المقالات والاخبار > مقالات > أفريقيا منذ قرن

أفريقيا منذ قرن

نشرت بواسطة admin في 13-Nov-2015 15:30 (697 عدد القراءات)
أفريقيا منذ قرن
غالبا ما توصف افريقيا بانها قارة متخلفة اقتصاديا ولكن هذا التعريف غير دقيق من وجهة نظر الاقتصاد السياسي الماركسي وهو تعريف يهدف الي منع الشعوب الافريقية من معرفة أسباب مأساتها ولم يصور تقسيم البلدان الي بلدان متخلفة و بلدان متقدمة الا الوضع الراهن للامور ويصنف الاقتصاديون البورجوازيون هاتين المجموعتين علي اساس متوسط الدخل بالنسبة للفرد ومن المعروف ان متوسط الدخل في البلدان الافريقية في الوقت الراهن أدني كثيرا مما هو عليه في بلدان غرب أوروبا،امريكا الشمالية ولكن هل كان حال القارة علي هذا النحو دائماً ؟ بالطبع لا لأن منذ بضعة مئات السنين كان هناك في افريقيا عديد من المناطق المتقدمة أقتصاديآ لدرجة أو أخري وعلي مستوي مرتفع من الثقافة بمقاييس العصر ومنذ حوالي مايتراوح بين ٥٠٠ أو ٧٠٠ سنة كانت هناك ممالك في غرب افريقيا متقدمة مثل غانا و مالي والسنغال و داهومي وايضآ قد سجل الاقتصادي الماركسي الفرنسي بير ماوسا ماكان عليه مستوي التطور في بعض الأقاليم الافريقية من تقدم منذ بضع مئات السنين ويقول في كتابه (الشعوب البروليتارية) أن تفوق الغرب في مجال التطور الاقتصادي ظاهرة حديثة نسبيا ففي القرن السابع عشر كان الفلاح الغاني في مملكة الأشانتي والفلاح الفرنسي يعيشان علي مستوي واحد من المعيشة تقريبآ فالهوة الاقتصادية بين الغرب و افريقيا وسائر أنحاء العالم ظاهرة جديدة نسبيا في التاريخ فإذا اردنا أن نتحدث عن التطور التاريخي لأفريقيا فحديثنا يصبح اكثر دقة اذا تحدثنا لا عن قارة متخلفة وإنما عن قارة وضعت العراقيل امام تطورها الاقتصادي بطريقة مفتعلة بواسطة قوي خارجية ولكن هذا تعريف ناقص فهو لا يجيب علي السؤال : ما الذي جعل افريقيا تتخلف في مجال التطور الاقتصادي ؟ أن السبب الرئيسي للتخلف الاقتصادي لأفريقيا يكمن في استعباد القارة من جانب الاستعماريين الذين راحو يستغلون الشعوب الافريقية طيلة قرون ومازلوا يواصلون استغلال العديد منها حتي يومنا هذا ونظرا لعدم رغبة المنظرين البورجوازين في الاعتراف بالحقيقة الواضحة التي تؤكد أن النهب الاستعماري هو السبب الرئيسي للتخلف الاقتصادي في افريقيا ونجدهم يبتكرون مختلف الأسباب لتفسير هذا التخلف وقد تم ابتكار مثل هذه الاستفسارات قديمآ حتي يتمكن الاستعماريون القدامي من إقناع ضحاياهم بأنهم هم المسئولون عن تخلفهم ولكن يجب علي الجميع ان يعلم ان افريقيا ليست متطورة وإنما قارة نهبت واستغلت بواسطة الاستعمارين ومن اجل ان نفهم استعمار افريقيا لابد ان نلقي نظرة علي تاريخ اوروبا في تلك المرحلة في القرن الخامس عشر قد توصلت اوروبا الي اكتشافات هامة فمثلا تم اختراع الطباعة التي سهلت تراكم المعرفة وفي القرن الخامس عشر ايضآ وبعد اختراع البارود في الصين بدأ الأوربيين صناعة الأسلحة النارية التي حققت لهم ميزة كبري في الحروب وبدأ البحارة الأوربيون في استخدام البوصلة التي مكنتهم من الوصول في أسفارهم الي مسافات ابعد وكان الملاح البرتغالي ماجلان أول من قام برحلة بحرية حول العالم وقد استغرقت هذه الرحلة حوالي ثلاثة أعوام وفي أوساط القرن الخامس عشر وصل البرتغاليون الي ساحل افريقيا الغربية وصعدوا بقواربهم وتسللو الي افريقيا الغربية بحثآ عن الذهب وسرعان ما أقبل الاسبان والبرتغاليون لاقامة مزارع المحاصيل الأستوائية في امريكا وفي بادئ الأمر كان السكان من الهنود الأمريكيون هم الذين يعملون في المزارع ومات العديد من الهنود نتيجة لارهاق من الجوع والمرض ولدرجة أدت الي نقص كبير في الأيدي العاملة وهكذا بدأ الأقطاعيون الأوربيون في شراء العبيد من افريقيا من رؤساء العشائر العربية الذي كان لهم أسواق لبيع العبيد في شرق افريقيا او يتم اختطافهم من غرب القارة وحتي القرن الخامس عشر كانت افريقيا مقسمة الي دول مستقرة كبيرة ويتكون اغلبها من عدد كبير من الوحدات المحلية ولكن تجارة الرقيق التي بدأت في القرن السادس عشر واستمرت حوالي ٤٠٠ سنة ادت الي تقسيم افريقيا الي دول صغيرة تحارب بعضها بعضآ وهكذا اصبحت القارة بلا قوة تحميها ضد الاستعماريين ومع بدأ الاستعمار الأوروبي لأفريقيا تغيرت التجارة داخل القارة تغيرآ كبيرآ فقبل بدء الاستعمار كانت المنسجوات والذهب والصناعات اليدوية هي السائدة في التجارة الافريقية وكانت تجارة العبيد محدودة للغاية ومع صول الأوروبيين قفزت التجارة العبيد لتحتل المركز الأول وقد جلب الاستعماريون الأوائل الكوارث والنكبات معهم للشعب الافريقي وأخذت القارة تتحول الي ارض الصيد لاقتناص العبيد وفي المقابل كل افريقي يصل حي الي امريكا كان هناك خمسة او ست يلقون مصرعهم في الصدمات أو في جوف سفينة لشحن العبيد ووفقآ لما يؤكده المؤرخ الشهير وليام ديبوس فقدت افريقيا حوالي ١٠٠ مليون من أبنائها في تلك الفترة وكانو من زهرة شبابها وكانت هذه الخسارة وحدها كفيلة بأن تعرقل قوة الإنتاج في القارة الافريقية وكانت تجارة العبيد الافريقية التي سهلت التراكم البدائي لرأس المال في اوروبا ونكبة بالنسبة لتطور افريقيا وحرمتها من أقدر جزء من سكانها علي العمل وادي ذلك الي ركود قوي الإنتاج في افريقيا عند مستوي منخفض وفي نفس الوقت ساعد نهب الموارد الطبيعية وتجارة العبيد علي التعجيل بخطي التطور الاقتصادي الأوروبى وأن تنمية إفريقيا وتطورها مرهونة بالانفكاك من النظام الرأسمالي الدولي الذي كان السبب الرئيس لتخلف إفريقيا لقرون خمسة متواصلة وتقدم اوروبا ومن تلك النقطة انا اتوجه لنقد بما بدر من أخطاء الباحثين التقليديين الذين كانوا يصفون بروز الحضارة الأوروبية الحديثة كشيء حققه الأوروبيون بأنفسهم منفردين دون الاعتماد على أحد ولكن في الحقيقة أن التجارة مع الأمم غير الأوروبية كانت المفتاح الرئيس لتحقيق النهضة و الهيمنة الأوروبية فقد انخرطت أوروبا في تجارة العبيد منذ القرن الخامس عشر وصاعدا وكان لذلك أثر كبير في صعود الحضارة الأوروبية فقد تم توظيف العبيد في مناجم الذهب والفضة في الولايات المتحدة وإفريقيا والذهب والفضة كانا في غاية الأهمية لصناعة النقد في الاقتصاد الأوروبي المتنامي وكان لهذه الفرص الجديدة أثر كبير أيضا في فرص الاستكشاف وتراكم الثروة فالكثير من مناحي المجتمع الأوروبي والاقتصاد كان متأثرا بتجارة العبيد وهنا نشير إلى صناعة السفن والتأمين وإقامة الشركات والزراعة الرأسمالية والتكنولوجيا وإنتاج الآلات وإقامة العلاقات التجارية في أوروبا ونتيجة لهذا النوع من التجارة فقد نشأت مدن موانئ مثل ليفربول في إنجلترا وإشبيلية في إسبانيا وهي مدن أقيمت نتيجة لتجارة العبيد وارتبطت هذه المدن لاحقا بعضها ببعض وصادف ذلك بروز مراكز التصنيع وبداية الثورة الصناعية في بريطانيا وكانت إحدى النتائج السلبية التي صاحبت تجارة العبيد هي نمو العنصرية الاوروبية البيضاء تجاه الأفارقة وجاء ذلك بشكل كبير كطريقة لعقلنة استغلال عمل العبيد التي اعتمدت عليه أوروبا بشكل متزايد وبالتالي جاءت فترة الاستعمار التي دفعت فيها إفريقيا أيضا ثمنا باهظا ولعبت فيه إفريقيا دورا كبيرا في تنمية وتطوير أوروبا والنظام الرأسمالي الدولي وخلال هذه الفترة الاستعمارية تورط الكثير من القطاعات الاقتصادية الأوروبية في استغلال الموارد والمصادر الإفريقية ومن ضمنها خدمات السفن والنقل والبنوك وسمح النظام الكولونيالي أيضا بنمو سريع للتكنولوجيا والمهارات في القطاعات الرئيسة الاقتصادية في مراكز الإمبرياليات الأوروبية والاستعمار منح الرأسمالية عمرا أطول وبقاء أطول في أوروبا الغربية ومثالا على التطورات التكنولوجية يمكن الإشارة إلى التطورات في المعدات الحربية لأن التنافس على المستعمرات شجع نوعا من الطرق الجديدة لشن الحروب (المدمرات والغواصات) وفي البحث العلمي وفي الشحن (الثلاجات وحاملات النفط وأنواع جديدة من التجهيزات الخاصة بالموانئ) ونتيجة لكل ذلك كان هناك تقاسم في العمل على المستوى الدولي إذ اقتصر عمل الأفارقة في المناجم ما يعني ضمان النمو والتوظيف والمهارات في الأمم الأوروبية وهناك فوائد أخرى للاستعمار تجلت في الحصول على الفن الإفريقي القيم واستخدام الجنود الأفارقة للحرب نيابة عن الشعب الأوروبي على أرض إفريقيا وفي مواقع أخرى من العالم وكان للسلوك الأوروبي تجاه الأفارقة أثر كبير في تطور بل لنقل تخلف إفريقيا بشكل عام فالأثر المباشر لتجارة العبيد كانت عندما كانوا يرسلون عبر المحيط الأطلسي ما أدى إلى تراجع في المواليد ونمو السكان وهذا بدوره أثر في توافر العمل والعمال في الأسواق الإفريقية أما ما تبقى من أفارقة فقد كان الكثير منهم منهمكا في اصطياد العبيد والحصول على بضائع كان يرغب فيها الأوروبيون وهو الأمر الذي أدى إلى إهمال الصناعات المحلية سواء الزراعية أو التكنولوجية كما يجب أن ننوه إلى أن شراء التكنولوجيا الذي يعتبر طريقة أخرى لإحداث النمو في المجتمع كان غائبا في هذه الفترة بسبب طبيعة الاتصال بين الأوروبيين والأفارقة وهي طريقة لم تكن تساعد على نشر الأفكار الإيجابية والتكنولوجيا من أوروبا المتحضرة إلى إفريقيا المتخلفة و غير أن أحد أهم الآثار للتوسع في تجارة الرقيق هو تدمير الروابط الداخلية التي أقيمت في إفريقيا قبل أن تدهمهم تجارة الرقيق إلى أنه قبل قدوم الاستعمار كان الأفارقة يصنعون تاريخهم وتطورهم بشكل مناسب ويمكن تفسير ذلك بأن التأثير الأوروبي بقي محصورا في المناطق الساحلية وبالتالي تأثرت المنظومة الأيديولوجية والسياسية والعسكرية وايضا كان هناك آلية أساسية لعدم تطور إفريقيا هي مصادرة الفائض المنتج من قبل العامل الإفريقي وكذلك الموارد الطبيعية وإضافة إلى ذلك فإن الاستعمار كان يعني الإزالة الافتراضية للقوة السياسية الإفريقية وإعاقة مزيد من التطور والتضامن الوطني وإهمال الصناعات المحلية وعدم كفاية المرافق الصحية والفرص التعليمية وكل هذه الأمور بعضها مع بعض تسهم وأسهمت في التخلف فما من دولة أوروبية دخلت في إفريقيا إلا وتذوقت طعم الربح بعد سنوات استقلال القارة قد خلقت تطور حركات التحرر الوطنى فى أفريقيا خطرآ جديآ على سيطرة المستعمرين على القارة الأفريقية و الدول الإمبريالية التي لا تريد ان تعترف بهزيمتها وتحاول عن طريق الدس و التأمر على ايقاف السير التقدمى للدول الوطنية بعد سنوات التحرر ولعل أفظع الوقائع وأشدها هولا كانت حادثة قتل المناضل الكونغولي باتريس لومومبا ورفقائه فى النضال و قد نفذت المؤامرة ضد الكونغو من قبل قوة الأمبريالية العالمية باشتراك المستعمرين البلجيكيين و الأمريكان والإنجليز والفرنسيين بالإضافة الى الأعمال المباشرة الموجهة لإسقاط الحكومات الوطنية التى اختارها الشعب ولجأ الأمبرياليون أيضا الى وسائل أخرى لمكافحة حركة التحرر الوطنى لشعوب افريقيا إذ يقيم المستعمرون فى الأقطار الأفريقية أنظمة تأتمر بأمرهم و يساندونها ويعقدون اتفاقيات غير متكافئة تمكنهم من تحقيق سيطرة سياسية غير مباشرة ومن الاحتفاظ بسيادتهم الاقتصادية ايضآ وتحاول الدوائر الأمبريالية الغربية فى مقدمتها الولايات الأمريكية المتحدة إيقاع الأقطار الافريقية فى فخ (المعونة) الاقتصادية و العسكرية فمثلا الاتفاقيات المعقودة مع ساحل العاج وبنين والنيجر حول (الدفاع المشترك) وكذلك الاتفاقيات مع الكاميرون ومدغشقر و كانت تمنح فرنسا التدخل الفعال فى الشؤرن الداخلية لهذه الدول و فى انتهاج سياسة لصالح الغرب و أيضآ قامت الولايات المتحدة الأمريكية فى الأعوام الأخيرة بزحف أقتصادي وأيديولوجي واسع فى افريقيا و ان جزأ من خطتها الأيديولوجية هو برنامج (المعونة) فى مسألة التعليم وإعداد كوادر الاختصاصيين الوطنيين ويستهدف البرنامج ثلاثة أهداف رئيسية اولآ إقامة إشراف على تربية الجيل النامى وتعزيز الدعاية للأيديولوجية البرجوازية فى صفوف الشباب و ثانيآ تكوين نخبة من المثقفين يكون من واجبها مساعدة الدول الأفريقية على التطور فى طريق رأسمالى وثالثآ استخدام (الافرقة) لصالح الأمبريالية الأمريكية وتنصيب الأفريقيين (دمى الأستعمار الجديد) الذين يتمتعون بثقة الدوائر الحاكمة الأمريكية فى المناصب ذات المسؤولية فى المجالات السياسية والأقتصادية و العسكرية وان هذا البرنامج نذير شؤم على القارة وهو بكل مقاصده مؤامرة مقنعة ضد الشعوب الأفريقية وان نشاط كل هذه المنظمات يبدو للوهلة الأولى عملآ بريئا و لكن هذه البراءة شئ ظاهرى لا اكثر اما امعنا النظر فى أعمال هؤلاء فانذاك يتضح نظام صمم بإتقان للأعمال التوسعية المنسقة و الموجهة من مركز واحد وايضا بعد سنوات استقلال افريقيا لعبت الشركات متعددة الجنسيات دورا مؤثرا فى صنع السياسات الداخلية والخارجية للدول الإفريقية مستفيدة من مفهوم "الدولة ـ العصابة" الذى كرسته بعض النظم الإفريقية وحركات التمرد التى مولت حروبها عبر استنزاف الموارد الأولية مقابل الحصول على السلاح كما حدث فى لبييريا، وسيراليون، والكونغو الديمقراطية وموزمبيق ولم تؤسس هذه الشركات فى مرحلتى الصراع والسلام فى إفريقيا لعلاقة شراكة اقتصادية بل عملية نقل لأكبر قدر من المواد الأولية التى يحتاج إليها الاقتصاد الراسمالي العالمى دون مساهمة حقيقية فى الاقتصادات الإفريقية التى لم تضع نظمها السياسية استراتيجيات واضحة للعلاقة مع هذه الشركات فى ظل انشغالها بصراعاتها الداخلية وقد مثلت البيئة الإفريقية حيزا ملائما لتحقق فرضية العلاقة بين الصراعات والموارد إذ إننا أمام قارة يشكل فيها النشاط الاستخراجى الأولى القطاع السائد فى الحياة الاقتصادية ولعل أبرزها استخراج المعادن التى يذهب 90% من كمياتها المستخرجة إلى أوروبا خاصة الذهب الذى تحوز إفريقيا على 81% من صادراته العالمية علاوة على النحاس، والحديد، والألومنيوم واليورانيوم والكروم الذى يوجد 90% من احتياطيه العالمى فى افريقيا كما تحتل القارة الإفريقية موقعا مهما فى خريطة النفط العالمية حيث بلغ إنتاج القارة اليومى 9 ملايين برميل حسب تقرير اللجنة الإفريقية للطاقة (أفراك) أى 11% من الإنتاج العالمى أما احتياطيات القارة من النفط الخام فتبلغ 80 مليار برميل أى ما نسبته 8% من الاحتياطى العالمى الخام وتتركز هذه الاحتياطيات نحو 70%)فى نيجيريا، وليبيا، وغينيا الاستوائية ناهيكم عن استخراج الماس الذى تضم مناجم إفريقيا 77% من مجموع ما يوجد منه فى العالم ويضاف إلى ذلك قائمة من الموارد الأخرى المائية سواء أكانت أنهارا أم بحيرات والأخشاب والكاكاو الذى تنتج 70% من إنتاجه العالمى والمطاط والقطن والان يحكم مستقبل العلاقة بين الشركات العالمية والأنظمة الإفريقية اتجاهان أولهما: أن تظل العلاقة كما هى دون ضوابط الشراكة الاقتصادية حيث تستمر هذه الشركات فى عمليات نزح الموارد عبر تحالفها مع كل من الأنظمة السياسية والبورجوزيات الرأسمالية الإفريقية الجديدة المرتبطة بالغرب الرأسمالى أما الاتجاه الآخر فهو تشكل حركات مناهضة فى المجتمع الإفريقى لمنع استنزاف الموارد أو على الأقل إيجاد شراكة اقتصادية تقوم على الضغط للاستفادة من عوائد الموارد الإفريقية فى عمليات التنمية كما حدث فى انجولا فبعد خلافات بين الحكومة الانجولية والبنك الدولى على النسبة المخصصة من عوائد النفط لدعم التنمية فى ديسمبر 2005 وافقت الحكومة على إنفاق 70% من العائدات النفطية على التنمية والاحتفاظ بـ 30% للميزانية العامة ولحد هذه اللحظة التي اكتب فيها هذا المقال لا تزال اكثر من دولة إفريقية ملزمة من فرنسا عبر وثيقة استمرارية الاستعمار بوضع 85% من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي وتحت سيطرة وزير المالية الفرنسي حتى هذه اللحظة لا يزال على الدول الافريقية دفع دينهم الاستعماري الى فرنسا والرؤساء الإفارقة الذين عارضوا ذلك إما يتم تصفيتهم عبر الاغتيالات أو كانوا ضحية للانقلابات عسكريةوإما الخانعون منهم فهم مدعومون وتكافؤهم الحكومة الفرنسية بحياة من الرفاهية والغناء في مقابل أن شعبهم يرزح تحت الفقر المفقع واليأس ادعاءات الغرب بحماية الشعوب الافريقية ليست جديدة فقد كانت الطبقة الحاكمة الفرنسية تبرر وجودها الامبراطوري في قارتنا بادعاء أن لديها مهمة حضارية لتحقيق التنوير والتقدم للشعوب الوثنية عندما كانت افريقيا واحدة من الممتلكات الاستعمارية الفرنسية ومنذ كام يوم عندما استمعت الي تصريح هولاند حول افضال تدخل فرنسا الانساني في "مالي" 2012 انفجرت من الضحك وانا سوف اقول لكم عن سبب ضحكي: "مالي" دولة افريقية منذ استقلالها تعاني من صراعات دائمة وتلعب القوى الامبريالية دورا محوريا في هذا الصراع وبلأخص فرنسا تعتبر أن لها حقا تاريخيا في هذا البلد وترفض تقاسم السيطرة عليه مع أي من بقية القوى الأخرى كالصين والولايات المتحدة الأمريكية وفي سياق هذا الصراع حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منذ 2007 إقناع السلطات في مالي بمحاسن السماح لها بإقامة قاعدة "أفريكوم " لكن الرئيس المالي السابق "أمادو توماني توري" الموالي لفرنسا رفض الاقتناع فأطاحت به الولايات المتحدة الامريكية عبر انقلاب عسكري قام به في شهر مارس 2012 النقيب "أمادو سانغو" الموالي للولايات المتحدة الأمريكية ومن هنا تدخلت فرنسا لفرض تسليم السلطة ل "ديونكوندا تراوري" الموالي لفرنسا والذي تم تنصيبه يوم 12 أبريل 2012 وهذا الأخير اختار عميلا آخر لفرنسا هو "شيخ موديبو ديارا" رئيسا للوزراء لكن المؤسسة العسكرية كان لها رأي آخر فأجبرت "ديارا" على تقديم استقالته وتعيين "ديانغو سيسوكو" بدلا منه ومن من جهة أخرى كانت مالي تشهد صراعا على جبهة أخرى بين السلطات وبين "الطوارق" ولقد عانى "الطوارق" منذ عقود من تبعات التقسيم الاستعماري المصطنع للحدود الذي قسمهم وحولهم إلى مجرد "لاجئين" وهو ما جعلهم يخوضون صراعا طويلا من اجل حقهم في تقرير المصير ولكن بدون نجاحات تذكر إلا أنهم في الآونة الأخيرة استفادوا من التحولات الداخلية والإقليمية التي صبت في مصلحتهم وعلى رأسها ضعف الدولة المالية وسقوط نظام القذافي فبعد الإطاحة بالقذافي استولى الطوارق على كميات هائلة من الأسلحة من المستودعات العسكرية الليبية نظرا لكون الكثير منهم كانوا يعملون في جيش العقيد المخلوع كالفوج التاسع واللواء 32 لذا تمكنوا من مد نفوذهم على مناطق واسعة في شمال مالي والتقت مصالحهم مع مصالح تنظيمات إرهابية بالمنطقة (تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي) وقد كانت الجماعات الإسلامية الرئيسية المتواجدة في المنطقة: القاعدة في المغرب الإسلامي، وأنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا قد شكلت في نهاية 2011 تحالفا في ما بينها تمكن في شهر أبريل من السيطرة على شمال مالي وأغلب المدن مما اضطر الحكومة المالية إلى توقيع اتفاقية هدنة مع تلك الفصائل فتم إعلان قيام دولة "أزواد" المستقلة لكن هؤلاء الطوارق سرعان ما وجدوا أنفسهم رهينة في أيدي تلك الجماعات الإسلامية الرجعية الأكثر تسليحا والأفضل تمويلا وقد أعلن الرئيس فرانسوا هولند إرسال 1700 جندي إلى "تمبكتو" في أفق تعزيز صفوفهم بـ 800 جندي آخرين وكل القوى الامبريالية الأخرى أيدت هذه الحرب بدون تحفظ وأعلنت أنها ستقدم المساعدات اللوجيستيية للقوات الفرنسية من أجل إنجاح هذه الحملة وطبعا لأن المشاركة في تحضير الكعكة يضمن بطبيعة الحال المشاركة في أكلها grin emoticon فألمانيا عبرت عن مشاركتها كما أكدت إسبانيا دعمها للحملة العسكرية وعبر أوباما عن دعمه للتدخل العسكري في مالي ووعد بالعمل مع نظيره الفرنسي "لملاحقة الإرهاب في شمال إفريقيا" ونفس الشيء مع بريطانيا التي أكدت أنها سترسل طائرة استطلاع من طراز "سنتينل" لدعم العمليات الجارية بمالي ولكن مهلا هل حقا محاربة الإرهاب والقضاء على الجماعات الإسلامية المسلحة هو الهدف الرئيسي لهؤلاء؟
كلا على الإطلاق فنفس هؤلاء الامبرياليين هم من يمولون ويدعمون الجماعات الإرهابية مباشرة أو بالوساطة في سوريا وليبيا كما أنهم لم يسبق لهم أن حركوا أصبعا واحدا للاحتجاج ضد الفظاعات التي استمرت تلك الجماعات ترتكبها ضد السكان والمآثر التاريخية تحت شعار تطبيق الشريعة ودعونا لا ننسى أن هذه الجماعات استمرت سنين طويلة متواجدة في "مالي" في تعايش تام مع المصالح الامبريالية هناك فلم نسمع أنها هاجمت مصالح الشركات المتعددة الجنسيات بالمنطق، في المناجم وحقول الغاز وهذا ما أكده "أكلا شكا" المتحدث باسم منظمة شباب الطوارق العالمية في تصريح حيث قال إن "هذه الجماعات [الإسلامية] كانت متواجدة في إقليم أزواد لأكثر من 15 سنة وفرنسا والنخب المالية كانوا يعلمون بهذا لكنهم تساهلوا مع هذه الجماعات إلى أن أصبحت جماعات قوية وفرضت سيطرتها على إقليم أزواد" وليس كل الحديث المنافق عن الديمقراطية ومصالح الشعب المالي سوى خداع لتبرير جريمة التدخل العسكري الامبريالي وإخفاء أسبابه الحقيقية إذ أن هؤلاء السادة الديمقراطيون هم من يتحالفون مع أنظمة مغرقة في الدكتاتورية في المنطقة ويدعمونها ويمولونها: كالسعودية والمغرب والأردن وبقية قبائل الخليج ونفس الشيء في بقية أنحاء العالم فهم من دعم الانقلابات العسكرية في افريقيا وأمريكا اللاتينية ضد أنظمة منتخبة ديمقراطيا كنظام "كوامي نكروما" في غانا و "باتريس لومومبا" في الكونغو و"سلفادور ألييندي" بالشيلي و "هوغو تشافيز" في فنزويلا و "كاسترو" في كوبا كما أننا لم نجد هذا الحماس كله في الدفاع عن الديمقراطية عندما قام النقيب "أمادو هايا سانغو" الذي تلقى التدريب في الولايات المتحدة بتنظيم انقلابه وعمل على إلغاء العمل بالدستور وقمع كل مظاهر الديمقراطية في "مالي" ولهذا فان محاربة الإرهاب ليس هو الهدف ولا تعزيز الديمقراطية هو الهدف ولا الدواعي الإنسانية وإن الهدف من وراء تدخل فرنسا والغرب العسكري في المنطقة هو رغبتهم في أخذ زمام الأمور في المنطقة بين أيديهم فالجميع يعلم أن الشركات الفرنسية موجودة في مالي حيث تستغل مناجم ذهب في الجنوب إلى جانب شركات متعددة الجنسيات أخرى وهناك شركة "توتال" الفرنسية التي تنقب عن النفط في مالي كما أن أغلب الاقتصاد المالي في يد رجال أعمال فرنسيين حيث يوجد أكثر من 6000 رجل أعمال فرنسي ثم إن الجميع يعلم أن مالي بلد يحتل موقعا استراتيجيا في وسط بلدان غرب إفريقيا وممر استراتيجي لفرنسا نحو النيجر البلد الذي يعتبر أكبر ممون لمحطات الطاقة النووية الفرنسية باليورانيوم حيث شركة اليورانيوم في منطقة أرليت بشمال النيجر تغطي أكثر من 80% من حاجيات فرنسا إلى اليورانيوم وإن الماركسيين الافارقة كانوا اول من عارضوا بشدة ورفضوا هذه الحرب الامبريالية علي منذ عقود وكان من بينهم المناضل "توماس سانكرا" وتجربة "سانكرا" السياسية لحد وقتنا هذا ملهمة للشعب البوركينابي وعموم الشعوب الأفريقية فقد ظهر ذلك في شهور المظاهرات التي قادت لإسقاط الرئيس «كومباوري» عندما كانت الرموز المرتبطة بـ«سانكارا» في كل مكان تقريبًا فقد حمل المتظاهرون صوره وصوته المسجل كان يدوي من مكبرات الصوت واقتباسات من خطبه كانت تدرج في الهتافات الشعبية وايضا قيادات المعارضة البوركينابية كثيرًا ما ختموا خطبهم بالشعار الرمزي لحكومة سانكارا الثورية: «الوطن أو الموت؛ سوف ننتصر!» (La patrie ou la mort, nous vaincrons!) و حين سار المتظاهرون «السانكاريون» تجاه مبنى البرلمان الحكومي في يوم 30 أكتوبر ارتفعت شعارات سانكارا المعروفة مثل: «حين ينهض الشعب ترتعد الإمبريالية» وحينها اشارت الصحف الافريقية أن إسقاط كومباوري هو «انتقام أبناء توماس سانكارا» من هم يحملون خصوم كومباوري القدامى الذين يربطون أنفسهم علنًا مع إِرثِ سانكارا الآن هم السلطة أخلاقية معتبرة عززتها الذاكرة الحية لسانكارا لدى الشعب البوركينابي فقد دفع هؤلاء ومعهم ناشطون آخرون تجاه إصلاحات جوهرية في النظام السياسي والاجتماعي وتجاه العدالة في أكبر قضايا انتهاكات حقوق الإنسان والفساد تحت حكم كومباوري وايضا اثناء المظاهرات ضحوا العشرات منهم بحياتهم ومنذ ايام تم فتح التحقيقات حول مقتل الصحفي الاستقصائي "نوربيرو زونيغت" في عام 1998 والذي يعتقد أنه قتل من قِبل حرس كومباوري الرئاسي ولأول مرة تم إطلاق تحقيق قضائي في قضية اغتيال سانكارا وعلى الرغم من ظروف مقتل سانكارا فأفعاله وأفكاره التي قام بها في حياته هي ما يجذب اهتمام الافارقة والعالم الثالث ويتبين لنا صمود إرثه أكثر حين نضع بعين الاعتبار الفترة القصيرة جدًا التي أمسكت فيها حكومته الاشتراكية بالسلطة منذ أغسطس 1983 حتى أكتوبر 1987 يتفق الكثير من الشعب البوركينابي سواء أحبوا تلك الحكومة أم لا أنها جلبت تغيرات اجتماعية إيجابية لبوركينا أكثر مما حصل في خمس وعشرين عامًا سبقتها من الاستقلال الوطني ف حين مسك «المجلس الوطني للثورة» زمام الامور سنة 1983 كان سانكارا نقيبًا في الجيش وعديد من زملائه (من ضمنهم كومباوري حينها) كانوا ضباطًا ولكنّهم أسقطوا الطغمة العسكرية الحاكمة السابقة (military junta) كجزء من ائتلافٍ سياسي واسع تضمن العديد من المجموعات السياسية اليسارية وبعض النقابات العمالية والحركة الطلابية وكان «المجلس الوطني للثورة» وحكومته جذبت مشاركين من القطاعات الاجتماعية المتنوعة و دعمًا قويًا ونشِطًا من الشباب والفقراء وغيرهم من المهمشين وأوضح المجلس الوطني الثوري منذ البداية أن هدفهم ليس فقط القيام ببعض التعديلات في قمة سلطة البلاد وإنما أرادوا أن يحوّلوا البلاد جوهريًا إذ أنها أحد أفقر دول العالم وأقلها نموًا ولكي يؤكدوا قطيعتهم مع هذا الماضي غيروا اسم البلد من «فولتا العليا» وهي تسمية الاستعمار الفرنسي القديمة لمسمى يشدد على الهوية الأفريقية «بوركينا فاسو» أو "أرض الرجال النزهاء" واتخذت سياسات البلاد الخارجية انعطافا حادا بعيدًا عن الانحياز لفرنسا وغيرها من القوى الغربية والحركات والحكومات الوطنية الراديكاليّة الثورية والمناهضة للإمبريالية في أرجاء العالم الثالث دعموا المجلس الوطني للثورة علنًا و أول جوازٍ أصدرته بوركينا فاسو تحت مسماها الجديد أًصِدر رمزيًا لنيلسون مانديلا الذي كان حينها لا يزال مسجونًا في جنوب أفريقيا حين كانت تحت نظام الأبارتيد وقد ودعمت حكومة سانكارا حركات البان الافريكانزيم التي عارضت الهيمنة الغربية علي المستوي القاري اما علي المستوي العاملي فقد أعلن سانكارا أثناء رحلاته لأمريكا اللاتينية تأييده لـ«فيديل كاسترو» وتبنى كذلك نضال الثوريين النيكارغويين في مقاومتهم للتدخل الأمريكي فمن غير المفاجئ إذا أن المجلس الوطني الثوري أثار عداوة فرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الأمم الأمم الامبريالية وقد حاولت عملاء الدول الأفريقية لهذه الأمم بالخصوص الدول المجاورة لبوركينا: ساحل العاج ومالي وتوجو أن تزعزع استقرار حكومة سانكارا وساعدوا الضباط العسكريين المعارضين على القيام بتفجيرات وفي عام 1986 خاضت مالي ضد بوركينا فاسو حربًا قصيرة ولم تكن راديكالية بوركينا فاسو للاستهلاك الخارجي فقط، فمجلس سانكارا الحاكم أوضح أنه على الرغم من أن التغييرات ستتطلب بالضرورة سنوات عدة فهو لن يكتفي بإصلاحاتٍ تدريجية فتعهد سانكارا أن المهمة العليا للثورة هي إعادة البناء التامة لآليات الدولة بأكملها بقوانينها وإدارتها ومحاكمها وشرطتها وجيشها بالإضافة لإعادة هيكلة القضاء والجيش ومؤسسات الدولة الأخرى وهاجم مجلس سانكارا الفساد والاستهلاكية السافرة و أصبح التوفير والنزاهة شعارا المرحلة وأدخلت محاكمات علنية أعدادًا من كبار الشخصيات للسجن في قضايا اختلاس واحتيال وكشف سانكارا عن كل ممتلكاته وأبقى أبناءه في مدارس عامة ورفض أقرباءه الذين أتوا له باحثين عن وظائف في الحكومة وكانت هنالك تغيرات أكثر جوهرية فالمجلس الوطني الثوري هدف لتطوير نموذجٍ سياسي جديد عن طريق تعزيز وتشجيع الروابط القوية ما بين الدولة بعد إصلاحها والمواطنين المحشدين حديثًا وفي أول بث إذاعي لسانكارا كرئيس ناشد الجميع «رجالًا ونساءً، شبابًا أو شيوخًا» بأن يشكلوا رابطات شعبية عرفت بمسمى «جمعيات الدفاع عن الثورة» إذ تنتخب هذه الجمعيات مباشرة مِن قبل مجالس عمومية مفتوحة أمام كل سكان الحي أو القرية التي تمثلها مما أدى لانتشارها بسرعة في أرجاء بوركينا فاسو فقد كانت اللجان المحلية شعبية جدا إذ ملأها أناس من مكانات اجتماعية متواضعة ليس القلة المتعلمة فحسب وقد بدأ التحشيد العمالي الجمعي بعد أسابيع قليلة من بلوغ سانكارا على السلطة وبينما أتت الدعوات الأولية من السلطات المركزية فقد تم تنظيمها على المستوى المحلي في البداية من قبل جمعيات الدفاع عن الثورة وأثناء السنين الأولى اتخذت المجتمعات المحلية المعبأة على عاتقها صفيفا من المشاريع: تنظيف المدارس وساحات المستشفيات ورص الشوارع وبناء سدود صغيرة للحصول علي المياه أو توجيهها في قنوات بغرض ري المزارع وحين يتمكنون من تأمين مواد بناء عمِلوا على بناء مدارس ومراكز مجتمع ومسارح ومرافق أخرى فقد تجاوزت جهود السكان أحيانًا إمكانيات الحكومة وعلى سبيل المثال تم بناء عدد مدارس يتجاوز ما تستطيع الحكومة توفيره من الموارد والعمال وهذا الحراك علاوة على ذلك لم يكن محتكرًا لدى جمعيات الدفاع عن الثورة أو مع النقابات العمالية فقط فقد انبثقت أعداد من منظّمات الدعم الذاتي الاجتماعية في أرجاء البلاد فقد كان الكثير منها لا تربطها أي صلة مباشرة مع الحكومة المركزية وكان سانكارا صريحًا بشأن معتقداته الإيديولوجية ماركسي غير متزمت (دوغماتي) وبحكم أن بوركينا فاسو كانت شديدة الفقر بقدرة صناعية ضئيلة وطبقة مأجورة صغيرة جدًا فقد التزم سانكارا بعدم إلصاق تسميات «الاشتراكية» أو «الشيوعية» على العملية الثورية وإنما قام عوضًا عن ذلك بتأطيرها كـ«ثورة مناهضة للإمبريالية» تركز على محاربة الهيمنة الخارجية وتشييد أمةٍ متحدة وبناء قدرات الاقتصاد الإنتاجية ومعالجة أكثر المشاكل الاجتماعية الملحة لدى الشعب مثل الجوع والمرض والأمية المنتشرة ففي أثناء الأربع سنوات القصيرة من حكم المجلس الوطني للثورة بدأت الأوضاع المعيشية تشهد تحسينات فقد تم إنشاء عيادات صحية جديدة في أرجاء البلاد ومئات المدارس الجديدة وتدشين حملة محو أمية ودعم أكبر للطبقة العاملة وبجانبها تقشف صارم لمسؤولي الدولة (بالخصوص البيروقراطيين رفيعي المستوى) ومعها زيادة الإنفاق العام على التعليم بنسبة 26.5% للفرد ما بين 1983 و1987 وزيادة الإنفاق على الصحة بنسبة 42.3% للفرد فقد ايضا شدد سانكارا على حاجة بوركينا فاسو بتحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي قدر المستطاع وتفادي قبول بمساعدات النمو التي أتت بالتزامات وشروط سياسية وبالخصوص في بلدة قاحلة كهذه فالاعتماد على الذات يعني أيضا اتخاذ سياسات تحافظ على الاستدامة البيئية فتم حفر مئات الآبار الجديدة وبناء خزانات للحفاظ على مصادر المياه الشحيحة في البلاد وتم تعليم المزارعين كيفية مكافحة تآكل التربة وكيفية إنتاج أسمدة عضوية ومعها تم غرس ملايين الأشجار في الريف وبهذا الاهتمام بالبيئة كان سانكارا متقدمًا بشكلٍ ملحوظ على أغلب القادة الأفريقيين الآخرين وكان سانكارا أيضًا سابقًا لعصره في تشديده على حقوق المرأة الافريقية فكثير من البرامج الاجتماعية والاقتصادية تضمنت إجراءات خاصة مثل فصول محو الأمية للنساء وبرامج تدريب الأمومة في القرى الريفية وتوفير الدعم للجمعيات التعاونية والرابطات التجارية النسائية وأنشئت قوانين أسرية جديدة تحدد حدًا أدنى لسن الزواج وتؤسس للطلاق على أساس توافق متبادل وتعترف بحق الأرامل بوراثة أزواجهن وسعت حملات عامة تجاه محاربة ختان الإناث والزواج الإجباري وتعدد الزوجات وفي الوقت التي لم تتخذ فيه إلا نساء قليلات مناصب سياسية أو إدارية عالية في أرجاء أفريقيا الأخرى عينت حكومة سانكارا النساء كقضاة ومفوضات ساميات للأقاليم وكمديرات لمشاريع الدولة وفي كل من حكومتي سانكارا الأخيرتين في 1986 و1987 كانت هنالك خمسة وزراء من النساء إحداهم كانت جوزفين أويدراوغو (وهي حاليًا تخدم كوزيرة عدل في حكومة الرئيس كافاندو الانتقالية) في 15 أكتوبر 1987 نفذ أتباع كومباوري انقلابًا اغتالوا فيه سانكارا واثنا عشرةً من مساعديه وصدم الشعب البوركينابي وأصيب بالذعر وانهار الحشد الشعبي بين ليلة وضحاها وألغى نظام كومباوري في آخر المطاف أغلب السياسات والبرامج التقدمية لعصر سانكارا وأحبطها ولكن الشعب البوركينابي لا يزال يتذكر الخطوات التقدمية لعهد سانكارا في محاولته لتحسين صحة الناس وتوفير التعليم ومبادرات التنمية المبدعة وإجراءات محاربة الفساد النشطة والسياسة الخارجية التقدمية وتشديده على العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وتمكين الشباب ونتيجة ذلك أن أفكار سانكارا تكسب الآن نظرة افريقية شعبية واسعة وهي تستحق ذلك والان يارفاق نحن نحتاج لبرنامج يتضمن فى تخليص القارة من الانظمة ذات السياسات التبعية الغربية و بناء حركات تحرر وطنى على المستوى القارى و التضامن بين الدول الافريقية يكون على اساس الندية وعدم التدخل فى الشئون الداخلية و تحقيق التقدم فى المجلات المختلفة على اساس التكامل بين المشروعات والتعاون فى التخطيط واتخاذ موقف يحمى المصالح الافريقية والمنتجات الافريقية بمزيد من القدرة على المساومة والغاء المعونات الخارجية وصيانة السلم والابتعاد بالقارة عن النزعات العرقية و الطائفية وتوحيد السياسة الخارجية و دمج المنظمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والكتل الافريقية الحالية بعد التخلص من اثر النفوذ الاجنبى ومن سيطرة الاقتصاد الاوروبى ومن القواعد العسكرية الاجنبية (افريكوم) وان تتولى منظمة افريقية عامة حل مشكلات القارة السياسية بدل عرضها على المنظمات الدولية ذات التوجه المسيس وتفتح الابواب الافريقية للاستثمارالمتبادل والاستثمار المشترك فى المشروعات الضخمة التى لا تستطيع دولة وحدها ان تقوم بها وايضا تفتح الاسواق الافريقية للبضائع الافريقية مع التوسع فى عقد الاتفقيات التجارية والملاحية والسياحية وان يتم حصر معاهد التدريب الموجودة فى القارة وترسم سياسة مشتركة لتدعيمها والتوسع فيها لتوفير الفنين الافريقيين وتزداد المنح الدراسية والبعثات الثقافية والطلابية على المستوى القارة وتبدا اجهزة الاعلام الافريقية حملات منظمة تستهدف التوعية باهمية الوحدة الافريقية ومناقشة مايدور حولها على ان يعنى بدراسة الموضوع فى المدارس و المعاهد و الجماعات وان يرفع شعار (وحدة افريقيا) وينبغى ايضا ان يكون مفهوما بين الشعوب و الدول الافريقية ان الوحدة ليست مجرد غاية ينتهى امر كفاح الشعوب والدول بتحقيقها وانما هى وسيلة لغايات اخرى ابعد وتجدد على الايام بتجدد مراحل التطور الافريقى واننا ل فى اشد الحاجة لمواصلة السعى البناء بعد بروز الاطار الوجودى اكثر مما كان قبل تجسيمه فالابقاء على حياة الوليد اشق من الميلاد نفسه.
محمود مجدى

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة أمريكا ومياه النيل أزمة الإسلام، و إسلام الأزمة الموضوع السابقة
تقييم 1.52/5
تقييم: 1.5/5 (50 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع