتوقيت عقود الإيجار فقد أدى إلى عدم محافظة الفلاح على الأرض التى يستأجرها بالعناية بها وتخصيبها واستغلالها لأقصى مدى خلال الفترة التى يستأجرها من خلال ما يستخدمه من أسمدة كيماوية أو مبيدات أو زراعتها بمحاصيل مُجهده بشكل مستمر مما يسبب ضررا بالغا بخصوبتها وتدهور إنتاجها. 5- اتجاه كبار ملاك الأرض الجدُدُ القادمين من المدن إلى استغلال مساحات واسعة من الأرض كملاعب للجولف (هواية الأثرياء اللصوص وأبناؤهم وخِلاَّنهم ، تستهلك كميات ضخمة من المياه لا يجدها الفلاح فى الريف) 6- الانتشار السرطانى للمنتجعات السياحية والسكنية 7- التوسع فى زراعة محاصيل الفاكهة والقصب والأرز والزهور وهى إلى حد كبير محاصيل الأغنياء وذلك على حساب محاصيل الغذاء الأساسى للشعب مثل القمح والفول والذرة والعدس والبطاطس وهى غذاء الفقراء ولا تستهلك كميات كبيرة من المياه وذلك استرشاداً بالمدرسة الإسرائيلية فى الزراعة المصرية التى قام بتدشينها وتنفيذها يوسف والى ثم أمين أباظة وزيرى الزراعة الأسبقين وظلت هذه السياسة قائمة تحت حكم الإخوان والسلفيين ثم تحت حكم السيسى 8- جارى تفريغ الريف من صغار المزارعين بعد تجميع مساحات كبيرة من الأراضى لدى "كبار "رجال الأعمال" والشركات المحلية والأجنبية (بما فيها الشركات العربية) فتحول صغار الفلاحين إلى عمالة رخيصة لدى باشاوات العصر. إن أغنياء الريف الجدد يملكون الأرض والمال وعينهم دائما على الأراضى المرشحة لارتفاع ثمنها كمساكن فيخطفونها من الملاك الصغار ، وهؤلاء الأغنياء هم سادة القرية الآن وواضعوا قواعد حركتها وثقافتها ووعيها المزيف ، وهم خليط من مزارعين وأصحاب وظائف قيادية فى الشرطة والجيش والقضاء والمجالس النيابية والحكم المحلى ، وهم من يديرون الحياة السياسية بها ويشترون أصوات الفقراء وهم من يعوِّل عليهم جهاز أمن الدولة فى التعامل مع أى حركة مستقلة أو مثقفين ثوريين وتقدميين من أبناء القرية.
- يفضِّل كبار ملاك الأرض الجدد البذور الممنهجه التى تنتجها وتسوِّقها شركات البذور الاحتكارية العالمية الأمريكية والصهيونية غالبا بسبب إنتاجيتها العالية لكن فى مقابل التضحية بصحة عموم الشعب خاصة عماله وفلاحيه وأجرائه وجماهير الطبقة الوسطى ، أما الباشوات الذين يصنعون لنا الموت فيستوردون غذاءهم من الخارج وهى أغذية لا تدخل فيها الكيماويات المؤدية للسرطان والفشل الكلوى والكبدى. واختفت أصناف البذور المحلية بقدرة القادر الأمريكى والكومبرادور المصرى ، لأن استخدام الفلاح الآن للبذور المهجنة لا يمكن تجنيب جزء من محصولها إلى تقاوى للعام التالى كما كان يفعل على مر تاريخه عندما كان يقوم بإكثار البذور واستخراج التقاوى منها بنفسه ، لأن التقاوى المهجنة لا تصلح للعام التالى !! وعلى ذلك يعتمد فلاحنا على السوق العالمية والشركات الاحتكارية فيدخل فى أتون العولمة وهو لا يدرى فيفقد استقلاله كما فقد الوطن استقلاله بسلطته الرأسمالية التابعة للإمبريالية. وهكذا تراجعت دخول أرباب الزراعة التقليدية المصرية بفعل تزايد نفقات ومستلزمات الإنتاج فى نفس الوقت يجنى أصحاب المزارع الكبيرة شبه الرأسمالية أرباحا طائلة.
- فتحت فترة الانفتاح الاقتصادى (مسمى تبعية مصر لأمريكا والرأسمالية العالمية) الساداتى المواكبة لكامب ديفيد والسلام العار مع إسرائيل وبالتنسيق مع أمريكا والسعودية ومحميات (مشيخات) الخليج باب التشويه الطبقى وبرجزة الفلاحين بسيادة قيم "المجتمع الاستهلاكى" الذى يستهلك لا ما ينتجه ولكن ما يستورده. فتحت هذه البداية الانفتاحية الاستهلاكية الباب لصغار الفلاحين وعمال الزراعة والتراحيل للهجرة إلى السعودية والعراق (قبل تدميرها بفعل الأمريكان) ، مما أدى إلى تجميع بعض المدخرات تمكنِّ زواج من لم يتزوج أو هدم المنزل الطينى ليحل محله المبانى الأسمنتية ، حيث تغيرَّ نمط حياة المهاجرين العائدين لقراهم ، واعتقد بعضهم أنه انتقل إلى طبقة جديدة تتيح له اقتناء الثلاجة والغسالة والتليفزيون الملون والمسجِّل وغيرها من امتيازات الحياة المتوفرة لدى الأغنياء أو أشباه الأغنياء. رافق هذا الانتقال الطبقى المزيف إلى شريحَة أخرى داخل طبقة الفلاحين جلْب الفكر السلفى الوهابى. فارتفعت نبرة التيار الإخوانى والسلفى المعلِن تمسكه بشعائر الدين ، مع لبس الجلابية وإطلاق اللحية ، مع تناقض دعواهم إلى الدين (الجديد) وحضه على الزهد والرضا والورع ، حيث تمسكوا بإغراءات المجتمع الاستهلاكى والتبرجز الذى أفسد التقاليد الفلاحيه من الجدية فى العمل وتجويد الزراعة والحفاظ على الأرض. لكن سرعان ما تبدَّد المال المدَّخر من الهجرة للخليج والعراق فتراجعت مستويات المعيشة ، فهاجر الكثير ممن كانوا فلاحين لا إلى العراق التى إحتلها الأمريكان لكن إلى المدن المصرية لممارسة الأعمال الشاقة فى البناء والتشييد أو كباعه سرِّيحه أو كعمال يومية يتجمعون على الأرصفة لمن يحتاجهم من مقاولى الأنفار أو عمال نظافة فى المدن أو اللجوء للصعكة والجريمة. أنت فى القرية المعاصرة تجد كبار ملاك الأرض وهم غالبا ليسوا فلاحين كما أسلفنا بل أصحاب مهن أو بيروقراطية حكومية ويديرون أملاكهم من قصورهم فى المدن ، وتجد الفلاحين الأغنياء وهم أعيان القرية المتصرفون فى أمورها وحل مشاكلها وفرض نفوذهم وفرض انتماءاتهم السياسية فى الانتخابات على جموع سكان القرية ، وتجد صغار ومتوسطى الملاك والمستأجرين وهم الفلاحون الباقون يمتهنون الفلاحة ويقوم أبناؤهم من المتعطلين الحاصلين على شهادات متوسطة أو عليا بأعمال الفلاحة الحقيقية إلى جانب ما تيَّسر من الأعمال التجارية. وهكذا أصبحنا نعيش على الديون والمنح والعطايا ، ويحلم شبابنا بالحصول على عقد عمل يتيح له الفرار من الأرض والعيش فى ركن من أركان الصحارى المحيطة نخدم أهلها ونستعير لهجتهم ونتعوَّد عاداتهم ونتسمَّى بأسمائهم ونتزيا بأزيائهم. ونعود بالريالات أو الدولارات نشترى الحقول المزروعة منذ آلاف السنين ونحول ترابها إلى طوب أحمر وأسمنت وأسياخ حديد مرشوقة كأنها رماح مسددة إلى عقولنا وقلوبنا ، لقد افترست الصحراء مصر وانتصر ست الخليجى الصهيونى على أوزوريس رب الخضرة والنماء ، وفى هذا الجو الصحراوى ظهرت فتاوى إرضاع الكبير وزواج الفتاة القاصر مادامت تحتمل عبء النكاح وحق المرأة أن تختلى بالقريب إذا أرضعته من ثديها قبل الخلوة وفريضة جهاد النكاح التى يجب على الفتيات العذراوات أن يؤدينها فى أحضان المجاهدين وهو ما عملت به تونس الإخوانية فأرسلت فتياتها لمناصرة إخوان سوريا وجهادهن بالفرج على سن ورُمح والله أكبر ولله الحمد ، وسقطت العقول فى الفروج ، كما ظهرت فتاوى زواج المتعة بلا حدود وإنكار وسب الأديان المخالفة واضطهاد الأقباط أصل مصر المسماه باسمهم (إيجيبت = قبط) وغير ذلك من مظاهر وسلوك وأفكار الانحطاط والتخلف والجلافة (لو كان الانحطاط رجلا لقتلته).
- هذه هى الصورة العامة للوضع الطبقى والثقافى فى القرية المصرية ، فإذا كان الإصلاح الزراعى الذى شرَّعته ونفذته حركة 23 يوليو 1952 استهدف إعادة توزيع الأرض الزراعية كأهم أداة لإعادة توزيع الدخل بين أقلية ضئيلة تملك أغلبها وأغلبية ساحقة لا تملك شيئا منها أو تمتلك القليل ، فأخذ من كبار الملاك ما زاد عن 200 فدان للأسرة ووزع البقية على فقراء الفلاحين المعدمين وصغارهم واستفاد منها متوسطى الفلاحين الذين صاروا أغنياء ، أمَا وقد أعادت سلطة الرأسمالية الحاكمة المتكيفة مع الإمبريالية العالمية بدءا بالسادات جزءا كبيرا من الأرض لكبار الملاك شبه الإقطاعيين ثم انتُزع الباقى بقانون الإيجارات 96 لسنة 1992 الذى أطلق يد الملاك فى الأرض بصورة تامة بدءا من عام 1997 ، مما أعاد الفلاحين إلى حالة الحرمان من الأرض حيث خرج أكثر من مليون مستأجر من أراضيهم المستأجرة بالقوة الجبرية ، إلى جانب ميكنة العمل بزراعات كبار الملاك ، مما وفَّر قطاعا كبيرا من عمال الزراعة حتى صارت قوة العمل المشتغلة بالفلاحة لا تتجاوز الخمسة ملايين أى أقل من نفر واحد لكل فدان من الأرض القديمة التى تقدر بـ 5.5 مليون فدان ، ما أدى لندرة الأيدى العاملة وارتفاع أجورها وتغيرُّ مزاجها الحياتى بعد تبرجز قطاع واسع منها فى أسلوب الحياة والاستهلاك ، كما أدت سياسة السوق و"التحرير" (تحرير الأرض من فلاحيها وتحرير كبار الملاك وأغنياء الريف فى امتلاك المزيد من الأراضى دون قيود) إلى رفع الإيجارات وأشعلت المضاربة على الأرض حتى ارتفعت أسعار المنتجات الزراعية على جماهير المستهلكين وهى فى نفس الوقت لم تحسَّن من دخل من بقى من الفلاحين فى الأرض والقرية ، لأن هذه السياسات ذاتها أدت إلى عدم ضخ الدولة استثمارات جديدة فى الزراعة خاصة فى محاصيل الغذاء الرئيسية مثل القمح والذرة والأرز ، أما ما أصاب القطن المصرى ، ملك أقطان العالم فى وقت مضى من تدمير لزراعته وصناعته فهى كارثة وطنية بكل المعانى ، ويكفى أن يصرخ عمال المحلة وكفر الدوار فى إضراباتهم واحتجاجاتهم لتوقف المصانع بسبب عدم وجود أقطان للغزل والنسيج. وقد بقى محصول القطن الذى لم تجاوز مساحته 100 ألف فدان خلال عام 2011 فى مخازن الفلاحين لا يجدون من يشتريه لخروج الحكومة من سوق الشراء كتوصيات المؤسسات المالية الاستعمارية.
- لم تعد القرية المصرية كما كانت موطنا للفلاحين ، صار يعيش فيها مئات الآلاف من حملة الشهادات العليا والدكتوراه والموظفين (حتى من غير أبناء القرية هربا من غلاء إيجار المساكن فى المدن) والحرفيون والعائدون بعد سنوات من العمل بالخارج الذى تقلصت أسواق عمله. ولا يمكن إغفال ما طرأ على هؤلاء من تغيرات فى أشكال التعامل وسبل المعيشة مما كان له بالضرورة شديد الأثر على طبيعة المكان وأشكال العلاقات بين الناس بل بين الناس والمخلوقات التى كانت شريكة له فى الحياة بالقرية من حيوان ونبات ، واختفت بيوت الطوب اللبن وحلت محلها عمارات الأسمنت والحديد بنفس الحوارى والزقاق وقد خلت أغلبها من حظائر الماشية إلا ما ندر لدى من تمسك بعمل الفلاحة التقليدى ، واختفت نهائيا أفران الخبيز ورائحة رغيف العيش الفلاحى وصاروا يشترون خبزهم من المدينة عند عودة عمال اليومية أو الموظفين من أعمالهم بها. لقد صارت هموم الفلاحة والزراعة أكثر من فوائدها فهجرها الفلاح الصغير وتربع عليها كبار الملاك وأغنياء الفلاحين. ورغم ذلك لم ينتقلوا بعلاقات الإنتاج إلى العلاقات الرأسمالية ليصير الصراع الطبقى شفافا بين برجوازية الريف وبروليتاريا الريف وفلاحيها الفقراء وعمال الزراعة ، لكنهم أبقوا على علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية ، لأن هذه هى العلاقات السائدة فى مجتمع تابع وهجين ، رأسمالى تابع للرأسمالية العالمية يحافظ دائما على وجود علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية لأنها تحقق أرباحه الفاحشة وتؤكد تبعيته معتقدا أنها تُبعده عن الثورة الشعبية التى تدق باب مصر ولا تجد من يفتح بابها.
- لم تكن الأوضاع الطبقية المتداخلة فى القرية المصرية والتى تشوِّه وجه الصراع الطبقى بها إلا نتيجة للخضوع للهيمنة الأمريكية والصهيونية ومؤسسات التمويل الدولية على سياسة السلطة الحاكمة فى مصر اعتبارا بعصر السادات وتكثيف خضوعها فى عصر مبارك وامتداده الإخوانى السلفى ثم السيساوى. فقد تم وضع استراتيجية للزراعة المصرية بمعرفة صندوق النقد والبنك الدوليين والهيئة الأمريكية للتنمية أدت إلى تدمير الزراعة والحركة التعاونية المصرية المصاحبة لها ، فبدءا من القانون 834 لسنة 1976 بحل الاتحاد التعاونى المركزى إلى القانون 117 لسنة 1976 بإحلال بنك التنمية والائتمان الزراعى وفروعه بالقرى محل الجمعيات التعاونية الزراعية والذى أنهى تعامل الحركة التعاونية فى مستلزمات الإنتاج (بذور – تقاوى – سماد – مبيدات …) وتحرير سعر الفائدة على القروض الزراعية وإبعاد الحركة التعاونية عن عمليتى توزيع السماد وتسويق القطن ، كل ذلك يدعونا : (1) فى مجال التعاون الزراعى نطرح الآتى :- 1- إصدار قانون جديد للتعاون الزراعى كفيل بدعم وديمقراطية التعاونيات الزراعية 2- إنشاء تعاونيات زراعية إنتاجية لصغار ومتوسطى الحائزين 3- تسليم التعاونيات كل مستلزمات الإنتاج الزراعى من السماد لتوزيعه على الفلاحين دون حد أقصى وعلى مدار العام 4- تشكيل مجلس إدارة الجمعية الزراعية بنسبة 90% من ممثلى صغار ومتوسطى الفلاحين ممن يحوزون خمسة أفدنة فأقل 5- عودة الدورة الزراعية (2) : بالنسبة لقانون الإيجارات والعلاقة بين المالك والمستأجر فى الأراضى الزراعية 1- صدور تشريع يمنع طرد الفلاحين من أراضيهم ويجرِّم الفعل بالسجن المشدد إلا بحكم قضائى نهائى بات 2- تحديد حد أقصى للقيمة الإيجارية لا يزيد عن ربع قيمة متوسط الإنتاج السنوى للفدان بعد خصم المصاريف 3- حصول الفلاحين المضارين الحاليين أو مستقبلا من قانون إيجارات الأراضى على أراضى بديلة من الأراضى المستصلحة فى أقرب مكان للقرية توازى خمسة أمثال الأرض التى كان يستأجرها الفلاح وطرد منها 4- ألا تقل مدة عقد الإيجار عن عشر سنوات حتى نعطى للفلاح المستأجر الأمان لمواصلة حياته والعناية بالأرض. (3) : منع تملك الأجانب للأرض المصرية زراعية أو صحراوية ونزع ملكية أى أراضى مُلكت لهم وردها للدولة لاستثمارها كمزارع إرشادية لوزارة الزراعة أو تمليكها لخريجى كليات الزراعة على أن يُعرَّف المصرى بأنه من ولد لأب وأم وجد وجده مصريين ولم يتزوج أو سبق له الزواج من أجنبية وغير متجنس بجنسية دولة أخرى ولم يسبق له التجنس بجنسية أخرى. (4) : إيقاف ما يسمى "التطبيع الزراعى" مع العدو الإسرائيلى ووقف البعثات التدريبية التى تتوجه إليها أو المدربين الذين يحضرون من قبلها لتدريب مهندسى الزراعة المصريين (5) : الرعاية الصحية الحقيقية للفلاحين خاصة فقراءهم وعمال الزراعة والتراحيل وكفالة التأمينات الاجتماعية لهم من قبل الدولة بدون أى التزامات مالية عليهم لأنهم عصبُ حياتنا ومن الضرورى صيانة عصبنا. (6) : إسقاط مديونيات الفلاحين لدى بنك التنمية خاصة من يحوز خمسة أفدنة فأقل (7) : تطبيق مبدأ "الأرض لمن يفلحها" وهو مبدأ رأسمالى يهدف إلى إحلال علاقات الإنتاج الرأسمالية محل العلاقات شبه الإقطاعية إذ يتيح للرأسمالية الزراعية مباشرة زراعة الأرض كمشروع رأسمالى طرفاه مالك الأرض والفلاحون/عمال الزراعة الذين يعملون بها واستبعاد الملاك الغائبون وبذلك تتحد الطبقة العاملة بجناحيها المدينى والقروى فى مواجهة البرجوازية ولصالح الانتقال الاشتراكى (8) : مقرطة الحركة التعاونية الفلاحية بإنشاء اتحاد لمتوسطى وصغار الفلاحين على مستوى القرية والمركز والمحافظة وعلى المستوى الوطنى للدفاع عن حقوقهم وإشراكهم فى وضع السياسات الزراعية والرقابة عليها وعلى القوى الاشتراكية والمثقفون الثوريون العمل الجاد فى هذا المجال بالتعاون مع القوى الوطنية الديمقراطية الأخرى.
- لقد قدَّم الفلاحون لشعبنا الخيرات على مر الزمان ، وشاركوا بل كانوا وقودا للثورات الوطنية الديمقراطية وعلى رأسها الثورة العرابية حتى سميت بـ"ثورة الفلاحين" وسُمى عرابى ضابط الجيش بـ "الفلاح" لأن مصر كانت الفلاحين وغيرهم الأجانب والمتمصرون مصَّاصى دمائهم وعرق جبينهم ونهب ثرواتهم. ومن هنا بزغ العداء بين كبار ملاك الأرض – طبقة محمد على الجديدة – والفلاحين ، واستمر العداء وتجدد واستفحل بتحالفهم (كبار الملاك) مع العدو الأمريكى الإسرائيلى ضد جموع الشغيلة. وحتى يحين أوان التحرر الطبقى والانعتاق من الاستغلال الرأسمالى فلا أقل من دفع المظالم عن الفلاحين وإزالة الحواجز لانطلاق الصراع الطبقى الملجوم.
30/8/2015

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة ماذا تأخذ وماذا تعطى الرأسمالية المصرية جـ1 فى قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الموضوع السابقة
تقييم 1.47/5
تقييم: 1.5/5 (55 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع