تجارب عسكرة مصر

نشرت بواسطة admin في 01-Sep-2016 14:40 (132 عدد القراءات)
تجارب عسكرة مصر الفاشلة تاريخيا
أحمد عبد الحليم حسين
- أخرج حكم محمد على باشا (1805-1841) مصر من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة. ففى بضع سنوات أدخل الصناعة وإن كانت مخصصة لسد احتياجات جيشه الجديد ، وبنى السدود (القناطر الخيرية) وشق الترع والمصارف واستحدث زراعة القطن كمحصول نقدى تعبيراً عن بواكير التوجه الرأسمالى ، ثم توجَّه لتأسيس إمبراطورية مصرية فغزا سوريا ولبنان وفلسطين ، وأنزل جيشه فى قلب الجزيرة العربية لتهزم الوهابيين 1815 وتأسر عبد الله بن سعود الذى قُيد فى الأغلال واقتيد إلى إسطنبول لتقطع رأسه هناك ثم تهدم "الدرعية" عاصمة الوهابية ، ويلغى الباشا التفرقة الدينية إزاء الأقليات غير المسلمة ، مع تطوير التعليم على أساس شبه علمانى ويعزل مشايخ الأزهر المناوئين لإصلاحاته ، ويقوم بتحديث الإدارة ، حيث ألغى نظام المماليك الإدارى القديم وأنشأ جهازا مركزيا للدولة واستحدث الدواوين (الوزارات) مثل الحربية والتعليم (أنشأ مدرسة الطب والألسن والحربية) والداخلية والخارجية انتهاء بتقسيم مصر إلى مديريات ومراكز وعمديات ومشيخات داخل العمديات. وأوفد البعثات إلى فرنسا وإنجلترا وافتتح أول جريدة رسمية باسم الوقائع المصرية. وسار الخديوى إسماعيل حفيد الباشا الكبير على خطى جده فى إقامة قاعدة اقتصادية وزيادة الإنتاج الزراعى وحفر مزيدا من القنوات وحدَّ من السخرة والرِّق وجعل التعليم مجانيا وأسس مدارس للبنات (المدرسة السنية) كانت الأولى من نوعها فى الإمبراطورية العثمانية ودشَّن النظام النيابى بإنشاء مجلس شورى النواب وإن بدأ استشاريا واستخدمه فى الدفاع عن حقوق مصر إزاء سلطان الباب العالى وإزاء ديون مصر للمصارف الأوروبية وأصدر "اللائحة الوطنية" باعتبارها أول دستور نيابى فى مصر. لكن منُى مشروع محمد على وإسماعيل وتطوراته بالهزيمة عام 1882 حيث تم احتلال مصر من قبل بريطانيا العظمى.
- كان السند الفكرى القائم عليه المشروع الأول لتطوير مصر يقوم على أساس تحديث "المجتمع الإسلامى" بالتوفيق بين قيم التقدم الحديثة والقيم الإسلامية فى إطار من الحكم الأوتوقراطى وفى غياب طبقة برجوازية تحمل أعباء المشروع اقتصاديا وفكريا وتطرح مشروعا رأسماليا يقاتل ثم يهزم الدولة الإقطاعية شبه العسكرية (من حيث أوامرية التطور) ، ذلك أن الرأسمالية العالمية الأوروبية البازغة كانت قد دخلت مرحلة الإمبريالية ولم تكن تسمح بقيام رأسماليات منافسة فى المستعمرات وأشباهها. من جهة أخرى كان من مصلحة بريطانيا وأقطاب الاستعمار العالمى الأخرى تطوير هذه المستعمرات لصالح تطور بلادها هى لا لصالح تطور المستعمرات. فإلى جانب إدخال/فرض علاقات الإنتاج الرأسمالية الفوقية من دون تطور داخلى طبقى تحتى سمحت بتوارى تيار أسلمة الحداثة الذى رفع لواءه الطهطاوى ومحمد عبده والكواكبى لصالح نزعة القبول بشكل مطلق للفكر الأوروبى (الغربى) وللسياسة الأوروبية ونظمها السياسية ، تمثل ذلك فى بزوغ تيار القومية المصرية الليبرالية بقيادة أحمد لطفى السيد وسعد زغلول وطه حسين ومعهم "حزب الأمة" حاملا شعار أن ما يجمع المصريين ليس الشريعة الإسلامية وإنما صلة العيش المشترك فى وطن واحد وهو ما ندعوه اليوم "المواطنة" ، فى هذا الجو أصدر الشيخ على عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم 1925 ، ثم أصدر طه حسين "فى الشعر الجاهلى" عام 1926 الذى استخدم فيه منهج الشك الديكارتى ، وشكك فى الوجود التاريخى للنبى إبراهيم ورأى أن توجه مصر الثقافى يجب أن يتوجه إلى شمال البحر المتوسط فى أوروبا خاصة اليونان وفرنسا ورأى أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوروبى ولم تخرجه عن يونانيته (الفلسفة الإغريقية) فيجب أن لا يغيرِّ الإسلام العقل المصرى فى شجاعة نادرة فى ذلك العصر نحنُّ إلى تحقيقها الآن (الشجاعة) فى القرن الحادى والعشرين بعد انحطاطنا السياسى الاقتصادى الثقافى.
- فى ظل هذا الجو الليبرالى القاصر بحكم نخبويته ظهر الحزب الشيوعى المصرى الأول عام 1922 فى أعقاب ثورة 1919 الوطنية الديمقراطية وفى ظل الاحتلال البريطانى والتطور الرأسمالى الملجوم استعماريا والمرضى عنه من قبل كبار ملاك الأرض ، وفى ظل الاستقلال الشكلى بموجب تصريح 28 فبراير 1922 واستمرار السيطرة الاستعمارية العسكرية والسياسية. فكانت (ولم تزل) قضية التحرر الوطنى فى كافة وجوهها السياسية والاقتصادية والثقافية هى أساس أى عمل شيوعى مصرى. وكانت القضية الاجتماعية ممثلة فى فقر وبؤس أغلبية الشعب المصرى من الفلاحين والطبقة العاملة البازغة وتزاوج كبار ملاك الأرض وكبار الرأسماليين الصناعيين والتجاريين والماليين ، قد تواكبت مع النزوح الصهيونى إلى فلسطين بعد وعد بلفور الشهير عن إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين لحجز تطور مصر التى أظهرت خطورة تقدمها من خلال حروب محمد على التى وصلت إلى أبواب الأستانة ، فكانت فلسطين بهذا المعنى هى ضحية مصر وليس العكس كما تدعى أبواق البرجوازية الحاكمة. وبهزيمة جيش مصر فى حرب 1948 أذَّن بانقلاب الجيش على الحكم فى 23 يوليو 1952.
- وفى ظل عدم حسم الثورة الوطنية الديمقراطية لمتطلبات تحرر مصر ظهر الإسلام السياسى ممثلا فى جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ حسن البنا التى أجازت بل دفعت بريطانيا بزوغها 1928 ليعلن أن طريق الإسلام كنظام شامل يتناول كل مظاهر الحياة من حكم إلى أسرة إلى فرد هو الطريق القويم لنيل رضا الله وطالب بحل جميع الأحزاب وأن يجتمع الشعب على حزب وحيد هو حزب/جماعة الإخوان المسلمين ليحقق استقلال "الأمة" وحريتها. لكن جمال عبد الناصر القادم فى 23 يوليو 1952هو الذى سيقوم بحل الأحزاب وتمكين حزبه الوحيد ممثلا فى مجلس قيادة الثورة من السيطرة على البلاد متأثراً بأفكار مصر الفتاه والإخوان المسلمين.
- احتكر عبد الناصر وجيشه السلطة وأمم الصراع الطبقى وحَّول النظام السياسى إلى تنظيمات تابعة للدولة العسكرية على الطريقة الفاشية وفى تطور آخر إلحاق النظام الاقتصادى بالدولة العسكرية البرجوازية والوصول إلى انفصال الحكم عن القوى الاجتماعية والسياسية وتسيُّد العسكر والتكنوقراط على المجتمع. واستخدم "الإسلام" أيضا وسيلة لمحاربة القوى الشعبية المناوئة وأعلن الحرب على الشيوعية اتساقا مع الإمبريالية الأمريكية ، فى إطار المزايدة على تمثيل الإسلام : هو ونظامه أم الإخوان ؟ وهو ما يسير عليه حكم السيسى التابع الديماجوجى فهو النسخة الجديدة المنقحة والمتطورة من التبعية فى القرن الحادى والعشرين. وكما استغلت الفئات العسكرية والبيروقراطية مواقعها الاقتصادية داخل نظام عبد الناصر وأصبحت المالك الفعلى لوسائل الإنتاج وأدواته من حيث تحكمها فى قرارات الاستثمار والإدارة وكوَّنت رأسمال خاص لأفرادها من داخل القطاع العام المفترض أنه مملوك للشعب استغل عسكر وبيروقراطية وتكنوقراط السيسى قطاع الدولة لتحقيق أرباح معتصرة من جهود وعرق العمال والفلاحين والحرفيين فزادت الصراعات والتناقضات الطبقية حدة وصارت الهوة واسعة بين الكوخ وبين القصر ، ويمتلك الجيش جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادى توزع أرباحه على كبار القادة لضمان ولائهم فى حفظ الدولة العسكرية الاستبدادية.
- فى العصور الثلاثة: عصر محمد على وخلفاؤه وعصر الليبرالية الاستعمارية ثم عصر الناصرية العسكرية الاستبدادية وامتدادها مبارك والسيسى كانت العسكرة تعنى استلاب واستبعاد الجماهير الشعبية صاحبة الحق فى السلطة والثروة ، والنظام عاجز عن الوفاء بالاحتياجات الغذائية للشعب بالإنتاج الكثيف الموجه وذلك بتطوير الزراعة وإشاعة الإنتاج التعاونى بين الفلاحين لعلاج الملكية القزِمية وتحديث المنظومة الصناعية وخلق وتشجيع تكنولوجيا وطنية محلية والاكتفاء الذاتى لتقليص الواردات وزيادة الصادرات من الفائض عن الاحتياجات الشعبية وأن تحدد للقطاع الرأسمالى الخاص مجالا للعمل وتبقى النشاطات الأساسية الإنتاجية والمالية فى يد الدولة الوطنية الشعبية ورفض روشتات صندوق النقد الدولى وعدم تسهيل استثمارات رأس المال الأجنبى الاستعمارى ولكى يتحقق هذا فمن الضرورى أن يتم فى جو من إطلاق الحريات العامة السياسية والاجتماعية والنقابية والفكرية وفى ليل الاستبداد العسكرى هزم محمد على 1840 وهزمت الليبرالية الرأسمالية 1948 ثم هزم عبد الناصر 1967 ثم هزمت الرأسمالية الانفتاحية التابعة بمعاهدة السلام المزعوم مع إسرائيل عام 1979 والاعتراف بإسرائيل وشطب قضية فلسطين من جدول أعمال السلطة إلا التخديم على المشروعات الأمريكية الصهيونية. ولا يزال شعبنا يئن تحت الحكم العسكرى السيساوى الرأسمالى المتخلف ويتحمل من دون الملاك ثمن العسكرة وتُسجن أو تُضطهد طلائعه ويزيف وعيه وعقله.
- يؤكد ذلك حديث الرئيس إلى رؤساء تحرير الصحف الحكومية الثلاث المنشور فى 23/8/2016 والذى يعترف فيه الرئيس بأن القوات المسلحة تقوم بإدارة عمل شركات المقاولات الوطنية العامة والخاصة وأنها (الجيش) عقل يدير العمل ويشرف على التنفيذ ، ونسأل من فوضها ؟ ثم أليست إدارة العمل والإشراف بمقابل يضاف إلى تكاليف المشروع ، ناهيك عن أن هناك بعض الأعمال تسند إلى الجيش بالأمر المباشر خروجا على قانون المناقصات والمزايدات وبما يسمح للجيش بفرض أسعار تحقق له أرباحا احتكارية حيث يقوم بتكليف شركات مدنية بالعمل بعد أن يكون قد قرر حصته الربحية من فرق السعر أما قول الرئيس أن تطوير وتسليح الجيش يتم من خارج الموازنة العامة عن طريق سياسة ترشيد على مدى 25 عاما لموازنة الجيش ونسأل ألم يكن تحقيق هذا الترشيد (الفائض السنوى من ميزانية الجيش) ، أولى أن يعود إلى الدولة (وفورات) ليعاد بثه فى خدمات التعليم والصحة ودعم الفقراء ؟
- هكذا أدت وتؤدى عسكرة مصر إلى استمرار تبعيتها وتخلفها واستبعاد جماهيرها الشعبية من حقها فى تقرير مصير وطنها ومجتمعها.
24/8/2016


تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الزراعة والطبقات والثقافة
تقييم 4.19/5
تقييم: 4.2/5 (54 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع