المقالات والاخبار > مقالات > أزمة الإسلام، و إسلام الأزمة

أزمة الإسلام، و إسلام الأزمة

نشرت بواسطة admin في 17-Nov-2015 15:10 (629 عدد القراءات)
(بين مزدوجين) أزمة الإسلام، و إسلام الأزمة
لن أناقش الموضوع من منظور لاهوتي؛ لأني لست رجل دين، بل سأناقش الموضوع من زواية نظر علوم الإنسان، لكن في البدء يجب أن نؤكد على:- - هناك اختلافات حول رؤية واقع مجتمعاتنا أغلبها تنطلق من الأيديولجية ، ولا تنطلق من العلم. - اللاهوتيون تحديدًا ( رجال الدين و أشباههم) يرون الأزمة في فهم النصوص ذاتها، و عدم تطبيق الشريعة ....إلخ ما يلوكه الخطاب الديني بكل تصنيفاته بشكل عام. - غياب أطروحات علمانية حقيقية ذات طابع راديكالي تتعامل مع الدين، فأغلب العلمانيين هم مجرد مدعين ولا يمانعون حتى من مغازلة تيارات الإسلام السياسي ( البراداعي نموذج، صباحي ...إلخ) في البدء يجب أن نتسم بقدر كبير من الجرأة و نسأل أنفسنا: هل الإسلام في أزمة ؟ و إذا كان كذلك ما هي أبعاد و جذور و مظاهر تلك الأزمة؟ و كيف يتم تخطيها ؟ و إذا كانت الإجابة بـ لا الصراطية فأين تكمن الأزمة إذن ؟ و كيف يتم تخطيها؟ حقيقة موضوعية هامة يجب أن ننتبه إليها ألاوهي: أن التقدم العلمي الهائل وضع الأديان في مأزق كبيرِ جدًا ، هذا التقدم خلق رؤية جديدة للعالم و بالتالي أخرج أسئلة قديمة في ثوب جديد عن وجود الله و الخلق و الإعتقاد ....إلخ يتزايد هذا المأزق بتزايد الإستغلال في منظومة رأس المال، ومع التشيؤ و الإغتراب الناتجين عن سلعنة الأشياء المادي منها و غير المادي( الأفكار، القيم، الأديان نفسها!!....إلخ وعليه تزداد حدة الأزمة الروحية للإنسان، هو يريد أن يبحث عن تفسير لما يراه من عبث، لما يراه من تفاوت طبقي صارخ، و فقر نسبي و مطلق، يريد أن يفسر لماذا هذه الحروب و الصراعات الدامية بين أبناء الشعب الواحد و الدين الواحد، و بين الأمم و بعضها والبعض، إن ما يقدم من إجابات ( هي مزيفة في واقع الأمر) لا تقنع الإنسان المعاصر، وبشكل خاص في مجتمعاتنا، لأنها بفعل تطورها الذاتي و بفعل عوامل موضوعية( خضوعها للاستعمار) تقع في أطراف النظام الرأسمالي لذا باتت تابعة و متخلفة على السواء، ومن ثم يتم إعادة إنتاج التخلف أو تدوير التخلف- بتعبير الزميل سيد البدري- . هذا مدخل يمكن البناء عليه للإجابة عن السؤال: هل الإسلام في أزمة ؟ نعم الإسلام في أزمة ،و أزمته تقع بين مستويين :- الأول: في ذاته= أي في بنيته الثاني: عوامل موضوعية ارتبطت بخضوع العالم الإسلامي للاستعمار و تبعيته للمراكز، و تخلفه الحضاري و العلمي و التقني( التي هي مظاهر وفي ذات الوقت سبب) أولا: في ذاته= أي في بنيته الإسلام كأي دين يعتمد على نصوص مقدسة، من خلال وحي نزل من السماء على قلب النبي( القرآن) و لا يوجد أدنى شك بين المسلمين جميعًا في صحة القرآن و عدم خضوعه للتحريف كالكتب السابقة؛ لأن الله حفظه بحكم أنه الكتاب الخاتم، و أن الإسلام آخر الأديان و أصحها و أعلاها شأنًا. رغم أن مناقشات قديمة بين العلماء و الفلاسفة و اللاهوتيين ( علماء الكلام) حاولت أن تثير ماهية القرآن و الوحي و النبوة، بعضها خلص إلى التشكيك فيها، بل و قال أن القرآن ما هو إلا كتاب بشري صاغه النبي محمد، و أن الوحي ما هو إلا حالة نفسية كانت تتلبس النبي ( يشبه إلهام الشعراء، وهذيان المتصوفة عند الوصول لذروة الإنفعال) ومن هنا كانت الاختلافات التي أخذت شكل دموي، وقمعت سلطة الخلافة الرسمية( أموية كانت أو عباسية،وحتى الدويلات المستقلة) كل إتجاه فكري معارض، و كل إتجاه يشكك في أصول الدين ذاته ،أو يعيد تفسيرها و رؤيتها بعيًدا عن إطارها الرسمي ( فقهاء و علماء الخلافاء و السلاطين) والذين يؤيدون نهب الفقراء وإثقال كاهلهم بالضرائب، بل و يعتبرون أن الفقر قدر، و أن الإنقسام الطبقي هذا يطلبه الإله بل و يعمل على بقائه!! بذا بدأ النص مثار خلاف في تلقيه بين المسلمين، ومن هذه النقطة بدأت أزمة الإسلام، و التي زادت مع تدهور الأوضاع الاقتصادية منذ القرن الخامس ( كان الصليبيون احتلوا الشام بالكامل و يتحينون الفرصة لقضم مصر) وكان العالم الإسلامي برمته في حالة ضعف بنيوي و تقاتل مذهبي و عرقي، و إنقسام الأقاليم مشرقًا و مغربًا، تزامن مع ذلك أزمة فكرية عميقة، سيطرت النخب العسكرية مدعومة من تيارات فكرية رجعية سلفية قمعت كل فكر مبدع، وكل تمرد على ثوابت و قيم وضعها هؤلاء المتسلفة أنفسهم ( كما حدث مع تيار الإعتزال ، و التصوف ، و التشيع، وثلة الفلاسفة و الكلاميين) و يمكن أن نضيف أيضاً من موقع آخر أزمة النمط الاقتصادي-الاجتماعي الذي مثل الإسلام بنيته الفوقية ( الأيديولجية، الدولة ، الشرائع ..إلخ) وهو ما اختلف على تسميته( هل هو نمط إقطاعي لكنه مغاير للإقطاع الأروبي، أم هو نمط إنتاج آسيوي ؟ أم نمط خراجي؟) هناك مجموعة إجتهادات عميقة تعبّر عن ذلك دراسة نمط الإنتاج الذي يمثل الإسلام بنيته الفكرية/ الأيديولجية، أزمة هذا النمط كما يراه عبد الهادي عبد الرجمن في كتابه: سلطة النص، قراءات في توظيف النص الديني ، هي نمط الإنتاج الخراجي – نحت لسمير أمين- يكمن في :- أنه نمط دائري، بمعنٍ أنه يعود من نفس النقطة التي بدأ منها، وهو ما يذكرنا بتحليل ابن خلدون لقيام و سقوط الدول الإسلامية في عصره ( نظرية العصبية) و ما يتلاقي عند ماركس في مفهوم الطبقة، و بنية النمط نفسها تتسم: بغياب الملكية الخاصة، وجود دولة مركزية تنهب الفائض الاقتصادي،الإتكاء على الدين كنظام شمولي يدخل في حياة الفرد و الجماعة منذ الميلاد وحتى الوفاة، مرورًا بالمعاملات و المواريث و الأحوال الشخصية، وهو ما أضاف للأزمة أبعاد أخري ليس من السهولة بمكان فصل الدين عن الحياة في المجتمعات الإسلامية؛ لأن الإسلام بدأ كمشروع سياسي قرشي/ هاشمي عربي، ليتحول بفعل التطور لمشروع عالمي كوني( أممي) وبذا برز النص المقدس (القرآن) كمحور و كبينة شديدة الصلابة داخل الإسلام وزاد معه هذا الكم الهائل من التفاسير و الرؤي و العلوم المتمركزة حول النص، وهو ما ساهم أيضًا في تعميق أزمة الإسلام التي بدأت مبكرًا و كان يتم تجاوزها بفعل دائرية نمط الإنتاج الذي يتربع الدين على بنيته الفوقية. فداعش مثلًا: تمثل رؤية للإسلام ضمن رؤى أخري، هي ليست خاطئة كما يحاول البعض ،خاصة رجال الدين، هي رؤية موجودة داخل الإسلام، وهي أصدق تعبير عن أزمته، وهي ليست جديدة بل لها جذورها في الواقع المادي، ولها تراكماتها عبر قرون عندما تم الإنتصار للمتسلفة وهزيمة العقل( وكان ذلك بفعل عوامل موضوعية اقتصادية و اجتماعية) إذن نخلص أن: أزمة الإسلام نابعة من ذاته كأي دين آخر، ليس إستثناءًا ولكن للإسلام خصوصيته الفريدة – سبق أن نوهنا عنها في مقال سابق- هو مشروع سياسي ، مشروع كلياني للحياة ليس فقط في الدنيا؛ بل و يعد أتباعه –المخلصون منهم- حياة أبدية في الآخرة عبر جنة رسمها بدقة القرآن، و أضاف عليها خيال الناس الكثير و الكثير( تعزية للمسلمين خاصة بعد انحطاط العالم الإسلامي) المسلم المعاصر يقع بين تناقضين ( تناقض ما يقوله الدين، و ما يقوله العلم) فضلًا عن القهر الذي يقع عليه اقتصاديًا و سياسيًا، و انتشار سعار الإستهلاك، كل هذا و غيره يشكل عامل ضغط على الفرد المسلم ؛فيأخذ بالتالي بالدين حتى لو كان الدين لم يقدم له شيء، بمعنى آخر تحول الدين إلى هوية أو حصن يمنع المسلم من السقوط في بئر العبثية و الخواء الروحي ، و عزاء بسبب الحرمان المادي و اللذائذي؛ الناتج عن أزمة النظام الرأسمالي ذاته. ثانيا: العوامل الموضوعية المستوى الثاني لرؤية أزمة الإسلام: هو عوامل موضوعية تجادلت مع العامل الذاتي الذي تحدثنا عنه في النقطة السابقة، وتتلخص هذه العوامل في : خضوع العالم الإسلامي للاستعمار العسكري/ الكونيالي، فالإمبريالية ( رأسمالية الدولة الإحتكارية) فالإستعمار الجديد/ الإمبريالية الجديدة عبر العولمة، تخلل هذه المراحل بعض الإستقلال النسبي، ومحاولة إقامة مشاريع نهضوية ذاتية، لكنها جميعًا منيت بفشل ذريع ( في مصر مثلا: محمد علي و عبد الناصر) جاء الإستعمار وكان العالم الإسلامي يعيش نزعه الأخير في ظل آخر إمبراطوريات العصور الوسطى( العثمانيون، الصفويون، الحجاز) ذات البنية الإقطاعية أو الخراجية، لأن العالم الإسلامي ظل قرونًا طويلة يغط في نوم عميق كما ألمحنا سابقًا، أبقى الإستعمار ثم الإمبريالية على الهياكل و البنى التقليدية و أعاد خلق البنية الاجتماعية و الطبقية بما يتناسب مع متطلبات نهب الفائض، ورسملة المجتمع لخدمة المركز أو المتربول،ولذلك كان من السهل أن تقوم هذه البني المتخلفة ضمن منظومة رأس المال في الأطراف أن تقوم بإنتاج الأفكار و القيم المتخلفة و الإ‘بقاء على النظام الاجتماعي السائد- بحجة أن ذلك إرادة الله- و يفسرون الخضوع للاستعمار كإبتلاء لأن الله غاضب علينا بسبب تفريطينا في كتابه و شرائعه!! تناسوا أن الأزمة كانت قبل الاستعمار، منذ وفاة الرسول نفسه ، وما حدث في السقيفة!! ولهذا أعاد الاستعمار بشكل مباشر أحيانًا و غير مباشر أحيانًا أخرى إنتاج الدين ليكون أداة للهيمنة و البقاء على النظام، ولم يمنع ذلك بروز حركات دينية مقاومة ( المهدية في السودان، السنوسية في ليبيا، الحوزة العلمية في إيران ودورها في الثورة المشروطية ....إلخ) لكن هذه الحركات كانت تجابه بالرفض ويتم قمعها ومحاصرتها و تصفية أعضائها لأنها كانت تهدد الإمبريالية (كما يحدث مع حزب الله، وحركات مقاومة فلسطينية ذات صبغة إسلامية) وكان يتم تشويه هذه الحركات و إتهامها بالمروق عن الدين الحنيف كما حدث مع المهدي في السودان، رغم أن الحركات هذه تمثل وجه آخر للإسلام، عندما تكون هناك حركات ممالئة أو يمكن الإستفادة منها يتم إبرازها و مساعدتها لكافة السبل و الترويج لها( القادينيون كمثال : وهم أتباع ميرزا غلام أحمد القادياني الهندي الذي دعى إلى عدم مقاومة الإنجليز في الهند، و الإخوان المسلمون نموذج آخر: كانوا على صلة وثيقة بالإنجليز و الملك ثم الأمريكان فيما بعد) أي أن هناك إسلام مقاوم يجب القضاء عليه و تدجينه و قمعه، و إسلام مهادن يتم التعامل معه و تثبيت أركانه وهو الأخطر في الموضوع، فهذا هو ما يعيد تدوير و إعادة إنتاج التخلف بإشراف المستعمر، فلا نستغرب داعش و علاقتها بأمريكا وغيرها من دول المراكز( تحولت هذه الجماعات لجماعات وظيفية لتخريب المجتمعات على كل الأصعدة) وهذا هو جدل الذاتي و الموضوعي بين أزمة الإسلام ذاته، و بين واقعه الموضوعي قديمًا و حديثًا. أرجو ألا تغضبوا عندما نقول أن الإسلام في أزمة، و أن مظاهر هذه الأزمة بادية للجميع ( مجتمعات تتهالك، تردي و تخلف على كافة الأصعدة، انهيار منظومة القيم ، وشعور بالضياع و غياب المعنى و الهدف، تخلف و تبعية، هزائم وهيمنة من الخارج، تفاوت طبقي وظلم اجتماعي وإستبداد سياسي، وتدني فكري و أدبي و فني، والأخطر هو ذلك التقاتل المذهبي و الطائفي و الأخطر من هذا وذاك بقاء فلسطين خاضعة للإحتلال الصهيوني بما في ذلك مقدسات ترتبط بأسس الدين نفسه ) ولذا جاء الإسلام السياسي كإسلام أزمة و ليس لحل الأزمة، لأنه هو جزء من الأزمة بإعتباره حصان طروادة الذي يركبه الغرب الاستعماري للولوج مرة أخرى إلى مجتمعاتنا. لن يتم تخطي الأزمة في مجتمعاتنا إلا ببروز تيارات علمانية راديكالية تقطع مع هذه الماضوية السائدة في مجتمعاتنا، و تفكيك هذه البنى التقليدية ، و إجراء مناقشات جريئة و جادة، مهما كلف ذلك، حتى لو كانت الحياة ذاتها. نظرنا للموضوع بشكل عام، و مبتسر في بعض جوانبه، بسبب بعض القصور، ولكن ذلك سيتبلور بشكل أعمق في كتابنا: بنية التخلف في مصر، رؤية ماركسية.
ممدوح مكرم
باحث في العلوم السياسية أبنوب في: 17 تشرين ثان 2015 م

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة أفريقيا منذ قرن أمريكا وداعش الموضوع السابقة
تقييم 1.96/5
تقييم: 2.0/5 (56 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع