المقالات والاخبار > مقالات > المنظمات الأهلية

المنظمات الأهلية

نشرت بواسطة admin في 21-Mar-2016 13:30 (420 عدد القراءات)
المنظمات الأهلية
(جمعيات حقوق الإنسان الممولة من الرأسمالية الاستعمارية)
أحمد عبد الحليم حسين
- تغلغلت أيديولوجيات العولمة والأمركة لا فى الطبقات والفئات الحاكمة فحسب ، بل أيضا فى المثقفين المصريين والعرب ، فانجذب الكثيرون للعمل تحت شعار وفى منظمات المجتمع المدنى الممولة أمريكيا وأوروبيا ، وهى المنظمات التى قامت بدور كبير فى الترويج لما يريد الاستعماريون بالضبط ترويجه باستثناءات معدودة. وقد أتاح المناخ الفكرى المشوَّش فى صفوف الوطنيين والاشتراكيين الذى ساد عربيا وعالميا مع سقوط الاتحاد السوفيتى وغيره من الدول الموصوفة بالاشتراكية ، فرصا ذهبية لانتشار الأفكار الاستعمارية والصهيونية فى بلادنا تحت عناوين القرية الصغيرة وعصر المعلومات والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن مقارنة بسيطة بين موقف الوطنيين المصريين من مسألة التمويل الأجنبى للأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية فى عقد التسعينات وحتى الآن وبين موقفهم المبدئى الحازم الرافض له حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضى تدل بحد ذاتها على فقد الحدود أو الصفات التى تميز المواقف المبدئية الوطنية أو الثورية عن المواقف غير المبدئية المناظرة لها. ورغم أن عالمنا العربى كان المثل الأول الدال على حقيقة "النظام العالمى الجديد" والقرية الصغيرة وحقوق الإنسان وتعميم الديمقراطية ، عندما استولت الجيوش الأمريكية فى بداية التسعينات على دول الخليج العربية وفرضت الحصار على العراق بعد تدميره بحجة تحرير الكويت وحمايته ، فإن المشهد الثقافى والسياسى الغالب فى مصر والعالم العربى ظل حتى احتلال العراق ولا يزال إلى الآن مشهدا ليبراليا استعماريا ، طُمست فيه المضامين والحقائق الأساسية للنظام الإمبريالى العالمى المتجدد والمتوحش. وبات الحديث عن الاستعمار والإمبريالية والتبعية واحتجاز تطور العالم الثالث والأطماع الاستعمارية والتآمر الأمريكى الصهيونى على بلادنا ، وإسرائيل الكيان الصهيونى المغتصب (السارق) لفلسطين ، بات كل ذلك من مخلفات عصر مضى وانقضى. وفى ظل هذه الحالة من غيبوبة العقل العربى ، رُوِّج لأمريكا كمنارة للديمقراطية ورائدة للتقدم العلمى والإنسانى وحماية حقوق الإنسان. وتسابق كثيرون على تأكيد حق أمريكا وحلفاء الأطلسى أكبر مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فى التاريخ (كوسوفو والبوسنة والهرسك وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا وشيلى ...) فى التدخل فى الشئون الداخلية لدول العالم المستضعفة والقبض على مناوئيهم وخصومهم ومحاكمتهم كمرتكبى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، حتى غدا عدوان أمريكا العسكرى على إحدى البلدان لتجريدها من الأسلحة النووية ومنع الآخرين من امتلاكها بالقوة حقا مشروعا فى نظر الرأى العام العالمى.
- إن المنظمات الأهلية الممولة أجنبيا ، والتى تتبنى أجندات صغيرة قد تكون فى حد ذاتها أحيانا صحيحة لكنها تستهدف حجب وعى واهتمام الجماهير بالقضايا الكبرى والروابط الجامعة لأبناء الشعب الواحد أو الأمة الواحدة أو الطبقة الاجتماعية الكادحة والمستغَلة ، وخلق ولاءات للجهات الممولة التى تقف وراءها حكومات ومخابرات وشركات الدول الاستعمارية المعادية لشعبنا. إن هذه المنظمات المؤسسة على غير أساس طبقى بل على أساس رأسى يجمع الأغنياء والفقراء تؤخر تشكيل أحزاب وطنية وشعبية واشتراكية تدافع دفاعا سياسيا واقتصاديا عن مصالح طبقاتها التى تمثلها. وتجزئ القضايا الكلية المصيرية التى تحتاج إلى كفاح جماعى سياسى واقتصادى ونقابى وتؤخر نهوض حتى الحركة المطلبية الجماعية وإن كانت حول مطالب اقتصادية نقابية مباشرة ففى ظلها يتطور الوعى الجماعى والاستعداد للعمل السياسى ، لأن الجماهير وهى تكافح كفاحا جماعيا ستكتشف أن أسس استغلالها يكمن فى السياسة والحكم. وستعى ضرورة التنسيق بين المبادرات العفوية غالبا والمنظمة أحيانا لتوحيد حركة الكفاح العمالى والجماهيرى لرد مظالم ونهب الرأسمالية العالمية والمحلية الكومبرادورية (عملاء وشركاء وسماسرة الاحتكارات العالمية).
- عندما كشفت الوزيرة فايزة أبو النجا بعد أحداث انتفاضة 25 يناير 2011 "المنظمات الحقوقية" الأجنبية التى تعمل داخل مصر دون الحصول على ترخيص من الخارجية المصرية أو وزارة التضامن الاجتماعى وقانون الجمعيات الأهلية وتلقت الأموال من جهات أجنبية وإنفاقها على أنشطتهم دون موافقة الحكومة المصرية وتم إحالتهم إلى المحاكمة ومنعهم من السفر وكان بينهم ستة مواطنين أمريكيين فلجأ هؤلاء إلى السفارة خشية اعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم ثارت الإدارة الأمريكية وهددت بقطع المعونات العسكرية والمدنية التى تقدمها لمصر وقدرها 1.3 مليار دولار إلا أن تفرج السلطة (وكانت للمجلس العسكرى برئاسة المشير طنطاوى) عنهم ، فامتثلت السلطة للتهديد الأمريكى وغادر الأمريكان المتهمون السفارة إلى المطار فى سيارات تابعة للسفارة الأمريكية وعليها 13 متهما أجنبيا من بينهم الستة الأمريكيين ونقلتهم طائرة عسكرية أمريكية لبلادهم. هكذا فى صفاقة استعمارية وخضوع سلطوى مصرى مهين وظهر المشير ولا مشير ولا حاجة. مشير على الشعب فقط.
- عرفت مصر المنظمات الأهلية التى ارتبطت بفكرة الوطنية والاستقلال وكانت تعتمد فى الأساس على التبرعات المحلية والهبات والاشتراكات وهى فى أغلبها منظمات اجتماعية لرعاية الفقراء والمرضى والأطفال وكان يقوم بها رجال ونساء وهبن نشاطهم للعمل الخيرى غير المأجور (مثال مستشفى العجوزة وجامعة القاهرة وغيرها). لكننا فوجئنا بمؤسسات مثل "فولبرايت" و "فورد" و "راند" وغيرها تمطر أموالا ومنحا دراسية على مجتمعنا بشكل غير مسبوق ، لتخريب الوعى العام وتجزئ القضايا السياسية والاجتماعية المرتبطة بمضمون الطبيعة الطبقية للسلطة الرأسمالية الحاكمة الخاضعة للإملاءات الاستعمارية والصهيونية ، وعليها قامت منظمات تتلقى هذه الأموال لتحقيق الأغراض المرسومة بعناية لعمل تلك المنظمات الممولة أجنبيا. وأدرجت بعضها قضايا مريبة مثل حقوق أهل النوبة ، حقوق الأقباط ، وغير ذلك من أغراض تدمر المجتمع والدولة المصرية ذات السبعة آلاف سنه. وهذا لا ينفى وجود مشكلات تخص هذه الموضوعات. لكن من يطرحها ويعالجها ؟ أمريكا ومنظماتها والمنظمات الأوربية التمويل أم الأحزاب والقوى السياسية المصرية والمثقفين الوطنيين والثوريين المصريين ؟ وما معنى "الديمقراطية" التى تدَّعى أمريكا إشاعتها فى مجتمعات العالم الثالث أمام المشردين والمرضى الذين لا يجدون العلاج فى المستشفيات العامة والذين ينامون على الأرصفة وتحت الكبارى وفقراء الفلاحين الذين يقصم ظهرهم ملاك الأراضى والعمال فى القطاع غير الرسمى (غير المراقب من السلطة لتوفير التأمينات الاجتماعية والأجازات والعلاج والأجور العادلة). تلك الأسئلة لم تكن عائقا أمام الدعوات المحمومة لمزيد من التدخلات الخارجية تحت لافتة دعم الحريات والديمقراطية حتى بدت فكرة منظمات المجتمع المدنى وكأنها النقيض لوجود الدولة التى يجب تغيير مضمونها الطبقى وتحويلها سلميا وثوريا فى آن واحد لتصب فى مصالح الفقراء والمهمشين. إن مراكز إنتاج الأفكار الاستعمارية الخبيثة المصفَّاه استخباريا تحجب الأسئلة الوطنية الشعبية المطروحة على أجندة تطور بلادنا للإجابة عنها وتحل محلها أسئلة المانحين.
- تقدمت 600 منظمة مصرية بطلبات للحصول على منح أوربية حيث يقدر حجم التمويل للمؤسسات غير الحكومية المصرية بـ800 مليون يورو سنويا (يعنى بمعدل كل منظمة تحصل على أكثر من مليون يورو سنويا يعنى عشرة مليون جنيه مصرى) ، وتحت المتاجرة بحقوق الإنسان تكسَّب الكثيرون من العاملين فى هذا الحقل وتحولوا إلى مليونيرات فى سنوات قليلة وتحول الأمر من واجب وطنى لخدمة المجتمع إلى بيزنس وربما كان هذا الكسب السريع هو ما رفع عدد الجمعيات والمؤسسات الأهلية من 25 ألفا إلى 47 ألفا فى الثلاث سنوات الأخيرة فقط. (أهرام 8/12/2013). الأمر الذى يدعونا إلى وقف ومنع التمويل الأجنبى تماما عن الجمعيات والمنظمات الأهلية وعن الحركات السياسية تحت أى اسم وتجريمه وعدم الإنصات (وطبعا عدم الخوف) من رد الفعل الأمريكى الأوروبى الاستعمارى. وعلى الذين يريدون الانخراط فى العمل العام الاجتماعى أن يجمعوا حتى لو القليل من المال لمباشرة أعمالهم والضغط على الدولة المصرية بمنحهم المساعدات كما تعطيها للمصدرين الرأسماليين وكما تدعم أسعار الغاز لاحتكارات الحديد والأنشطة الاقتصادية الأجنبية الأخرى على الأرض المصرية. الاعتماد على الذات هو الدعوة التى نأمل انتشارها بين أوساط المهتمين بالعمل السياسى والاجتماعى والنقابى لتنطبق على الاقتصاد والسياسة والاجتماع ومنها العمل الحقوقى والإعلامى مع فضح زبائن أمريكا وأوربا وإسرائيل.
21/3/2016

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة معاهدة السلام مارس 1979 والتطبيع علم السعودية يرفرف على أرضنا ومياهنا الموضوع السابقة
تقييم 1.86/5
تقييم: 1.9/5 (44 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع