المقالات والاخبار > مقالات > أدوات الهيمنة الأمريكية على العالم

أدوات الهيمنة الأمريكية على العالم

نشرت بواسطة admin في 13-Aug-2016 04:30 (240 عدد القراءات)
أدوات الهيمنة الأمريكية على العالم
- تقدم أمريكا نفسها للعالم على أنها أقدم ديمقراطية فى العالم من حيث أنها ترحب بالجميع ، فتُنسى شعوب العالم أنها ما قامت إلا على أشلاء إبادة الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة ،وأنها أم الحريات ورمزها الشهير تمثال الحرية الذى يتوسط مدينة نيويورك ، خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية ، ثم من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى فى حرب الخليج وحرب كوسوفو ، وكانت انتصاراتها – كما تدعى – باسم المبادئ الإنسانية وضد أنظمة متسلطة وديكتاتوريات عدوانية ، وببلوغها ذروة عظمتها العسكرية ، باتت أمريكا الآن القوة العظمى الوحيدة التى تسيطر بهدوء على العالم كما لم يسبق لأى دولة أو إمبراطورية أن سيطرت فى التاريخ. وبصعودها الاقتصادى والعسكرى والسياسى توحى بأن الله حتما كان مع أمريكا الأمر الذى يبرر طبعها لشعار "الله معنا" على أوراق نقدها. ألا تقود العولمة الإمبريالية؟ وفى كل الأصقاع يتم تبنى أو الرغبة فى تبنى نموذجها فى الإدارة ونصوصها القانونية وتقنياتها التجارية وإرشاداتها فى الاتصالات وطبعا نجومها وأساطيرها. وفى كل المجالات تبسط الشركات الأمريكية – من مايكروسوفت إلى ياهو إلى والت ديزنى – نجاحاتها الباهرة. وبفضل حملاتها الدعائية البارعة تقتحم هذه الشركات العالم مع انسحاب للمنافسين الدوليين ، وتنجح إستراتيجيات الإقناع التى فى حوزتها فى الهيمنة.
- إن افضل أنواع الهيمنة هو الذى يبقى فيه الخاضع للهيمنة غافلا عما هو فيه (مصر نموذجا) فما أن ولىَّ زمن الفتوح العسكرية حتى يأتى التحكم فى الأذهان وذلك بتدجين النفوس. ولا شك أن أمريكا التى مارست الإبادة الجماعية ضد الهنود الحمر والاستعباد ضد السود الأفارقة فى بلادها والتوسع ضد المكسيكيين باقتطاع جزء من أرضها باتت تطمح بعد ما أرهقتها هذه الوحشية البالغة إلى ترسيخ صورتها سلميا فى رءوس كل من ليسوا أمريكيين والى اجتذاب القلوب ، فى نفس الوقت تُخفى توحشها بوسائل التضليل وتدجين الشعوب الضعيفة.
- تذيع الولايات المتحدة على المخدوعين أسبابا تاريخية وحاضرة أيضا لهيمنتها : 1- أنها أُنشأت نتيجة أول ثورة ديمقراطية هى ثورة عام 1776 التى سبقت الثورة الفرنسية بثلاثة عشر عاما 2- باستثناء إنجلترا فى القرن الثامن عشر التى كانت تحتل أمريكا وأسبانيا فى أواخر القرن التاسع عشر التى كانت تحتل أجزاء منها ، لم يحدث أن حاربت أمريكا دولة أوروبية ، إذن على هذه الدول ألا تنكر جميلها وان تُخضع تطورها لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم 3- أنها فى الحربين العالميتين الأولى والثانية تصرفت على أنها صديقة للقارة العجوز وذلك عبر مشاركتها الحاسمة إلى جانب الحلفاء ضد النازية والفاشية.
- حسمت أمريكا الحرب الباردة بالضربة القاضية ضد الاتحاد السوفيتى بإسقاطه وتفكيكه بسقوط حائط برلين ، وإقامة الديمقراطية الأمريكية فى دول أوروبا الشرقية الساقطة أنظمتها الاشتراكية كتوابع للسقوط السوفيتى ، مما أثار غضب شعوبها بعد اكتشافهم وهم الديمقراطية والحرية على الطريقة الأمريكية حيث اتضح لهم انها حريات رأس المال وتوحش الرأسمالية والانقضاض على مكاسب عمالها وفلاحيها بل وطبقاتهم المتوسطة ، ورغم هذا الوعى الجديد المتأخر لم تستطع شعوب هذه البلاد ان تقترح نظاما سياسيا اقتصاديا اجتماعيا جديدا بديلا للنظام الرأسمالى الاحتكارى المعولم المعاكس لمصالح طبقاتها العاملة ، فازدادت وتأكدت الهيمنة الأمريكية ، فمن الناحية العسكرية فهى القوة النووية الأولى رغم اللحاق الروسى بعد ذلك وبعض الدول الأخرى كالصين والهند ، وهى القوة البحرية الأولى حيث تملك أساطيل فى كل المحيطات والبحار وهى الوحيدة التى تحظى فى جميع القارات بقواعد عسكرية وقواعد للتنصت والإمداد. يرافق ذلك تمُّلك سلسلة من وكالات الاستخبارات وينشط جواسيسها فى كل مكان وزمان ، ترصد وتقرر وتفعل أو تمنع ، ولا يسرق جواسيسها أسرارا دبلوماسية وعسكرية فحسب بل أسرارا صناعية وعلمية وتكنولوجية ، وتحول دون أى تجاوز لها فى هذه المجالات بالمنع القسرى أو المنح برشوة الحكام والاختصاصيين. بحيث صارت لأمريكا مصالح فى كل مكان وتتحكم فى مجمل السياسة الدولية عن طريق تحكمها فى مجلس الأمن ومنظماته الاقتصادية صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للإنشاء والتعمير ومنظمة التجارة العالمية.
- لماذا لا يثير هذا التفوق الكاسح فى المجالات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية مزيدا من النقد أو المقاومة؟ لأنها تمارس فضلا عن كل ذلك هيمنة فى الحقلين الثقافى والأيديولوجى وصارت تمارس ما يمكن تسميته "هيمنة الجاذبية" ، فهى تفرض لغتها ومفاهيمها وتفسيراتها ، ومن أجل ذلك تمتلك عددا من مؤسسات الأبحاث "خزانات التفكير" يعمل فيها الآلاف من المحللين والخبراء لتنتج المعلومات فى المسائل القانونية والاقتصادية والاجتماعية الملائمة لتوجهات العولمة الإمبريالية والنيولبرالية وتحكم المراكز الرأسمالية الأمريكية (بنوك وبورصات) والمراكز الرأسمالية فى أوروبا أيضا. ويعمل لحسابها فى بلاد العالم الثالث "خدام" يروجون لتوجهاتها فتنشئ لهم مراكز أبحاث وجمعيات حقوقية وخيرية نظير أموال أو مناصب والبعض يكتفى بالرضا العام آملا فى خضوع قادم مقبول.
- وهكذا تمارس أمريكا هيمنتها مستعينة بكل هذه الأدوات وبالتواطؤ الإيجابى أو السلبى الغافل من جانب المهيمن عليهم لتحقق ما يمكن تسميته بـ "القمع الخفى" او الاستبداد المستلذ. لقد زرعت أمريكا بين برجوازيات العالم الثالث بل والأغرب بين الجماهير سعار الاستهلاك ، بحيث تقيَّم الأسرة أو الفرد بقدر ما يستهلكه من الطعام والشراب ومستوى السكن ونوع السيارة وأين يتعلم أولادهم وبماذا يتثقفون ، وصار الـ "مول" أى المركز التجارى مركزا لإلغاء العقول بعرضه جميع أنواع الاستهلاكات ووسائل الترفيه الأخرى ، يزدحم بالأغانى والماركات والإعلانات واختراع الأعياد والمواسم تصحبه لغة ساحرة عن حرية الاختيار وقرار المستهلك المستقل وان تنوع الفرص يحقق هذه الحرية كما تتحقق حرية الشعوب بتنوع صور الخضوع من قبل الحكام. وتلتوى الألسنة المحلية بلغة المهيمن وعاداته وتفضيلاته رافعة شعار "قل لى ماذا تملك اقل لك من أنت" ، لكن بعض النابهين من المثقفين يرددون : نحن لا نملك ما تملكون لكن نملك الإرادة والعقل والفكر والنظرية العلمية لكشف زيف المجتمع الأمريكى أو المتأمرك وكشف تواطؤ حكامنا معكم على هيمنتكم ، وكشف تغيير خطط العدو الرئيسى لشعبنا وشعوب العالم الثالث من القوة الفاحشة الظاهرة إلى القوة الساحرة المخفية ، فالعدو جاء يسعى إلى إخضاعنا بالترنيم والابتسام والخداع يعنى برضانا الشخصى والمراهنة على خضوع حكامنا ومشاركة رأسماليينا فى اللعبة من جانب وتعطشنا للملذات من جانب آخر.
- شاعت فى أوساط الإعلاميين والصحفيين وكل من يعتلون منابر التوجيه الاجتماعى وغرس ورعاية الأفكار الاستعمارية ألفاظ مثل: العولمة – الحاكمية – التكيف الهيكلى – القابلية للتوظيف – النمو – التنمية – التعددية السياسية والثقافية – الآخر – الهوية – الأقلية – العرقية – تمكين المرأة. وادى انتشار هذه اللغة الكونية التى تغيب عنها فى شكل واضح ألفاظ مثل: الرأسمالية – العمال – الفلاحين – الطبقات – التحرر الوطنى – الصراع الطبقى – التفاوت – الاستغلال – التأميم باعتبارها مفاهيم قديمة تجاوزها الزمن الذى صار أمريكيا صهيونيا ، وصارت النضالات الاجتماعية والمنظمات الكفاحية ملفوظة ومستبعدة ، والمشكلة ان هناك ممن كانوا مناضلين يساريين ، يتشاركون فى إنتاج المصطلحات الاستعمارية ورغم ذلك يدعون استمرار يساريتهم وعند التحرى والبحث ستجدهم أصحاب دكاكين من دكاكين حقوق الإنسان والمرأة والأقليات ويساهمون بذلك فى تشظِّى النضال الجماعى لوحدة القضية رغم تعدد صورها ووحدة الوطن والطبقات المضطهدة فيه. وهذا أحد وجوه "الإمبريالية الثقافية".
- العولمة التى تتحجج بها دولتنا ودول العالم الثالث الخاضعة للهيمنة الأمريكية الصهيونية لتبرير خضوعها الطوعى لرأس المال العالمى والأسواق المالية وتخليها عن قيم الاستقلال الوطنى والاعتماد على الذات والتحالف مع من تحرر من هيمنة أمريكا وأوروبا الإمبريالية مثل الصين وفيتنام وكوبا وفنزويلا وبعض دول أمريكا اللاتينية الأخرى وإقامة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية متينة معها كبديل عن العولمة او كعولمة بديلة لصالح الشعوب يصاحب هذا الخضوع بل ويسبقه تفكيك متعمد للدولة الاجتماعية ودورها فى خدمة الطبقات الشعبية والتوجه لتحقيق مصالحها ، وتضخيم مؤسسات العقاب والقهر (الجيش والشرطة والقضاء والسجون) وسحق الحركات النقابية عمالية ومهنية وللمنظمات والجمعيات السياسية المستقلة.
10/8/2016

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة هل السعودية تحكم مصر؟ عن المنظمات الحقوقية الممولة خارجيا وأهدافها الموضوع السابقة
تقييم 2.18/5
تقييم: 2.2/5 (22 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع