المقالات والاخبار > اصدارات الحركة > حول الحل الاستراتيجى للقضيـة الفلسـطينية

حول الحل الاستراتيجى للقضيـة الفلسـطينية

نشرت بواسطة admin في 11-Aug-2013 17:30 (840 عدد القراءات)
حركة الديمقراطية الشعبية المصرية
حول الحل الاستراتيجى للقضيـة الفلسـطينية

بقلـم : عيداروس القصـير


لا يخفى على أحد اليوم أن خط التسوية السلمية للصراع العربي الفلسطيني – الإسرائيلي بات يتطلب
لإستمراره التنازل في جميع عناصر ما يعتبره الخطاب الفلسطيني الرسمي المعلن (وهو يختلف عن الفعلي والحقيقي) حدا أدنى للحقوق الوطنية الفلسطينية وهي :
الدولة المستقلة – حدود 1967 – إزالة المستوطنات – عودة القدس الشرقية – عودة اللاجئين لعامي 1967، 1948.
ومع ذلك يتشبث دعاة التسوية عامة وأوسلو خاصة بنهجهم الاستسلامي، ومن ثم بات تنازلهم وتخطيهم لما يسمى الخطوط الحمراء المذكورة أمرا واردا بل ومؤكدا على ما يتضح من قبولهم خريطة الطريق ومؤتمر أنابوليس وعدائهم لاستمرار عمليات المقاومة المسلحة.
في المقابل فإن التقدم الذي حققه خط المقاومة وقواها لا يتطور بصورة حاسمة، ويكاد يراوح الموقع الذي بلغه عام 2004 عندما اضطر شارون لقرار الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات التي كانت مقامة فيه، هذا في الوقت الذي يواصل فيه العدو بناء جدار الاحتلال والعزل والتهويد المتسارع للقدس وعمليات الاستيطان في الضفة الغربية في تلازم عجيب ، لكنه مفهوم، مع استئناف المفاوضات حول ما يسمى الحل النهائي، أضف إلى ذلك ما أسفر عنه الصدام الدموي بين الأجهزة الأمنية لسلطة أوسلو خاصة وفتح عامة وبين حماس من انفراد الأخيرة بالسيطرة الداخلية على قطاع غزة، وصراع فلسطيني فلسطيني يستنزف – رغم بعض مبرراته ودواعيه الحقيقية – جزءا أساسيا من طاقات الشعب المفترض تركيزها حول الاتحاد ضد العدو ومقاومته.
وقد أدى استعداد الأوسلويين الواضح لتخطي الخطوط الحمراء من جهة، ومراوحة قوى المقاومة لمكان التقدم الذي بلغته لأكثر من ثلاثة سنوات دون جديد جذري أو ملموس من جهة أخرى، إلى دخول الوضع السياسي الفلسطيني الداخلي أزمة عميقة ومعقدة تضع مشروع التحرر الوطني من جديد في مفترق طرق حاسم بين السقوط إلى قاع الانهزامية والاستسلام وإحالة المشروع إلى كيان ذاتي أو كيانين هزيلين تحت الاحتلال في الضفة والقطاع، وبين الصعود نحو إعادة بناء واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني وتوحيد الشعب أو أغلبيته الساحقة حول استراتيجية المقاومة والتحرير وتحقيق مد عال للثورة الفلسطينية بكل أساليبها وعلى رأسها المقاومة المسلحة.
الأزمة هي في آن واحد أزمة نهج أوسلو والتسوية عامة وأزمة قوى المقاومة والتحرير. أزمة خط التسوية وأوسلو تتمثل في عزلته السياسية الواسعة نسبيا وهزيمته في انتخابات التشريعي وفقدان السيطرة على قطاع غزة والمعارضة الشعبية الواسعة للتنازلات المطلوبة ، وهذا هو الوجه الإيجابي والثوري الأبرز في الأزمة الفلسطينية الحالية. أما أزمة المقاومة فهي أزمة تطورها أي مسألة مراوحتها وتعثرها في التغلب بصورة جذرية على عقبات تطورها ومدها العالي وهي تتجسد فيما يلي :
1- الضغط الكثيف على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية لحملهما على الانصراف عن طريق المقاومة والتحرير وقبول الحكم الذاتي تحت وصاية وهيمنة العدو الصهيوني من خلال :
• جهود أمريكية وأوربية ودولية و"عربية" كثيفة لإنقاذ وإحياء أوسلو وخريطة الطريق والرباعية وأخيرا أنابوليس.
• تكثيف العدوان وحرب الإبادة لبث اليأس والشعور بالعجز وعدم التكافؤ البيّن في القوى مع العدو الصهيوني.
• الحصار وحرب التجويع بعد تشكيل حكومة حماس واستمراره حتى الآن في قطاع غزة بعد استيلاء حماس الكامل على سلطة حكمه الذاتي.
2- الفصيل المقاوم الكبير والأكثر ثقلا وشعبية في جبهة المقاومة، وهو حماس، لا يقوم بالمسئولية المفترضة في الفصيل الرئيسي بتكتيل كل فصائل المقاومة والقوى السياسية الوطنية في جبهة وطنية متحدة تتولى تطوير النضال الوطني والكفاح المسلح وعزل تيار الاستسلام عزلا سياسيا تاما. ويًرجع ذلك، أولا، إلى الشكوك التي أثارتها حماس عند دخولها انتخابات التشريعي، ثم بعد تشكيلها الحكومة، وتكرار إعلانها الاستعداد لقبول هدنة طويلة، ودولة في حدود 1967، والأولوية التي بدت للكثيرين أنها أعطتها لبقائها في حكومة مشكلة كجزء لا يتجزأ من نظام أوسلو السياسي على حساب عملها المقاوم للاحتلال.وثانيا، بسبب تصرفات حماس أثناء معركة الحسم العسكري مع سلطة رام الله وفتح، وقبلها وبعدها، ضد القوى الأخرى انطلاقا من أيديولوجية دينية سلفية تضر بحريات وحقوق الشعب الديمقراطية ووحدته الوطنية، بل وبجوهر القضية الفلسطينية التي يجب أن تعامل على حقيقتها كصراع دنيوي أساسا على الأرض والمصالح والحقوق التي يغلفها العدو نفسه بغلاف أو قناع ديني مزيف.
3- حاجة القوى الفلسطينية وجميع فصائل المقاومة إلى مراجعة شاملة لتجربة 43 عاما من عمر الثورة والمقاومة واستخلاص الدروس والخبرات، وخاصة منذ المؤتمر الوطني الفلسطيني سنة 1974. فرغم الجهود الفردية ولبعض المنظمات أيضاً في هذا الاتجاه إلا أن هذه العملية الضرورية لم تنجز بعد إنجازا ملموسا مما أبقى وهم الدولة المستقلة في الضفة والقطاع والقدس الشرقية كهدف مباشر منتشرا، كما أتاح بالمصاعب بل الموانع القائمة أمام تحقيقه للاتجاهات التطبيعية والمتصهينة إما الموافقة على التنازل عن حق العودة أو طرح حل الدولة ثنائية القومية أو الدولة الديمقراطية العلمانية التي تتحقق بالنضال السلمي والتعاون مع ما يسمى اليسار "الإسرائيلي" ودون تقييد حق اليهود الغزاة الحاليين من غير سكان فلسطين الأصليين أو يهود العالم كله في المجيء لهذه الدولة المزعومة واكتساب جنسيتها.
الخروج من هذا المنعطف أو الأزمة خروجا يدفع النضال ضد العدو الصهيوني قدما يمر بالضرورة عبر دفع أزمة خط التسوية إلى أقصاها وشل فعالية أنصاره وتذليل أو إزاحة العقبات التي تعترض تطور المقاومة الوطنية للعدو الصهيوني وخاصة المقاومة المسلحة تطوراً حاسما أو ملموسا. وهذا ما يتطلب عاجلا من جميع قوى ومنظمات الشعب الفلسطيني – فضلا عن قوى ومنظمات الشعوب العربية الأخرى – العمل على التفاف الغالبية العظمى للشعب الفلسطيني أولا والشعوب العربية ثانيا حول الصيغة الصحيحة لحل القضية الفلسطينية المنبثقة من جوهر الصراع العربي الصهيوني والمنسجمة مع خصوصياته، وهو ما يتطلب بدوره وبداية عرض جميع الصيغ المطروحة وإدارة أوسع نقاش حولها للوصول إلى الصيغة الصحيحة والالتفاف حولها.

حل الدولتين :
ليس المقصود رؤية الرئيس الأمريكي الحالي بوش أو السابق كلينتون أو ما يطرحه بعض القادة "الإسرائيليين" عن دولة فلسطينية متعايشة بجوار الكيان الصهيوني وتحت هيمنته. فهذه الصيغة ليس فيها من الدولة غير إسمها وهي ليست أكثر من كيان إداري ذاتي هزيل في الضفة والقطاع قابل للتنازل عن حق العودة وغيرها من التنازلات في باقي الحقوق الفلسطينية الخمسة سابقة الذكر علاوة على التسليم العام والنهائي في فلسطين 1948.
ما نقصده في هذا المجال الصيغة واسعة الانتشار التي يرددها الكثيرون فلسطينيين وعرب القائلة بإقامة دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل تعترف بها وبالاتفاق معها، ومستقلة وذات سيادة كاملة، وعلى الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1967، مع عودة اللاجئين الفلسطينيين في عامي 1967، 1948 إلى ديارهم التي طردوا فيها. ولا يفرق الرأي الذي سنبديه هنا حول الدولة الفلسطينية المستقلة على هذا النحو وبهذه الكيفية بين من يقولون بها – وبصراحة – كحل دائم وبين من يطرحونها – كما يزعمون – كحل مرحلي وتمهيداً لدولة واحدة ديمقراطية علمانية على أرض فلسطين التاريخية للعرب واليهود معا.
الحل على هذه الصورة وبهذه الكيفية ليس إلا وهما كبيرا للأسباب التالية :
1- الدولة المستقلة تعني الاستقلال والسيادة الكاملين على أرضها وشئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية وامتلاك قوات مسلحة تحمي الاستقلال وتفرض السيادة. وهذه الأمور غير واردة الآن ولا في الأفق المنظور بموجب اتفاقية "سلام" مع "إسرائيل". فنزع سلاحها وسيطرة "إسرائيل" على حدودها ومعابرها وسمائها وسواحلها البحرية مقرر ومتفق عليه مقدما بين الأطراف الأمريكية والصهيونية و"العربية" و"الفلسطينية" في أي تناول أو نقاش حول حل الدولتين المزعوم للقضية الفلسطينية.
2- إن مجرد عدم اتصال أرض الضفة والقطاع – نقصد هذا العامل وحده إذا غضنا الطرف جدلا عن العوامل الأخرى – يجعل أي كيان فلسطيني فيها مهددا وخاضعا بل وألعوبة في يد الكيان الصهيوني، إلا إذا امتلك قوة عسكرية متفوقة أو قادرة على التصدي لعدوانه. فكيف يتحقق ذلك من خلال اتفاقية مع "إسرائيل"؟
3- ليست الدولة "المستقلة" في الضفة والقطاع والقدس الشرقية وعودة اللاجئين أمرا مستحيلا في أي اتفاق ممكن مع الكيان الصهيوني فحسب بل الدولة "غير المستقلة" مع عودة اللاجئين هي أيضا أمر مستحيل في أي اتفاق "سلام". فإسرائيل كيان استيطاني إحلالي إجلائي للشعب الفلسطيني وبغير ذلك لن يكون. هذه حقيقة بديهية لم تكن في حاجة لإعادة إثباتها من خلال تجربة الاتصالات السرية إلى قامت بين القيادة النافذة لمنظمة التحرير الفلسطينية وبين الأمريكان والصهاينة ومن وراء ظهر الشعب الفلسطيني قبل وبعد غزو "إسرائيل" لجنوب لبنان سنة 1982 وصولا لاتفاقية أوسلو الانهزامية المشئومة سنة 1993.
4- الدولة المستقلة تتطلب تبدلا جذريا في توازن القوى يسمح بتحرير أرضها وحمايتها بعد التحرير. لذلك فإقامتها ، إن كانت ممكنة ، لا تتطلب اتفاقا مع "إسرائيل" أو اعترافا بها، وإنما تحرير أرضها . وطالما كان هذا هو أساس قيامها، فلماذا الاعتراف ب "اسرائيل" وهو هكذا – وعلاوة علي كونه اعتراف بشرعية احتلال واستيطان أجنبي غاصب وقاعدة وأداة للاستعمارالعالمي غير جائز مبدئيا – بلا مقابل أو مبرر عملي ؟ ولماذا نمتنع عن تحرير الأراضي المحتلة سنة 1948 بعد أن نكون قد امتلكنا – بإقامة الدولة المستقلة في الضفة والقطاع والقدس – القدرة على الصمود أمام العدوان المحتمل على الدولة الجديدة ومواصلة النضال لاستكمال تحرير أرض فلسطين التاريخية؟ إن تغير ميزان القوى ليسمح بتحرير وفرض الدولة الفلسطينية المستقلة يعني إمكانية حقيقية للحفاظ على ما أنجز ومواصلة التحرير لكامل الأرضي الفلسطينية. وما نراه هو أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي يتم تحريرها هو أمر ممكن فقط ويمكن بلوغه فقط في مرحلة متقدمة من حرب التحرير الفلسطينية لا تستبق كثيرا مرحلة الانتصار وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني.

الدولة ثنائية القومية :
وهي أطروحة تزعم بان الحل الممكن والأفضل للصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي هو إقامة دولة واحدة في فلسطين تجمع اليهود الذين استوطنوا فلسطين وسكان فلسطين الأصليين وعلى أساس اعترافها بقوميتين "عربية فلسطينية" و"يهودية" واتحادهما في كيان سياسي واحد جديد هو الدولة ثنائية القومية. وهي أطروحة ودعوة يقول بها بعض الأفراد والجماعات الهامشية في المجتمع الصهيوني ويتجاوب معها ويدعو إليها بعض المثقفين والسياسيين العرب. ويمكننا إدراج دعوة الرئيس الليبي معمر القذافي المسماه دولة "إسراطين" في إطار هذه الأطروحة أو الدعوة على الأقل من زاوية أن الأطروحتين والدعوتين تقومان على إدماج الفلسطينيين واليهود الصهاينة المهجرين إلى فلسطين في كيان سياسي واحد، دولة واحدة. وعلى الرغم من أن القائلين بثنائية القومية هم أقلية ضئيلة الشأن عدديا سواء في الكيان الصهيوني أو بين الفلسطينيين أو الشعوب العربية الأخرى فإنها قد أصبحت من الحول المطروحة والتي تجتذب بعض اليائسين من إمكانية تحرير فلسطين أو الذين – تحت تأثير الأيديولوجية الصهيونية والمفاهيم التي تقوم عليها والتي تروجها مراكز وصناعة الثقافة والفكر ووسائل الإعلام الاستعمارية والصهيونية العالمية – فقدوا مناعتهم تجاه الفكرة الصهيونية والمخطط الصهيوني، وهي لذلك أصبحت أحد الاتجاهات والدعوات التي تعوق العملية الضرورية والعاجلة في الآونة الراهنة والمستقبل القريب لإعادة بناء وتوطيد الاصطفاف الفلسطيني والعربي حول مشروع التحرير الوطني الفلسطيني والعربي أيضا.
إن أطروحة ثنائية القومية ضارة ومخربة للنضال الوطني الفلسطيني العربي ضد الصهيونية وصيغة لاستمرار الكيان الصهيوني بصورة جديدة قد تكون مستقبلا– وعلى الأرجح – أشد خطرا من صيغته الحالية، وأسبابنا في هذا الحكم هي ما يلي :
1- المردود الحقيقي لهذا الطرح هو إضعاف روح وموقف رفض ومقاومة الاستيطان والكيان الصهيوني واحتلاله لكامل الأراضي الفلسطينية. فنسبة المؤيدين له من "الإسرائيليين" تافهة للغاية وتجعل العقيدة الصهيونية الأصلية التي أتت بهم وتبقيهم رغم الحروب المستمرة التي يخوضونها نسبة المؤيدين للفكرة هامشية تماما وإلى أجل غير منظور.
2- تتأسس الأطروحة ضمن ما تتأسس على قبولنا عربا وفلسطين بشرعية الهجرة اليهودية المنظمة صهيونيا واستعمار واستيطان أراضي الفلسطينيين مقابل الأمل أو السعي لقبول الغزاة المستوطنين الاعتراف ببعض حقوق الفلسطينيين في بلادهم وأرضهم. فما الذي يجعلهم يقبلون حتى هذه الحقوق الجزئية والمختزلة وتاريخهم ومنطقهم وطبيعة الكيان الذي شيدوه تقوم كلها على إنكار الحق بل الوجود الفلسطيني؟ ومتى يقبلون؟ على العكس مما يروجه دعاة هذا الحل لن يكون هذا الطرح وإلى أجل غير منظور سوى تنازلا مجانيا من جانبنا يقوي من عزيمتهم وإصرارهم على كيانهم العنصري الإحلالي.
3- تتجاهل هذه الأطروحة الحقيقة غير الخافية على أحد في بلادنا العربية أو على أي فرد واع وذي ضمير على صعيد العالم بأسره وهي أن الكيان الصهيوني مشروع استعماري، قاعدة وأداة للاستعمار العالمي ضد الشعوب العربية، هو كما قال هرتزل" سور أوربا والغرب في وجه آسيا ومخفرا أماميا للحضارة (أي الدول الاستعمارية) ضد البربرية (أي البلاد العربية والآسيوية)، هو حاجز بشري بين المشرق والمغرب العربي. وما بقي الاستعمار الأمريكي والعالمي قائما وقادرا لن يسمح طوعا بهدم المشروع كوطن "قومي" لليهود مرتبط عضويا بجوهر الاستعمار ومخططاته في الحلقات أو المراحل المتتابعة في النظام الاستعماري، هذا النظام الباقي بدوره على كوكبنا ما بقيت الرأسمالية الاحتكارية العالمية.
هذه الحقائق لا تجعل صيغة الدولة ثنائية "القومية" استراتيجية مقوضة للكيان الصهيوني من الداخل كما يزعم دعاتها وإنما تجعلها وسيلة للالتقاء والتطبيع مع العدو الصهيوني والاستعماري تحت ألفاظ خادعة وبراقة تعبر أحيانا عن الإفلاس السياسي لدى البعض مثل رئيس وزراء سلطة أوسلو الأسبق أحمد قريع الذي قال ذات مرة أنه قد يلجأ لخيار الدولة ثنائية القومية إذا لم تمض إسرائيل قدما في مفاوضات الحل النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وقد كان هذا – كما يعرف هو وغيره – قول لا جدوى منه ولا قيمة له. كما قد تعبر في أحيان أخرى عن غطاء أو مدخل مموه إلى حد ما للقبول بالخضوع للمشروع الصهيوني والواقع والعدوان الاستعماري في المنطقة. كما يعبر لدى البعض الآخر عن انزلاق أو استدراج لقبول الأفكار والأهداف الصهيونية أو على الأقل التكيف معها تحت ذرائع الإنسانية، هذه الإنسانية التي لا تعني في هذه الحالة إلا التعاطف مع اليهود الغزاة المهجرين في إقامة وطن لهم باعتبارهم كما يزعمون شعباً واحداً وكغيرهم من الشعوب، وعلى حساب التعاطف والتأييد للشعب الفلسطيني في تحرير أرضه واسترداد حقوقه المغتصبة.
4- تقوم صيغة أو أطروحة ثنائية القومية على أفكار خاطئة وغير مقبولة مبدئيا وشديدة الخطورة على نضال شعوبنا وعقيدة هذا النضال ضد الصهيونية والإمبريالية، وهي :
( أ ) التعامل مع المشروع الصهيوني كوجود يهودي طبيعي بين سكان البلاد الأصليين أو هجرة عادية غير منظمة وغير مدفوعة وغير ممولة وغير محمية من الاستعمار والمنظمات الصهيونية العالمية.
(ب) التعايش والقبول والتطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف بمشروعية قاعدته الرئيسية وهي مجتمع المستوطنين اليهود وهي كما قلنا، وفضلا عن لامبدئيتها، دعوة مجانية لن يقابلها الصهاينة اليوم أو في الأفق المنظور إلا بالتمسك بصهيونيتهم وكذلك الاستعمار الأمريكي والعالمي.
(حـ) المنطق وراء الدولة الثنائية القومية ربما يكون أخطر من المنطق السياسي العملي (القائم على مقولة عدم كفاية القوى الفلسطينية) وراء حل الدولتين. فثنائية القومية تقوم على الاقتناع والسعي لإقناع الآخرين بشرعية الاستيطان وحق الهجرة اليهودية في سلب أرض فلسطين أو القدر الأكبر منها. كما يلغي هذا الطرح الشخصية الفلسطينية العربية لفلسطين ويفصلها عن الأمة العربية.
( د) تفصل بين الصهيونية وبين الوجود اليهودي في فلسطين وهو وجود مجلوب بالهجرة اليهودية المنظمة وهذا تزوير فج للحقيقة. فليست الصهيونية شيئا آخر غير الاستيطان اليهودي لإقامة ما يسمى الوطن القومي لليهود.
( ز) الوجود اليهودي و"القومية" اليهودية في الدولة ثنائية القومية سيكونان ركيزة وطيدة وأداة للإمبريالية داخل هذه الدولة الجديدة المفترضة. فالطبيعة العدوانية والارتباط العضوي بالاستعمار لهذه "القومية" اليهودية لن يختفيا فجأة بقدرة قادر وانفصالها عن الاستعمار وتفكك وذوبان طبيعتها – إن كانا – سيستغرقان أجلا أو آجالا طويلة، لإمكان تحول المجتمع اليهودي الذي أقامته الصهيونية إلى مجتمع طبيعي عادي تسري فيه كما تسري في غيره من المجتمعات العادية الآن في العالم الشروط والقوانين الطبيعية والوتائر المعتادة للصراع الطبقي وللتطور والتوافق الاجتماعي، وبما يتيح أيضا الزمن الكافي لتغير الأوضاع الدولية الاستعمارية أو ذات الطابع الاستعماري التي تتطلب إيجاد والحفاظ على ركائز لها داخل الدول الأخرى التي تسيطر أو تستهدف تطور وإحكام سيطرتها عليها.
وعلاوة على ذلك فإنه بحكم الروابط القائمة والتي ستتم كما ذكرنا بالإمبريالية وبرأس مال اليهودي العالمي كجزء لا يتجزأ من الرأسمالية الاحتكارية – مصدر وقاعدة وجود واستمرار الإمبريالية الحديثة والمعاصرة – وبحكم الدعم المباشر من حكومات الدول الاستعمارية الذي ستظل تتلقاه القومية اليهودية فإنها، أي هذه القومية المزعومة، ستمتلك كل مقومات الهيمنة الاقتصادية والسياسية على القومية العربية الفلسطينية، وتستمر الدولة الجديدة تابعة للاستعمار وأداة طيعة في يديه وتقوم بدور مشابه لدور الكيان الصهيوني الحالي وإن يكن بصورة محورة قليلا، وليأخذ الكيان الصهيوني شكلا جديدا ينهي القضية الفلسطينية، وليتعزز دوره في خدمة الإمبريالية وقدرته في مواجهة المعارضة التي ستنشأ في صفوف القومية الفلسطينية عن طريق استمرار واتساع الهجرة اليهودية للوطن القومي لليهود الذي أصبح مقبولا من سكان البلد الأصليين ومهيمنا عليهم.
( و) طرح الدولة ثنائية القومية يتعامل مع الصراع الفلسطيني الصهيوني كصراع بين قوميتين أو شعبين يعيشان منذ مئات السنين بلد واحد وأصحاب حق متساو فيه وحول حق كل منهما في أن يعامله الآخر بالمساواة والندية، أي كصراع داخلي كالصراع بين العرب والأكراد في العراق أو بين الأكراد والقومية التركية في تركيا، وهذا تضليل بيّن. فالصراع هنا هو صراع بين شعب فلسطين وبين الاستعمار الاستيطاني اليهودي الصهيوني المدفوع والمدعوم من الاستعمار الأمريكي والعالمي.
6- يتأسس هذا الطرح على الاقتناع بالمفهوم الرئيسي للصهيونية اليهودية، وهو ليس شيئا آخر غير القومية اليهودية، في حين أن اليهودية دين وليست عرقاً واحداً أو شعبا واحداً أو قومية واحدة أو لغة واحدة، وإنما أعراق وشعوب وقوميات ولغات مختلفة لا تربطهم بالعبرية إلا الطقوس الدينية في وضع مشابه نسبيا للمسلمين غير العرب المنتمين لقوميات مختلفة في علاقتهم باللغة العربية. وإن كانوا يًعلمِون في "إسرائيل" اللغة العبرية لما يسمى جيل الصابرا (من ولدوا وعاشوا فيها) في محاولة لاصطناع قومية وأمة، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن المفهوم الأساسي الصهيوني عن قومية يهودية ووطن قومي لليهود هو أحد الأساطير الكبيرة، وأن القومية اليهودية التي يحاول الصهاينة اصطناعها في إسرائيل هي ظاهرة من أكثر ظواهر التاريخ المعاصر رجعية وعدوانية وأن المصير المحتوم لهذه المحاولة هو التفكك والاندثار، لأنها تتعارض مع الحقائق الأساسية للتاريخ الذي يسير – رغم بعض الانتكاسات والتعرجات المؤقتة مهما طالت – نحو صهر جميع الأعراق والإثنيات والأديان المختلفة في بوتقة الشعب الواحد والأمة الواحدة بمعناها الحديث ، هذا المعني الذي يستبعد الدين استبعادا تاما كشرط من شروط الانتساب لها. فما بالك بما يسمى القومية اليهودية التي لا تقوم إلا على الدين اليهودي وحده؟ إن دعوة الدولة ثنائية القومية ليست إلا تبريرا وشرعنة للصهيونية وكيانها الاستيطاني العنصري.
7- القياس على مثل دولة جنوب أفريقيا الذي يلجأ إليه دائما دعاة إقامة دولة ثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية تبريرا لدعوتهم، هو قياس خاطئ ومضلل لاختلاف طبيعة وواقع القضيتين اختلافا جوهريا رغم وجود عنصر مشترك بينهما هو العنصرية.
• فقضية فلسطين هي الاحتلال الاستيطاني الإحلالي الإجلائي وإقامة دولة لمجتمع الغزاة المستوطنين تقوم بدور القاعدة والأداة والمخفر الأمامي للاستعمار العالمي في قلب العالم العربي. ويتمثل واقعها الراهن في سيطرة الدولة الصهيونية، دولة الغزاة المستوطنين، على كامل فلسطين التاريخية، واستيطان أكثر من 70% من أراضيها، وطرد أكثر من 60% من شعبها خارج حدودها، واستمرار عمليات الاستيطان دون توقف وتسارعها، واستمرار حركة الهجرة اليهودية والمراد تواصلها لتشمل أغلبية يهود العالم توطيدا للقاعدة البشرية والذراع العسكري للدولة الصهيونية، واستمرار الطبيعة العدوانية العنصرية لدولة الغزاة المستوطنين والدور والوظيفة اللتين خلقت من أجلهما على أرض فلسطين ما بقيت الإمبريالية وما بقيت الصهيونية.
• أما بالنسبة لقضية جنوب أفريقيا، ورغم وجود وجه للشبه مع قضية فلسطين في النشأة والدور التي قامت به هجرة غرباء واستيطانهم في أرض البلاد، فالاختلاف جوهري وواضح في طبيعة القضيتين وأكثر عمقا ووضوحا في تطورهما اللاحق وواقعهما الذي استمر حتى أوائل تسعينات القرن العشرين في جنوب أفريقيا وحتى الآن في فلسطين.
فالنظام الذي أقامته وفرضته الأقلية البيضاء على الأغلبية السوداء كان ، واستمر حتى نهايته المحتومة ، نظاما للتمييز العنصري لقهر الأفارقة واستغلالهم في العمل لصالح الأقلية البيضاء وخاصة طبقتها الرأسمالية، وليس إجلائهم وطردهم إلى بلاد أخرى كما فعل ولا يزال النظام الصهيوني في فلسطين. فالمشكلة الأساسية في فلسطين المتمثلة في قضية اللاجئين لا نظير لها في جنوب أفريقيا في عهدها العنصري. كما تختلف قضية جنوب أفريقيا عن قضية فلسطين في الفارق الزمني الطويل بين نشأة الأولي الذي ترجع إلى 346 سنة خلت وبين نشأة الثانية التي ترجع إلى 60 سنة فقط والذي لم يعد معه ثمة مجال وسبب للاعتراض على وجود الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وليقتصر الرفض على عنصريتها ونظامها العنصري فقط، في حين لا تزال أسباب ومجال وإمكانية معارضة ومقاومة وجود الكيان المستعمر الاستيطاني في فلسطين قائمة من جانب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى علاوة على القوى الشريفة والثورية على صعيد العالم.
أما بخصوص تطور وضع الأقلية البيضاء بعد استيطانها في جنوب أفريقيا وواقع وجودها حتى انهيار النظام العنصري فهو مختلف كيفيا عن تطور وواقع الكيان الصهيوني. فالأقلية البيضاء الحالية والأجيال الحديثة منها هم أحفاد الهولنديين والألمان الذين استقروا في الكاب منذ سنة 1652 ميلادية، ولم يعد يلحق بهم منذ زمن بعيد مهاجرون جدد في إطار مشروع استعماري استيطاني عالمي متواصل كالمشروع الصهيوني، كما كان قد نشأ منذ زمن طويل تمايز مجتمعها الجديد في جنوب أفريقيا عن بلادهم الأصلية، كما تمايزت مصالحهم عن مصالح القوى الاستعمارية خاصة أقواها، فقاوموا الاحتلال البريطاني سنة 1814 وخاضت جمهوريات البوير التي أقامها فريق منهم خارج منطقة الاحتلال البريطاني مقاومة ضاربة ضد الغزو البريطاني لها انتهت بهزيمتها في حرب البوير (1899 – 1902). وهكذا تبدلت إلى حد كبير هوية ودور الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وعلاقاتها بقوى الاستعمار العالمي ولا وجه للمماثلة بينها وبين الكيان الصهيوني.
إن القضية الرئيسية في جنوب أفريقيا كانت العنصرية في حين أنها في فلسطين الاحتلال الاستيطائي الاحلائي، والعنصرية أحد خصائصه ونتائجه ولن تزول في فلسطين إلا بزواله.
8- لم تتكون قومية يهودية أو إسرائيلية جراء إقامة المستوطنين اليهود في فلسطين لمدد بلغت 60 عاما للبعض و 90 عاما للبعض الأخرى. وهذا مخالف تماما لما يدعيه البعض الناشط اليوم في الدعوة ثنائية القومية من أن اليهود وإن كانوا لا يشكلون قومية فإن إقامتهم في فلسطين وتحت ظروف واحدة تحولهم إلى قومية جديدة يهودية أو إسرائيلية مثلما حدث في أمريكا الشمالية و أستراليا (بعد إبادة شعوبها الأصلية منذ خمسة قرون وخلالها بالنسبة للأولى وثلاثة قرون بالنسبة للثانية)، ومن ثم يكون الاعتراف – كما يقولون – بالقومية اليهودية، حتى ولو كانت في طور التكوين (وحق اليهود الصهاينة بالطبع فيما سلبوه) أمراً واجبا وعقلانيا وحلا للقضية الفلسطينية في إطار الدولة ثنائية القومية.
ولم تتشكل قومية يهودية أو إسرائيلية بعد إقامة الكيان الصهيوني، لأنه يتشكل من مستوطنين من أكثر من مائة دولة يتحدثون بأكثر من ثمانين لغة ولهجة، وتعوق العوامل الثقافية والاقتصادية والسكانية والجغرافية والنفسية السائدة في الكيان الصهيوني التفاعلات الضرورية لاستقرار هذه الخليط البشري وصهره في قومية واحدة، وتحول دون تبلور القومية المستهدفة حتى ولو عاش الكيان الصهيوني ستين عاما أخرى أو ضعفها أو اكثر ومهما اشتدت عدوانيته أو اتخاذه في الفترة المقبلة لإجراءات وحشية وعنصرية لتحقيق الدولة اليهودية "النقية".
ومن أهم العوائق أمام تكوين القومية والأمة الإسرائيلية والتي ستحول نهائيا دون تبلورها مسألة فقدان قاعدة الكيان الصهيوني البشرية الأمن الموعود في الأرض "الموعودة من الرب" بسبب الحروب الدائمة هجوما ودفاعا منذ نشأته وحتى اللحظة والتي لا يتوقع لها أن تتوقف ما بقي على قيد الحياة.
وبفضل هذه العوامل جميعا لم تصبح إسرائيل في الماضي ولن تكون مستقبلا قادرة على امتلاك متطلبات التطور الطبيعي لأي مجتمع ناشئ . وبفضل المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعربية العنيدة لم تعد عقيدة الحروب الدائمة التي يغرسونها في قطعان المستوطنين ذات جدوى في حمل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية على التسليم لا بتوسع الكيان الصهيوني ولا بوجوده، ولا مجال أمامه للعيش فترة من الاستقرار والأمن والأمان والسلم مع جيرانه أو حتى داخله تسمح بتبلور مقومات التطور الطبيعي ومن ثم تبلور القومية والأمة اليهودية أو الإسرائيلية المزعومة.
إن مجرد صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية سيدفع – حتى من قبل الانهيار النهائي للكيان الصهيوني – الكثير من المستوطنين للعودة إلى ديارهم التي أتوا منها.

الدولة الديمقراطية العلمانية :
طرحت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1974 ما أسمته الحل المرحلي وهو إقامة دولة مستقلة على أي جزء يتم تحريره والذي كان يعني من البداية ولا يزال دولة في حدود سنة 1967. وكجواب على السؤال الضروري، وما هو الحل الاستراتيجي إذن؟ طرحت صيغة الدولة الديمقراطية العلمانية التي يتعايش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون على كامل أرض فلسطين التاريخية.
والمفترض – وهو ما قال به أيضا بعض قادة المنظمة الذين صاغوا أو شاركوا في صياغة هذا الشعار – أن يفتح الحل المرحلي الآفاق تجاه تحقيق الحل الاستراتيجي. لكن الإبهام شاب طرح الحلين المرحلي والاستراتيجي، وتؤكد التطورات اللاحقة في مسار منظمة التحرير أنه لم يكن صدفة أو عفويا ليتيح عدم التحديد بالذات الفرصة لتأويلات للحلين تندرج في إطار التسويات السياسية القائمة على الاعتراف بالكيان الصهيوني والقبول بأن يتحمل الشعب الفلسطيني وحده من دون سائر شعوب العالم – دون ذنب ارتكبه في هذا المضمار – والأمة العربية من دون أمم العالم حل المسألة اليهودية وبالطريقة الصهيونية بالذات، وعلى حساب الحق التاريخي والوطني والإنساني للشعب الفلسطيني، وعلى حساب الأمن والاستقرار والتطور الوطني المستقل السلمي للبلاد العربية خاصة دول الجوار الفلسطيني.
الحل المرحلي – إن كان – لن يكون حلا مرحليا يفتح الآفاق ويكون مدخلا إلى الحل الاستراتيجي ما لم يكن دولة مستقلة كاملة الاستقلال والسيادة وقادرة على حماية نفسها اعتمادا على قواها الذاتية أو – وهو الأرجح – بمساندة مباشرة سياسية وعسكرية من دول الجوار أو بعضها. وهو ما لا سبيل لبلوغه إلا بتطور حرب التحرير الفلسطينية تطورا حاسما يبدل جذريا توازن القوى مع الكيان الصهيوني يسمح بتحرير أراضيها كما ذكرنا من قبل.
كذلك الحل الاستراتيجي لن يكون حلا أو إطار شاملا لحركة التحرير الوطني الفلسطيني يجمع روافد النضال الفلسطيني ويركزها في مجرى رئيسي واحد تجاه هدف تحرير فلسطين وتوحيد أراضيها وإعادة أغلبية شعبها من دول اللجوء والشتات إلا إذا اعتمد على القوى الحقيقية الكفيلة بتحقيقه وهي القوى الرافضة لوجود الكيان الصهيوني القائم وللحل الصهيوني بأي صورة كانت للمسألة اليهودية، وإلا إذا اعتمد على الأساليب الفعالة والملائمة في النضال من أجل بلوغه، وإلا إذا ضمـَّن هذا الحل الاستراتيجي وجسده في كل حلقات النضال المختلفة وخاصة ما يسمى الحل المرحلي.
ولكن وكما كان الحل "المرحلي" مبهما وغطاءاً لولوج طريق التسوية والاعتراف بإسرائيل والاعتماد على المفاوضات وقرارات مجلس الأمن، كان الحل الاستراتيجي أيضا مبهما وغطاءا لاختزال وتشويه طبيعة الصراع وحله وقوى وأساليب تحقيقه. فاختزل القضية وركزها في بعدها الديني – وهو ليس أساس أو جوهر الصراع – وبعدها العرقي وهو بعد ثانوي ونتاج الاستيطان وإقامة الكيان الصهيوني، ومن ثم لا يكون الحل أكثر من ديمقراطية وعلمانية، وسلم بالإستيطان الصهيوني، بل وبالهجرة اليهودية المستقبلية بقبول التعايش مع اليهود "عموما" من جاء سابقا مستوطنا غازيا محاربا ومن سيرغب مستقبلا من يهود العالم في المجيء إلى الدولة الجديدة واكتساب جنسيتها. وبهذا المنحى في طرح شعار الدولة الديمقراطية العلمانية، وبما ارتبط به في واقع الممارسة العملية لنحو ثلاثة عقود من حل "مرحلي" قائم على الاعتراف بإسرائيل وقرارات الشرعية الدولية الجائرة والمنحازة للعدو الصهيوني ومهادنة واسترضاء الدولة التي لا تقل حرصا عن "إسرائيل" على تصفية القضية الفلسطينية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، ساهم الشعار بدور أساسي في إشاعة الأوهام حول وسائل وأساليب إنهاء أو تقويض الكيان الصهيوني من الداخل والدفع في اتجاه الانصراف عن استراتيجية المقاومة والتحرير والاعتماد بدلا من ذلك وفي المقام الأول على "النضال" السلمي المشترك بين القوى "الديمقراطية" الفلسطينية والعربية وين القوى" الديمقراطية وغير الصهيونية" التي لا وجود يذكر لها حاليا ولا في الأفق المنظور داخل المجتمع الصهيوني.
لم تكن الصيغة الأخرى للدولة الواحدة أي ثنائية القومية قد طرحت عند طرح صيغة الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، وتركت الأخيرة باختزالها ونقصها وعدم إحكام صياغتها وإبهامها الباب مفتوحا لظهور الأولى (ثنائية القومية) باعتبارها أقرب لفهم اليهود الذين جاءوا مهاجرين محاربين لإقامة الوطن القومي لليهود من جهة، وباعتبارها أداة لإقناع الفلسطينيين والعرب بالقومية اليهودية ومن ثم حملهم على القبول بالاستيطان اليهودي وشرعيته والعيش تحت الأوضاع التي تترتب على وجوده واستمراره من جهة أخرى. إلا أنه ورغم كل النقد السابق يبقى شعار الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية صحيحا في القضيتين الأساسيتين التاليتين :
1- دولة واحدة (للشعب الفلسطيني) على كامل ترابه الوطني.
2- ديمقراطية علمانية كأساس للوحدة الوطنية والمواطنة الفلسطينية والحداثة والحكم.
وحتى لا يكون طرح الشعار كما حدث بالفعل تنازلا للاستيطان المجلوب وللكيان الصهيوني العنصري وللإمبريالية وانحرافا كاملا عن طريق الثورة الوطنية الديمقراطية الفلسطينية واستراتيجيتها الوحيدة الصحيحة وهي المقاومة والتحرير لأرض فلسطين التاريخية يجب إغنائه وضبطه بالمضامين والشروط التالية :
1- عدم الاعتراف بمشروعية الاستيطان الصهيوني ومنع الهجرة اليهودية المنظمة ووضع شروط لاكتساب اليهودي غير الفلسطيني حق المواطنة والإقامة وتقرير النسبة أو العدد الذي يسمح في الدولة الواحدة بإعطاء هذا الحق له من اليهود المهاجرين لفلسطين بعد وعد بلفور، وإلا ظل واقع ومفهوم وهدف "الوطن القومي لليهود" قائما في إطار من القبول والتسليم الفلسطيني والعربي.
2- إن تكون دولة وطنية مستقلة مناهضة للاستعمار والصهيونية، والبديل دولة تابعة وعميلة وأداة للاستعمار يشكل الوجود اليهودي– حتى وإن نقص حجمه ونسبته إلى الشعب الفلسطيني – بصفة رئيسية، وفئة الكمبرادور الفلسطيني ( الوسطاء والممثلون لرأس المال الأجنبي) بصفة إضافية ركيزتها الداخلية الأساسية. فاليهود حتى وإن أصبحوا أقلية سيكونون لأسباب تاريخية وواقعية أقلية كبيرة نسبيا وثرية ويمثل أبناء وأحفاد المهاجرين والمستوطنين عدداً هاماً منها. فإذا لم تقم الدولة علي أساس العداء للامبريالية فسيكون الوجود اليهودي في أغلبيته علي الأقل قاعدة للصهيونية وأداة للإمبريالية ، كما سيدعم الكمبرادور الفلسطيني وبغض النظر عن انتمائه الديني تبعية وعمالة الدولة الجديدة .
3- ألا يكون طرح علمانية الدولة مدفوعا بالدرجة الأولى بالرغبة / الوهم في استرضاء مجتمع المستوطنين الغزاة أو "الرأي العام" الأوربي والأمريكي ، فهذا تنازل غير حائز مبدئيا.
فالصراع الفلسطيني والعربي – الصهيوني ليس في أساسه وجوهره صراعا أو نزاعا دينيا أو طائفيا حتى تكون العلمانية هي حله الرئيسي.
العلمانية مطلوبة ولا غني عنها ونطرحها وبالدرجة الأولى لمصلحة الوحدة الوطنية والديمقراطية الفلسطينية ، وهي مطلوبة وأساسية لفلسطين ولغيرها من البلاد العربية والأجنبية وكجزء لا يتجزأ من التحول الديمقراطي الذي تنشده الشعوب كافة.
إن طرح العلمانية من منظور إثبات أننا لسنا متعصبين دينيا ضد اليهود أو سلفيين أو طائفيين واسترضاء المستوطنين الغزاة والرأي العام "المصنوع" إعلاميا هو تزوير للحقائق، وإثبات لتهمة علينا لا سند لها من التاريخ أو الواقع. وليس البروز الحالي للاتجاه الأصولي أو السلفي الإسلامي في فلسطين والعالم العربي إلا مجرد رد فعل - غابت عنه الكثير من حقائق العصر – للجرائم الكبرى التي ارتكبتها الصهيونية والاستعمار ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى ، وهو أيضا نتاج الفراغ الذي تركته التيارات القومية و"الإشتراكية" بتراجعاتها وتعثراتها أمام الواقع والمشروع الاستعماري الصهيوني المتجدد وقضايا التبعية والتخلف؛ هذه القضايا الناجمة عن ماضي وحاضر السيطرة الاستعمارية والصهيونية من جهة واستمرار بقايا ملموسة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية للعصر الإقطاعي من جهة أخرى.
ولمن لا يعرف، سبق للقيادات الفلسطينية – في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي وكذلك عند إعلان بريطانيا سنة 1947 عزمها على إنهاء انتدابها تمهيدا لإعلان وإقامة الدولة الصهيونية – سبق أن طلبت إقامة دولة فلسطينية واحدة تضم كل السكان بما فيهم اليهود المقيمين آنذاك في فلسطين، ومجتمع المستوطنين والاستعمار هما اللذان رفضا العرض الفلسطيني.
4- صحة وجدوى الشعار / الهدف تتوقف على إمكانية وأسلوب تحقيقه ، هذا الأسلوب الذي يشكل جزء لا يتجزأ من هذه الإمكانية والعامل الرئيسي في تحويلها من مجال الممكن إلى حيز الواقع أو كما يقول المناطقة من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل. الدولة الديمقراطية العلمانية كحل استراتيجي حقيقي لا تقوم بالاتحاد أو التكيَّف أو التوافق مع الكيان الصهيوني وإنما على إنقاضه. وهذه الإمكانية توجد فقط ، وأولا : بتكتيل وتثوير الشعب الفلسطيني عن فكرة أبيه وراء هدف التحرير وأساليبه. وثانيا : بمساندة وتحالف وثيق بين الشعب الفلسطيني وشعوب الدول العربية – المجاورة على الأقل – والتي يقع على عاتقها العمل الدؤوب لإقامة سلطات سياسية لدولها تضع قضايا التحرر من الاستعمار والصهيونية والتبعية على رأس جدول أعمالها، وهذا الجدول – وعلى خلاف ما تدعيه الحكومات التابعة والمستسلمة والمثقفون الانهزاميون والمتصهينون هو المدخل الحقيقي الرئيسي للتطور الاقتصادي والاجتماعي بل ولتحرير الطبقات الكادحة المستغلة من الاستغلال لمن يعنيه حقيقة هذا التحرير.
وإمكانية إنجاز الحل الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، وأساليب النضال التي يتطلبها ومركز الثقل في هذه الأساليب أو الأسلوب الرئيسي ، والتي تشكل في ذات الوقت العامل الرئيسي في تطوير وتسريع وإنضاج التناقضات الداخلية في الكيان الصهيوني بين الاشكناز والسفارديم واليهود الروس والأفارقة والآسيويين وغيرهم ، وكذلك بين الفقراء والأغنياء ، بين المستغلين والمستغِلين بما يساهم في تقويض كيان الدولة الصهيونية العنصرية ، نقول أن هذه الإمكانية تتيحها استراتيجية لحرب التحرير الشعبية الفلسطينية والعربية نابعة من طبيعة الصراع ومؤسسة على حقائقه الأساسية.
فلن يتحقق الحل بمجرد إثبات أننا علمانيون، وإن كانت علمانية السياسة عموما وعلمانية الصراع العربي الصهيوني - بمعنى التأكيد على حقيقته الدنيوية وغير الدينية - أمراً لازما وضروريا . فلا وزن للعلمانيين الحقيقيين في إسرائيل لأن اليهودي الذي جاء غازيا مقتنعا بالتأويل التلمودي للدين اليهودي وإقامة الدولة التي وعده بها الرب ليس علمانيا بالتأكيد.
كما لا يتحقق الحل كما يزعم البعض بالاعتماد أو التعويل على التعاون والتحالف مع ما يسمى القوى الديمقراطية وغير الصهيونية في الكيان الصهيوني وهي القوى الهامشية للغاية والمشكوك تماما في انسلاخها عن الصهيونية. فعناصرها القليلة هم أيضا ممن جاءوا من أنحاء العالم للمساهمة في تشييد أو دعم قاعدة الصهيونية والاستعمار والإقامة في ظلالها الكئيبة وغير الآمنة، ويندر بين هذه القوى الهامشية غير الصهيونية المزعومة من لا يؤمن بفكرة التحرير القومي لليهود (أي العقيدة الأساسية للصهيونية اليهودية) . ألم يتبنى ما كان يسمى بالحزب "الشيوعي" الإسرائيلي مفهوم التحرر القومي اليهودي؟
لا طائل من الاعتماد على التناقضات الداخلية وصراع الطبقات في الكيان الصهيوني أو اعتبارها عامل أساسي يعمل لصالح حل القضية الفلسطينية لا في الوضع الراهن ولا في الأفق المنظور. وستصبح عاملا أساسيا فقط في مرحلة متقدمة من تطور التناقضات الخارجية للكيان والضربات المتواصلة الفعالة والقوية التي يتلقاها بمختلف أساليب نضال شعوبنا وفي مقدمتها الكفاح المسلح. وقد ضلل قادة قوي وأحزاب متعددة منها من يحمل اسم الحزب الشيوعي سواء في مصر أو غيرها من الدول العربية قواعدهم الحزبية وجماهير شعوبهم منذ ادعوا في سبعينات القرن الماضي أن الحل الاستراتيجي – الدولة الديمقراطية العلمانية – لا يمكن تحقيقه إلا "بالنضال المشترك" لكافة السكان المقيمين على أرض فلسطين من مسلمين ومسيحيين ويهود وصولا إلى " تحقيق التآخي بينهم "، وبأن هذا الحل رهن بعوامل متعددة في مقدمتها "تنامي الحركة الديمقراطية المعادية للإمبريالية والصهيونية داخل إسرائيل ذاتها والتقائها وتلاحمها مع نضال الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة بصفة خاصة ومع نضال حركة التحرير العربية بصفة عامة"، وحدوث تغيير في توازن القوى لصالح قوى التحرر العربية بتصفية نفوذ ومواقع الإمبريالية وتصدي الطبقة العاملة لقيادتها (برنامج الحزب الشيوعي المصري). إنها توجهات عجيبة حقا، وأخشى من قول ومريبة والتي قد تؤدي إلى إثارة ردود أفعال شخصية تمنع الاستقبال والتناول الموضوعي لما أبديناه من توجهات وآراء. إذ كيف يكون في مقدمة عوامل تحقيق الحل الاستراتيجي النضال المشترك مع القوى الديمقراطية المعادية للاستعمار والصهيونية في إسرائيل خاصة وهي غير موجودة أصلا أو هامشية في أعلى تقدير ؟ وكيف سيصفى "نفوذ ومواقع" الإمبريالية في العالم العربي مع استمرار وجود قاعدتها الأساسية وهي الكيان الصهيوني وبدون النضال الدؤوب اعتمادا في المقام الأول على قوانا الذاتية والأصدقاء والحلفاء الموثوق بهم ولنعول بدلا من ذلك على النضال المشترك" مع قوى هامشية في إسرائيل ولم تنسلخ حقيقة عن الصهيونية؟
وماذا يفعل الشعب الفلسطيني ولاجئوه في مواجهة المحتلين الغاصبين؟ أينتظر أملا في أن تأتي الخزعبلات المذكورة بنتائج ملموسة؟ وما هي حدود الانتظار، مائة، مائتان، ثلاثمائة سنة مثلا حتى تصفى القضية ويصبح هنديا احمرا جديدا؟ وماذا نفعل نحن في مصر مثلا وعلى أعتاب بيتنا قاعدة العدوان وشروطها مفروضة علينا في كامب ديفيد؟
إن المجتمع "الإسرائيلي" ليس مجتمعا طبيعيا أو عاديا، إنه قوة أو جماعة محاربة، معسكر كبير به جيش عامل وجيش في الاحتياط ، إنه جيش وخدمات متنوعة مساعدة للجيش. النقابات نفسها واتحادها "الهستدروت" نشأ ولا يزال كفرع للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، وهو ذو صفة مزدوجة، ممثل للعامل وصاحب العمل. والفلاحون، المزارعون ، غزاة مستوطنون في أنظمة كنظام الكيبوتز وهو جزء لا يتجزأ من القوة الحربية العدوانية للكيان الصهيوني ونظام دفاعها و عدوانها . وكل يهودي من غير يهود فلسطين جاء إليها بعد وعد بلفور جاء غازيا محاربا ، ومن لا يزال مقيما فيها رغم الحروب الدائمة وفقدان الأمن إنما بقي تشبثا ودفاعا عن الصهيونية وكيانها الغاصب العنصري في فلسطين . لذلك فإن الدعوة للاعتماد على "النضال المشترك" مع "الحركة الديمقراطية" داخل إسرائيل "والتقائها وتلاحمها" مع نضال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية هو حقيقة تخلي تام عن القضية الفلسطينية وتخل عن مقاومة الاستعمار، فليست إسرائيل دولة عادية، وليست القضية الفلسطينية هي قضية نزاع ديني أو طائفي أو عرقي يحل بالتآخي والعلمنة، وإنما هي قضية الاستعمار الاستيطاني لفلسطين، قضية قيام ووجود الكيان الصهيوني، والذي هو في ذات الوقت أداة الاستعمار العالمي ضد دول وشعوب المنطقة بأسرها.
وبناء على ما تقدم في شأن الشروط والمضامين الواجب توافرها لكي يكون شعار الدولة الديمقراطية العلمانية حلا استراتيجيا صحيحا للقضية الفلسطينية نقترح إعادة صياغة الشعار ليصبح "دولة فلسطينية مستقلة وطنية ديمقراطية علمانية" على أرض فلسطين التاريخية، تقام على أنقاض الكيان الصهيوني، عبر حرب التحرير الشعبية الفلسطينية طويل الأجل المدعومة بحرب تحرير عربية تخوضها شعوب دول الجوار الفلسطيني وجيوشها الوطنية تحريرا لأراضيها المحتلة أو المشمولة بالوصاية الإسرائيلية، وحماية لاستقلالها وأمنها ومشاركة في تحرير فلسطين وبتأييد ومساندة ودعم جميع الشعوب العربية.

الدولة الإسلامية الفلسطينية
وهي الصيغة التي يدعو إليها تيار الإسلام السياسي، وتتبناها حركتا المقاومة الإسلامية الفلسطينية البارزتان حماس والجهاد على ما بينهما من خلافات. ورأيُنا في هذه الصيغة وارد بشيء من التفصيل – وإن يكن بطريقة ضمنية – في سياق عرض وتحليل الصيغ السابقة لحل القضية الفلسطينية وخلاصته : الرفض التام والمبدئي للدولة الدينية عامة وفي فلسطين خاصة.
الاعتراض العام على كل دولة دينية هي أنها أصبحت منذ زمن طويل خارج التاريخ، ومن ثم باتت العودة إليها عملا رجعيا معاديا للديمقراطية والوحدة الوطنية وحقوق الإنسان والحداثة والعدالة بالآفاق التي فتحها أمامها، وسيفتحها أكثر فاكثر في المستقبل، تطور الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا وعالم الفكر وعالم القيم. لا يعني – بالطبع – رفض الدولة الدينية بالنسبة لنا أي انزلاق إلى النزعة التغريبية (محاكاة الغرب والنقل غير النقدي وغير العقلاني عنه) أو التنكر لجذورنا وتاريخنا وازدراء تراثنا. فليست الأصالة هي التقليد والتقديس الأعمى للماضي والتراث الذي تركه لنا، وإنما تعني الحفاظ على كل ما هو إيجابي وعقلاني وحافز للعزيمة والتقدم ولفظ ما دون ذلك مما ذهب زمانه وفات أوانه.
أما الاعتراض المتعلق بخصوصية القضية الفلسطينية بالذات فنلخصه – اكتفاء بما ورد بشأنها في عرض الصيغ السابقة – في النقطتين التاليتين :
1- الدولة الإسلامية في فلسطين هي أكبر تبرير للدولة اليهودية في فلسطين ودعوة بمفهوم المماثلة لليهود للتمسك بالعقيدة التي غرستها فيهم الصهيونية بأن فلسطين أرض الميعاد والآباء والأجداد. فإن كان المسلمون يتخذون من دينهم مرجعية لدولتهم ومصدرا لتشريعاتهم، فلماذا يكف اليهودي كما نريد منه عن اتخاذ الدين اليهودي مبررا ومرجعية لإقامة دولة يهودية والدفاع عن وجودها واستمرارها وتوسعها في يهوذا والسامرة (الضفة والقطاع) وكتابه المقدس يعلمه أن فلسطين هي الأرض التي وعده بها الرب؟
إن ضرب عقيدة النضال والقتال عند العدو هي الأساس والمقدمة الضرورية لضرب مؤسسته العسكرية وكيانه السياسي وتصفيتهما، وهي عند اليهود الصهاينة "فلسطين هي أرض الميعاد". لذلك فإن رد القضية وحلها إلى الدين هو أثمن ما نقدمه على أيدي "الإٍسلاميين" في صفوننا للعدو الصهيوني.
أما عقيدة النضال والقتال عندنا ضد الكيان الصهيوني فهي الحق التاريخي الطبيعي الممتد علاوة على الحق السياسي لشعب فلسطين في أرضه. ولا تعوزنا عقيدة النضال الحقيقية حتى نستعيرها من الدين وكأننا نفتعلها. حقا عزز الدين والتاريخ الإسلامي الحق التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني لكنه لم يخلقه أو يشكل مصدره وإنما خلقته وشكلت مصدره: الإقامة الدائمة المستقرة غير المنقطعة آلاف السنين على الأرض رغم تعاقب الأنظمة الاقتصادية والسياسية والثقافية والأديان.
2- من أخطر ما يهدد حل القضية الفلسطينية والنضال المرير الطويل الذي لا مفر من خوضه بديلا للتصفية هو تديين الصراع مفهومه وحركته ولغته .. وعندما نكون هذه العملية (التديين) حادثة على الجانب الفلسطيني والعربي يشمل الخطر جبهة الصراع مع العدو الصهيوني والعلاقات على الجبهة الداخلية الفلسطينية معاً. لا نقصد بالتديين مجرد استخدام العقائد الدينية والثقافة الإسلامية الحاضة على قتال المحتل الغاصب (الجهاد)، والاتحاد والتكافل في مواجهة الأخطار والمحن، والتضحية والفداء (الاستشهاد) وغيرها من المبادئ والقيم الإيجابية البناءة في الدين أو الثقافة الإسلامية. فهذا أمر لا غبار عليه ومطلوب، ومعبر عن مرتكز أساسي في الثقافة الفلسطينية والعربية استخدامه واجب وضروري جنبا إلى جنب المصادر الأخرى لنفس المبادئ والقيم أو لمبادئ وقيم أخرى إيجابية ومفيدة لنضالنا وأهدافنا. وإنما المقصود بالتديين اعتبار الصراع صراع أديان والغاية منه نصرة دين علي دين أخر ، وهو ما يٌكسب الصراع من جانبنا طابعاً دينياً غالباً وبما يؤهله إلى التحول- حتى بعمل استفزازي متعمد من جانب اعدائنا – إلى حرب دينية شعواء تحجب حقيقة الصراع حول المصالح والحقوق الدنيوية : المصالح الوطنية والإنسانية والعادلة في جانبنا والمصالح العدوانية الاستغلالية العنصرية في الجانب الاستعماري الصهيوني. وتتخطى هذه المصالح كما يعرف كل إنسان عاقل ولا تحفل بأديان المستفيدين والمضارين علي الجانبين المتعارضين والمتناحرين.
ويؤسس منطق القول بالدولة الإسلامية الفلسطينية ويكرس بصورة متزايدة تديين الصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني بل والصراع العربي – الاستعماري الذي يصفه هذا المنطق بالصراع بين الإسلام والغرب ( تحديداً المسيحية ومعها اليهودية). وهذا ما يلتقي تماماً – وبغض النظر عن حسن أو سوء نية الإسلاميين- مع سياسة الاستعمار والصهيونية اللذين يتخذان اليوم ما يسمونه صراع الحضارات والحرب علي الإرهاب (الإسلامي تحديدا) عنوانين وقناعين لمصالحهما وتوجهاتهما الاستعمارية التوسعية، وبما يساهم في تعبئة وصناعه الرأي العام في الدول الاستعمارية ذات الأغلبية المسيحية والتي لا تزال تضم أغلبية اليهود- خلف مخططاتهما وممارستهما العدوانية والاستعمارية.
أما علي الجبهة الداخلية الفلسطينية فإن منطق المقدس الديني في الحياة السياسية الذي يتبعه دعاة الدولة الدينية يولد بالضرورة نزعة إقصاء "الخارجين" عن " الشرع" و"الملة" ومن ثم يضعف وحدة الشعب الذي لا سبيل لانتصاره بدون وحدة وتعبئة وتلاحم كل أفراده وطبقاته وفئاته الوطنية في النضال من أجل التحرير . وهو ما يتبدي اليوم في عجز أكبر وأقوي فصائل المقاومة الفلسطينية ( حماس) في اتباع السياسة الكفيلة بتوحيد قوي وفصائل المقاومة الوطنية معها لعزل تيار وقوى الاستسلام والانهزامية الممثل أساساً بالأسلويين وحسم الصراع معه سياسياً وجماهيرياً حول خط السير واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني كاملاً وذلك بسبب هذه النزعة الاقصائية بالذات.
تبقي طريقة التعامل الصحيحة مع التيار السياسي الداعي لحل الدولة الإسلامية والمقاوم للاحتلال. ونري انه من غير الجائز مبدئيا ، ولا هو مفيد عمليا ، القطيعة مع هذا التيار وخاصة حركتا المقاومة الإسلامية حماس والجهاد. فهما حركتان مقاومتان للكيان الصهويني وإن يكن بالأيديولوجية والطريقة التين انتقدناهما. فهذا التيار يشكل في هذه الحقبة من تاريخ حركة التحرر الفلسطينية أبرز فصائل المقاومة، ويساهم بالدور العملي الأكبر في تقليم أظافر وثلم أنياب العدو الصهيوني المدجج بأحدث الأسلحة وفي عرقلة استقراره وتوسعه، ويتصدى مع القوي الديمقراطية الثورية الفلسطينية - الأقل وزناً منه بكثير الآن - لتيار وقوي الاستسلام والانهزامية الفلسطيني، وبما سمح من قبل باستمرار المقاومة وخروجها حية متنامية من مفترق الطرق الذي وضعتها فيه أوسلو، وانطلاق الانتفاضة الثانية سنة 2000، واضطرار العدو لتصفية مستعمراته والانسحاب من داخل قطاع غزة، والعزل النسبي للتيار الاستسلامي في فتح بقيادة عباس وفياض ودحلان، بما يشكل مع أسباب وتطورات أخرى في فلسطين ولبنان والعراق إمكانية جديدة تحتاج للمزيد من الجهد والتفعيل للخروج الظافر المتصاعد لخط المقاومة والتحرر من مفترق الطرق الحالي للنضال الوطني التحرري الفلسطيني. وللتذكرة في فقد نجم مفترق الطرق الجديد في الأصل عن تغير كبير في ميزان القوى الداخلية لصالح خط المقاومة والتحرر لعب فيه التيار الإسلامي الدور الرئيسي ودون أن يكون هذا التغير كافياً لحسم الصراع - حول منهج ووجهة السير في مشروع التحرر الوطني - مع خط التسوية، خط تصفية القضية الفلسطينية، وهو ( مفترق الطرق) يتمثل اليوم فيما أسفر عنه الصراع تحت هذا التغير وشروطه غير الكافية من صدام بين حماس وجماعة أوسلو وفتح عامة، وانفراد حماس بالسيطرة الداخلية علي قطاع غزة، وانفراد جماعة أوسلو بالسيطرة الداخلية علي الضفة الغربية، والحصار الإسرائيلي الأمريكي الأوروبي علي قطاع غزة لتركيعه لجماعة أبو مازن وفياض ومن خلفهما إسرائيل وأمريكا، واستئناف المفاوضات بين أبو مازن وحكومة العدو الصهيوني تحت أوضاع وتوجهات تنبئ بوضوح أنها مفاوضات للتصفية التامة للقضية الفلسطينية.
من الواضح إذن أن التيار الديني وحماس خاصة يقوم بالدور الأكبر حالياً في مقاومة الاحتلال – رغم بعض النواتج السلبية التي يفرزها تديين الصراع والسياسة عامة – وبما يمنع أو يعرقل إلى حد كبير السير قدماً في طريق تصفية القضية . وهو مما يتيح للقوى الديمقراطية والثورية الأنضج في وعيها وممارستها المتبنية للصيغة الصحيحة للحل " الدولة الفلسطينية المستقلة الوطنية الديمقراطية العلمانية " المجال لمواصلة وتفعيل نهجها وطرح مبادراتها والقيام بدورها في مقاومة العدو والتنافس السياسي مع التيار الإسلامي في كسب جماهير الشعب إلى منهجها وصيفتها للحل. ولا ولن يتأتى لها ذلك من خلال القطيعة والهجوم المطلق علي حماس وإنما بتأكيد اعترافها الموضوعي بدورها في مقاومة العدو، ورغبتها في الوحدة مع حماس والجهاد وكل الفصائل، ضد العدو ومن أجل مقاومته، مع الاحتفاظ في كل الظروف بحقها في نقد ممارستها الخاطئة وصيفتها في الدولة الإسلامية الفلسطينية، بما في لك نقد مشروع الهدنة الطويلة مع إسرائيل الذي لوحت به حماس أكثر من مرة، مع نقد أي ميل لدى حماس للإقصاء والانفراد، أو لتغليب البقاء في سلطة الحكم الذاتي علي دورها في المقاومة إذا كان هذا البقاء سيحد أو يخصم بالضرورة من دورها المقاوم عسكرياً وسياسيا للكيان الصهيوني.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة البرنامج العام للحركة دارفور والازمة العامة فى السودان -عيداروس القصير الموضوع السابقة
تقييم 1.77/5
تقييم: 1.8/5 (78 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع