المقالات والاخبار > مقالات > أمريكا ومياه النيل

أمريكا ومياه النيل

نشرت بواسطة admin في 12-Nov-2015 14:40 (435 عدد القراءات)
أمريكا ومياه النيل والخطر الماثل
أحمد عبد الحليم حسين
- تواجه مصر أزمة علاقات مع دول حوض النيل المسماة دول المنبع التى تتحكم فى كمية المياه المتدفقة فى نهر النيل الواصلة إلى مصر شريان حياتها زرعا وإنسانا وحيوانا وطيرا ، وهى أزمة نتاج تراكمات من السياسات المصرية الخاطئة تجاه هذه الدول قائمة على انشغال حكام مصر بتأمين سلطة حكمهم واستغلال طبقتهم الحاكمة لجماهيرها مهملة تأمين حياتها حاضرا ومستقبلا ، ولقد كانت لمصر الزعامة فى أفريقيا فى مرحلة المد الوطنى للعصر الناصرى ، حيث كانت النموذج للتحرر الوطنى وهى تمد أيديها المتضامنة مع حركات التحرير الوطنى بها مساعدة بالسلاح وخبرة الرجال والمال لتحقيق تحررها من الاستعمار الإنجليزى والفرنسى والإيطالى والبلجيكى وغيره من البلاد الاستعمارية فى القرن العشرين حتى حققت بلادها استقلالها وهى فى الحضن المصرى ، واستقبلت مصر زعماء التحرير المضطهدين من الاحتلال وحركات التحرير كمقر آمن لهم من غدر واضطهاد وملاحقة وحصار الاستعماريين. وفى هذا المناخ التحررى التضامنى مدَّت شركات مصرية وطنية أعمالها إلى عمق القارة محققة مصالح مشتركة للأطراف المختلفة حتى انكفأت مصر وعطبت عجلة وطنيتها وريادتها بعد معاهدة السلام المزعوم 1979 مع إسرائيل تحت الرعاية الأمريكية بل والاحتلال الأمريكى المباشر فى صيغة قوات تراقب تنفيذ المعاهدة على أرض سيناء المصرية ، والتى لا يمكن إنهاء وجودها إلا بموافقة الأطراف الثلاثة مصر وإسرائيل وأمريكا ، وما نصت عليه هذه المعاهدة من أولوية أحكامها على أى أحكام أخرى تعقدها أو تكون قد عقدتها مصر مع دولة عربية أو غير عربية تخالف أحكام المعاهدة. وهكذا خارت مصر وغاب وجهها الوطنى التحررى ، وصالحت من كانت تدعو الدول الأخرى خاصة الأفريقية إلى مقاطعتها ، وكانت دول أفريقيا – ومنها دول المنبع – من أوائل دول العالم التى تقاطع إسرائيل احتجاجا على عدوانها على مصر واحتلال أراضيها وأراضى الدول العربية الأخرى وفى مقدمتهم فلسطين العربية. ومازالت هذه الدول تصوت فى الأمم المتحدة لصالح أى قرار يخص الشأن الفلسطينى وفاء لعهدها القديم فى الوقت الذى قد تمتنع فيه مصر عن التصويت امتثالا للإرادة الأمريكية الصهيونية.
- فى هذه الجو من الخنوع نشطت أمريكا وإسرائيل فى نسج علاقات مميزة مع الدول الإفريقية وخصت دول منبع النيل بعلاقات خاصة أكثر تميزا لتكسب صداقتها وولاءها ولتحل محل مصر فى النفوذ وذلك بإقامة شبكة مصالح اقتصادية ومالية وتنموية استراتيجية تربطها برباط وثيق. وقد قامت الولايات المتحدة بالدور السياسى الاستراتيجى للتمهيد للنفوذ الإسرائيلى الوكيل الدائم لها فى المنطقة العربية والإفريقية منها :-
1- تبنى مشروعات استراتيجية مؤثرة على المصالح المصرية أخطرها مشروع القرن الأفريقي الكبير مركزه أثيوبيا (مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير الممتد شمالا وجنوبا من أفغانستان وباكستان حتى مصر شرقا وغربا ومن إسرائيل حتى المغرب العربى) الذى استهدف تقسيم السودان إلى شمال وجنوب بغرض النفاذ عن طريق جنوب السودان الموالى لها إلى مصدر المياه الأساسى ومنابعها وإلى قلب القارة الإفريقية ، قدم فى السودان وقدم فى أثيوبيا.
2- إعادة إحياء مشروع استعمارى بريطانى قديم هو اتحاد شرق أفريقيا المتكون من كنيا وأوغندا وتنزانيا يضم جنوب السودان وقد يضم أثيوبياً. تحت الرعاية الأمريكية بحيث تنوب أمريكا عن هذه البلاد فى المفاوضات على المياه مع مصر وللاستفادة من هذا التجمع فى الوقوف ضد أى نزعات أفريقية لإعادة علاقات الصداقة والتعاون مع مصر. فيصبح النزاع نزاعا مصريا إفريقيا وإفريقيا إفريقيا أيضا ولا تعارض بين المشروع الأول والثانى. فمن لا يستسيغ الأول يدخل فى الثانى ولا مانع من الجمع.
3- بمناسبة اكتشاف البترول فى دول غرب أفريقيا ووسطها خاصة نيجيريا وتشاد والسنغال وأنجولا تتبنى أمريكا تجميع المصالح البترولية لهذه البلاد ووضعها لحساب شركات بترول أمريكية لتوفر ربع احتياجاتها من البترول من هذه المنطقة ، وتلاعب بهذا التجميع تجمع القرن الإفريقى الذى يضم دول منابع حوض النيل ، ولتوسوس لشعب دارفور لحضه على الانفصال عن السودان الشمالى لتحجيم السودان المتاخم لمصر وشريك النضال التاريخى المشترك والمصالح المشتركة والجار الأخوى ويبقى الاثنان – مصر والسودان الشمالى – معلقان أو واقعان بين مطرقة أمريكا وسندان إسرائيل ، لدفع مصر أساسا لا إلى الاستقلال التام بل التسليم الزؤام ومعها فلسطين وسوريا. ويصبح السودان بهذه الاستراتيجية الأمريكية محاطا من الشرق بمشروع الشرق الأوسط الكبير ومن الغرب بمشروع تجمع نيجيريا وتشاد والسنغال وأنجولا ومن الجنوب بمشروع اتحاد شرق أفريقيا.
4- كل هذه المشروعات لا نقول إن المقصود بها مصر فقط ، لكن بعضها مقصود بها مصر أولا وبعضها لمنطقة منابع النيل إجمالا والمشروعات فى إجمالها تهدد مصالح مصر الثابتة والتاريخية والمستقبلية فى مياه النيل ، وتضعها على طاولة المساومات دائما ، خاصة الطاولة الأمريكية الإسرائيلية الخبيثة.
5- تتم كل هذه المشروعات والاستراتيجيات تحت الجبروت العسكرى الأمريكى ليس فقط فى أساطيلها فى البحار والمحيطات ولكن على الأرض الإفريقية تحديدا بإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا "أفريكوم" ، لتتواجد أمريكا – ومعها إسرائيل على الأرض الأفريقية طبقا للتقسيم السابق المقترح للتجمعات الإفريقية. فى الشمال والجنوب والشرق والغرب.
6- تتزاحم على إفريقيا الأمم كافة خاصة التى تصنع لبلادها مستقبلا مثل الصين وفرنسا وألمانيا واليابان حتى وصلت إلى إيران والهند وماليزيا وتركيا والسعودية العنصرية الصهيونية والإمارات اللتان تدعمان إنشاء السد ومصر متغاضية عنهما ويقبِّل رئيسنا السيسى رأس الملك عبد الله ونشيد بـ"الأشقاء" الأعداء ، فالأسواق الإفريقية واعدة وتفجر البترول واكتشاف اليورانيوم بكثافة على أرضها ينبئ بأموال سائلة قادمة واستهلاك ومشروعات بنية تحتية حديثة وإعمار ومشروعات تنموية أخرى. وهى لا تنافس أمريكا فى الوجود العسكرى الحالى أو القادم لكنها تنافسها فى الاستيلاء على الأسواق ، وسوف تترك أمريكا لكل منها قدرا من المصالح حسب وزنها فى العالم والمساومة على قضايا بعينها، ولكن ستظل لها قدرة الردع العسكرى بلا منافس. كل هذا السباق على إفريقيا والسلطة المصرية الخاضعة لأمريكا وإسرائيل لا يشغلها إلا قهر الشعب وإسكاته وتدبير رغيف عيش مستورد دقيقه من الخارج ، والرأسمالية المصرية الحاكمة ليس لديها الأفق للاستثمارات فى إفريقيا فهى تكتفى بأرباحها القائمة على نهب الأراضى وشراء شركات القطاع العام بثمن بخس والعمل كوكلاء وسماسرة للشركات الأمريكية والرأسمالية العالمية ولا ترغب فى المغامرة ، بالإضافة إلى أن الاستثمارات الأجنبية التى تجرى فى إفريقيا أغلبها استثمارات حكومية أو بضمان الحكومات ، مما يعنى أن النفاذ إلى إفريقيا – وخاصة دول منابع النيل – يتطلب إرادة سياسة وطنية لم تتوفر للسلطة الحاكمة المباركية السابقة واللاحقة فى حكم المجلس العسكرى أو الإخوان أو فى حكم السيسى ، وأى سلطة مصرية حالية أو قادمة لا تضع تحرر مصر السياسى والاقتصادى على رأس مهامها ، هذا التحرر الذى يسمح لها بالتواجد فى إفريقيا سياسيا واقتصاديا وخدميا (تعليم – مقاولات – استيراد وتصدير ...) واستراتيجيا ، مستثمرة التاريخ النضالى السابق المشترك مع دولها (مرحلة التحرر الوطنى التى مازالت دواعيه قائمة) ، هذا التاريخ الذى مازالت شعوبها تحتضنه فى ذاكرتها وهناك جيل عائش شاهد عليه ومستعد بقبول والترحيب بالتواجد المصرى من جديد ، هذه السلطة التى لا تلبى هذه المهام هى سلطة متخاذلة مفرَّطة ، فهل نعى المخاطر ونلحق بقطار التاريخ ؟
- إن السلطة المصرية منذ معاهدة كامب ديفيد 1979 العار ، تخلَّت عن الواجب المنوط بها فى حماية الأمن الوطنى المصرى المرتبط ارتباطا لا ينفصم بالأمن القومى العربى فى مواجهة التهديد المتربص به من حدود مصر الشرقية مع فلسطين المحتلة كما تخلت عن حماية هذا الأمن فى الجنوب فى السودان ودول حوض النيل وإفريقيا عموما ، كما تثبته اليوم عزلتها بين دول حوض النيل وضعّف قدرتها على الحفاظ على احترام دول حوض النيل لمصالحها وحقوقها التاريخية فى المياه التى تقوم عليها حياة شعبها منذ آلاف النيل ، ويقف وراء تهديد مصر بالعطش البنك الدولى وأساطين الإمبريالية العالمية الآخرين (أمريكا وأوروبيا الغربية وإسرائيل أساسا) حيث يسعون للاتجار فى مياه الأنهار ، ويحرضون دول منابع النيل على المطالبة ببيع المياه لمصر. لكن السلطة الحاكمة الآن بدأت أخيراً فى إدراك المخاطر فقامت باتصالات ومفاوضات واتفاقات مؤقتة وغير ملزمة ذات طابع خطابى حماسى تتعلق بضمان تدفق مياه النيل الأزرق ومنابعه فى أثيوبيا إلى مصر. وندعو السلطة الهشَّة إلى التوجه جنوبا نحو دول المنابع لعلاج وتدارك الجفاء معها الذى بدأ بعد عبد الناصر رمزها التحررى وامتد من السادات إلى العسكر إلى الإخوان إلى السيسى وبدء خلق مصالح حيوية مشتركة معها مفيدة لتطور شعوبها واستخدام كل قدرات مصر الاقتصادية والثقافية والإدارية لإعادة اللحمة لعلاقاتنا الإفريقية خاصة مع أثيوبيا ودول الحوض. فهل تدرك الرأسمالية المصرية ذلك وتدفع باستثماراتها إلى هناك ؟ أم أنها ستظل تلعب فى الهامش الداخلى المضمون سيسيا وأمريكيا ؟ وإذا لم تفعل فعلى الدولة أن تدخل باستثمارات ذات قيمة ومؤثرة إلى جانب الخدمات التعليمية والطبية والثقافية وغيرها. كما ندعو السلطة إلى البدء فورا فى مشروع الربط بين نهر الكونغو والنيل لتقليل الاعتماد على المياه الواردة من هضبة الحبشة وكان يجب أن يكون هذا المشروع هو المشروع القومى الوطنى الأساسى وليس مشروع تفريعة قناة السويس التى لا تخدم إلا الرأسمالية العالمية أساسا أو المشروع المجنون المسمى "العاصمة الجديدة".
- كما أن الأزمة تتطلب تغيير سياسة استخدام المياه لدينا بتقليل زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه بكثرة وسياسات الرى والتركيب المحصولى والشروع فوراً فى مشروع الرى بالتنقيط والذى كان يجب أن يسير مع مشروع ربط النيل بنهر الكونغو ليصيرا معا مشروع القرن الحادى والعشرين (كما يحب الرئيس الوديع)، لكن سلطة الكومبرادور لا تنظر إلى المستقبل والمصير مكتفية بتأمين مصير حكمها لا مصير الوطن. وعلى مصر أن تواصل اتصالاتها مع أثيوبيا للوصول إلى اتفاق مكتوب بإشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومؤسسات المياه الدولية ومؤسسات البيئة تعترف فيه أثيوبيا بحصة مصر الحالية من مياه النهر وقابليتها للزيادة لمواجهة زيادة السكان وزيادة النشاط الاقتصادى الزراعى والصناعى. وإذا رفضت أو عرقلت الاتصال تلجأ مصر مباشرة بطلبها إلى هذه المؤسسات الدولية ، ويمكن القول إن زيارة السيسى الناعمة لأثيوبيا أضرَّت بموقفنا إذ أعطت انطباعاً بحل المشكلة على خلاف الواقع. والتأخر فى اقتحام الأزمة ومتابعتها على مدار الساعة يثبِّت الأمر الواقع الأثيوبى الاستعمارى المعادى لمصالحنا.
- أمريكا هى العدو الرئيسى للوطن والشعب وليست حليفا استراتيجيا كما تدَّعى السلطة الحاكمة التابعة الهشَّة.
12/11/2015



تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة عاصفة استعمارية على مصر أفريقيا منذ قرن الموضوع السابقة
تقييم 2.31/5
تقييم: 2.3/5 (65 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع