المقالات والاخبار > مقالات > من أجل الاصطفاف السياسي والجماهيري

من أجل الاصطفاف السياسي والجماهيري

ضد العدو الأمريكي والصهيوني المقاومة والتحرير اولا

نشرت بواسطة admin في 26-Aug-2013 12:50 (589 عدد القراءات)
[size=x-large]من أجل
الاصطفاف السياسي والجماهيري ضد العدو الأمريكي والصهيوني
المقاومة والتحرير اولا

عيداروس القصير
مرة أخرى ينجح أعدائنا، بمناسبة أسر صدام حسين ، فى شغل الكثيرين من السياسيين والمثقفين المصريين والعرب بقضايا مفتعلة وملغومة تشوش رؤيتهم لمسببات الاحتلال الأمريكي للعراق وأهدافه فى العراق والمنطقة ، وتضعف وحدة القوى الوطنية أمام العدوانية الأمريكية الجامحة ، وتحبط نزوع الجماهير لطريق المقاومة والتحرير الذى لا يزال يتحسس موقع أقدامه فى مصر وأغلب الدول العربية.
لا نتحدث عمن أصبحوا فى خندق واحد مع العدو ، وإنما عن عناصر وقوى أدانت بطريقة أو أخرى الاحتلال الأمريكي قبل وبعد وقوعه. بعضهم سارع دون ترو للتصديق على الصورة واضحة الافتعال والكذب والمرمى لإظهار رئيس العراق السابق كفأر فى حفرة طالبا الرحمة من قاهريه مستسلما لعبث أياديهم وإعلامهم. البعض أبدى سعادته واستشاره بسقوط الطاغية حتى لو جاء ـ كما قال ـ على أيدي الأمريكيين المحتلين. أحدهم قال من المتفق عليه( ولم يقل لنا من الذين اتفقوا مع من ومتى وأين وكيف؟) أن تتم محاكمة صدام حسين عن الجرائم التى ارتكبها فى حق شعبه والشعوب المجاورة . بعضهم انبرى للمفاضلة بين المحاكمة داخل العراق وبين المحاكمة فى محكمة عالمية تشكل لهذا الغرض على غرار محاكمة مسيلوفيتش رئيس صربيا. ومنهم من لم يرى فى الحدث غير صورة الديكتاتور الفاشل لكى يستند إليها لترديد المشابهة بين صدام وبين هتلر وموسولينى التى افتعلها المستعمرون لتبرير احتلال العراق ، وللإعراب عن موقف انسحابى غريب هو أقرب للتخلى عن قضية مقاومة المحتل الغاصب الطامع بقوله : ليس فى النفس تعاطفا مع الديكتاتور ولا مع من ألقى القبض عليه .... و ... ليس فى النفس بقية لحب استطلاع لمهزلة إعلامية أخرى . آخرون يحملون اسما يساريا فى العراق قالوا إن اعتقال صدام يزيل مبررات استمرار أمريكا ومواصلتها لسياسات الحرب والعسكرتاريا (لاحظ تجنب استخدامهم لفظ الاحتلال ) ويسحب بساط ادامة سياساتها من تحت أقدامها ، وكأن أمريكا ما ذهبت للعراق إلا لإزاحة صدام حسين.
إن كل هذه الأقوال والمواقف وبغض النظر عن نوايا أصحابها تحقق للمحتلين ما أرادوه بالقبض على صدام وبالقصة التى نسجوها حول عملية القبض وبالطريقة المهينة التى أظهروه بها ، والتي لم يملك معها بابا الفاتيكان – وهو ليس عدواً لأمريكا ولا صديقا لصدام حسين – إلا الاحتجاج على معاملة أسير الحرب رئيس الدولة العراقية السابق كما يعامل البقر. وتكشف هذه المواقف عن خطر كبير يهدد المقاومة الوطنية للاحتلال الأمريكي والصهيوني وهو أن الكثيرين خارج العراق وداخله أيضا لا يزالون أسرى الصراعات والخلافات التى سبقت الاحتلال بل والتي سبقت سنوات الحصار وحرب 1991 ، ولم يرتفعوا إلى مستوى الوضع الراهن ومخاطره الجديدة ، مما أدى ببعضهم داخل العراق وخارجه لأن يصبحوا عونا للعدو على بلادهم وشعوبهم ، ويؤدى بآخرين اليوم إلى العجز عن حسم ترددهم بالاستجابة للضرورات التى تفرضها مهمة مقاومة العدو الأمريكي الصهيوني.
ويتبدى هذا العجز فى نسيان أو تناسى البعض أن القبض على صدام هو عملية أسر، عمل من أعمال حرب احتلال العراق والتي لم تتوقف بعد سقوط العراق وعاصمته بغداد فى براثن الاحتلال الغاضب، هى عمل موجه لكسر شوكة المقاومة العراقية وإخضاعها باعتبار أن صدام حسين رئيس العراق الذى لم يعلن استسلامه رغم هزيمة جيشه ونظامه السياسي ، وأنه كان يقود أو الأقل كان الرمز والمحرض الكبير لأحد أكبر تجمعات أو تشكيلات المقاومة المسلحة لجيش الاحتلال. هذه الحقيقة لا يجوز إهدارها جراء وقوعه فى الأسر ولا جراء " تاريخ" نظامه الموغل فى الديكتاتورية. فالعدو والخطر الأكبر الرئيسى اليوم هو الاستعمار الأمريكي ، وإذا أنكر أحد هذا الواقع الماثل صب نقده للاستبداد السياسي الداخلي فى طاحونة الأكاذيب الأمريكية الفاقعة عن الحرية والديموقراطية المتخذة عنوانا لاحتلال واستعباد الشعب العراقي ، وكان تماما كمن خانوا الوطن والأهل بحجة القضاء على الديكتاتورية السياسية العراقية .
أما المهزلة الإعلامية التى أخرجت بها عملية الأسر والعبث بالجسد المخدر وكرامته على شاشات التليفزيون، فهي رسالة موجهة إلى كل العرب رؤسائهم وزعمائهم وشعوبهم عن المصير الذى أعده العدو الأمريكي لكل من يعارض – لأى سبب كان – مراميه الاستعمارية فى المنطقة . وقد تؤتى هذه الرسالة مفعولها المنشود أمريكيا ما لم تواجه مواجهة صحيحة وفعالة.
ان تهالك وعجز نظم الحكم العربية، فضلا عن بطء وتعثر استجابة القوى لمقتضيات الوضع السياسي الناشئ عن الاحتلال الأمريكي للعراق وعن استراتيجية السيطرة الأمريكية المباشرة والشاملة على العالم العربي، وعواقبهما الماثلة فى ضعف الاصطفاف السياسي الوطني فى مواجهة الاستعماريين الأمريكيين والكيان الصهيوني، تهدد بمضيهم قدما لتحقيق أهدافهم. وليس صدفة أن يصدر إعلان ليبيا المفاجئ عن تخليها عن جميع برامجها لأسلحة الدمار الشامل والصواريخ البعيدة المدى بعد أسبوع واحد من الإعلان عن أسر صدام حسين، ولا من قبيل الصدف أن تبدأ المفاوضات التى أحيطت بالسرية والكتمان لتجريد ليبيا من هذه البرامج والأسلحة عشية الغزو الأمريكي للعراق فى شهر مارس الماضي.
إن الأنظمة العربية التى سارعت جميعها إما إلى تهنئة قادة الاستعمار الأمريكي ، وإما بإبداء تفاؤلها واستبشارها بأسر صدام حسين ، تروج لمقولة مفادها أن غياب صدام أوجد مخرجا مما تسميه المشكلة العراقية أو الشأن العراقي ومن ثم تسليم السلطة للعراقيين وإنهاء الاحتلال بعد ذلك فى أقرب فرصة ، وهى مقولة لا أساس لها من الصحة ، وتتضمن فضلا عن ذلك تصديقا على الأهداف الكاذبة للحرب على العراق مثل اكتشاف وتدمير أسلحة الدمار الشامل التى يخفيها العراق ، والقضاء على الديكتاتورية ونشر الحرية والديمقراطية. فالأهداف الحقيقية ـ والمعلنة أيضا فى مناسبات متعددة – هى ، أولاً: استكمال إخضاع دول الخليج العربية البترولية للحكم الأمريكي ، ثانياً: اتخاذ العراق المحتل مرتكزاً أو موقع وثوب أو تهديد إقليمي لدول المنطقة الأخرى استنادا للقوة العسكرية الأمريكية والمشروع الصهيوني ، ثالثاً: أحكام السيطرة الأمريكية المباشرة على العالم العربي بداية بالعراق كمرتكز أساسي للاستراتيجية الأمريكية للهيمنة الكونية ، وهو مرتكز قرره الموقع الاستراتيجي الحاكم للعالم العربي فضلا عن احتياطي البترول العربي.
لذلك وعلى عكس ما تروجه النظم العربية وبعض الكتاب فإن اعتقال صدام حسين واختفائه من مساحة السياسة أو المقاومة على أرض العراق لن يغير قيد أنملة من الأهداف الأمريكية المقررة ، بل الأحرى أن يقوى – مؤقتا على الأقل – ثقة أمريكا وأعوانها فى تحقيقها. لذلك لا تظل الاستحقاقات – التى فرضها العدوان الأمريكي على العراق والمشرع فى وجه كافة الشعوب العربية – على شعوبنا وقوانا الوطنية قائمة فحسب بل تتزايد مخاطر النقص فى شروط الوفاء بهذه الاستحقاقات مع إحراز الأمريكيون تقدما – حتى لو كان جزئيا ومؤقتا ـ أمام المقاومة العراقية. فلن يتورع هؤلاء المجرمون عن ارتكاب المزيد من الفضائح – على نحو ما نشهده اليوم – ضد الشعب العراقي وعن مد عدوانهم وتهديداتهم لأقطار عربية أخرى لدى كل أقل نصر يحققونه ضد المقاومة.
ولعل الفائدة الحقيقية للمساجلات التى دارت وتدور حول أسر صدام حسين والموقف منه ، ومن محاكمته ، أنها كشفت مجددا حقيقة عدم توجه القوى الوطنية العربية – كما نوهنا – أعلاه توجها عاما واضحا وحاسما نحو الاصطفاف الوطني العام ضد العدو الأمريكي والصهيوني الذى يتطلبه عاجلا الموقف الراهن ، باعتباره الحلقة الأساسية الأولى فى مسيرة المقاومة الفعالة للاستراتيجية الاستعمارية الأمريكية وأداتها وشريكتها الصهيونية.
مصادر ضعف الاصطفاف الوطني ضد العدو
ويمكن تركيز أهم المصادر الأساسية التى تكبح عملية الاصطفاف الوطني العام رغم الأخطار الماحقة الماثلة أمامنا فى مصدرين أساسيين هما:
المصدر الأول: هو الاستراتيجية الانهزامية المتبعة مع الكيان الصهيوني والقائمة على استرضاء أمريكا والسير فى ركابها والاعتراف بالكيان الصهيوني ( إسرائيل ) والتطبيع معه مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة 1967 ، مما أدى فى آن واحد إلى سيطرة أمريكا على مقدراتنا وتحويل كافة الدول العربية إما إلى مستعمرات أو أشباه مستعمرات أمريكية ، مع بقاء الاحتلال الصهيونى وتدعيم وجوده ومشاريعه التوسعية. ولا يلحق استمرار النظم العربية ورضوخ قطاعات واسعة من الجماهير لتلك الاستراتيجية العربية الانهزامية واعتمادها على التفاوض والدبلوماسية الخائبة أفدح الأضرار بالقضية الفلسطينية وقضية الأرض العربية الأخرى المحتلة 1967 وما بعدها فحسب، بل وأيضا بمهمة تحقيق الاصطفاف الوطني العربي العام ضد الاحتلال الأمريكي للعراق ومراميه العدوانية بالنسبة للعالم العربي بأسره . فأول ما يتطلبه هذا الاصطفاف الضروري والعاجل هو التمييز الواضح بين العدو والصديق . فبدون هذا التمييز والتوحد ضد الاستعمار الأمريكي العدو الرئيسى الأول والذي أصبح عدوا مباشرا وضد العدو الرئيسى المباشر الثاني وهو الكيان الصهيوني ، وكشفهما وعزلهما وهزيمة مراميهما فى الميدان السياسي وفى صفوف جماهيرنا أولا وقبل كل ميدان آخر ، لن تتقدم شعوبنا خطوة أساسية واحدة على طريق تحررها وامتلاك قرارها المستقبل. ولن يؤدى استمرار هذه الاستراتيجية الفاشلة وسيئة السمعة إلا إلى المزيد من الهزائم والنكبات العربية. كما لن يؤدى التهالك أو الجبن أمام التهديدات والاملاءات الأمريكية والصهيونية إلا إلى مضى أعدائنا قدما فى مخططاتهم الهجومية.
المصدر الثاني: تغلغل أيديولوجيات العولمة والأمركة لا فى الطبقات والفئات الحاكمة فحسب بل وأيضا في المثقفين المصريين والعرب ، وانجذاب كثيرون للعمل تحت شعارـ وفى منظمات – المجتمع المدني الممولة أمريكيا وأوروبيا ، وهى المنظمات التى قامت بدور كبير فى الترويج لما يريد الاستعماريون بالضبط ترويجه باستثناءات معدودة. وقد أتاح المناخ الفكري المبلبل والمشوش فى صفوف الوطنيين والاشتراكيين الذى ساد عالميا وعربيا مع سقوط الاتحاد السوفيتي وغيره من الدول الموصوفة آنذاك بالاشتراكية، فرصا ذهبية لانتشار الأفكار الاستعمارية والصهيونية فى بلادنا العربية تحت عناوين عالم القرية الصغيرة وعصر المعلومات والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن مقارنة بسيطة بين موقف الوطنيين المصريين من مسألة التمويل الأجنبي للأنشطة الثقافية والسياسية فى عقد التسعينات وحتى الآن وبين موقفهم المبدئي الحازم الرافض له حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي تدل بحد ذاتها على فقد الحدود أو الضفاف التى تميز المواقف المبدئية الوطنية أو الثورية عن المواقف غير المبدئية المناظرة لها. ورغم أن عالمنا العربي كان المثل الأول الدال على حقيقة النظام العالمي " الجديد" والقرية الصغيرة وحقوق الإنسان وتعميم الديمقراطية ، عندما استولت الجيوش الأمريكية فى بداية التسعينيات على دول الخليج العربية وفرضت الحصار على العراق بعد تدميره بحجة تحرير الكويت وحمايته، فإن المشهد الثقافي والسياسي الغالب فى مصر والعالم العربي ظل حتى احتلال العراق،ولا يزال إلى الآن، وإلى حد ملموس مشهدا ليبراليا استعماريا طمست فيه المضامين والحقائق الأساسية للنظام الإمبريالي العالمي المتجدد والمستوحش. ولمدة بلغت نحو خمسة عشر عاما بات الحديث عن الاستعمار والإمبريالية والتبعية واحتجاز تطور العالم الثالث أو الرابع والأطماع الاستعمارية والتآمر الأمريكي والصهيوني على بلادنا وإسرائيل الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين- بات كل ذلك من مخلفات عصر مضى وانقضى . وفى ظل هذه الحالة من غيبوبة العقل العربي روج لأمريكا – بقصد وبدون قصد – كمنارة للديمقراطية ورائدة للتقدم العلمي والإنساني وحامية لحقوق الإنسان. واستدرج العرب والمسلمون كافة لمساندة أمريكا وحلف الأطلسي فى مؤتمراتهم الإجرامية لتفكيك يوغسلافيا واحتلال كوسوفو بحجة حماية المسلمين فى البوسنة والهرسك وكوسوفو، وللقضاء على حكم آخر معارضي توسع حلف الأطلسي شرقاً ومحاكمته فى محكمة مجرمي الحرب وهو سلوبودان مسيلوفيتش. وتسابق كثيرون على تأكيد حق أمريكا وحلفاء الأطلسي أكبر مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فى التاريخ فى التدخل فى الشئون الداخلية لدول العالم المستضعفة والقبض على مناوئيهم وخصومهم ومحاكمتهم كمرتكبى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما لم تقابل سياسة الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا لتشديد احتكارها للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى ومنع الآخرين من امتلاكها بالقوة بمعارضة رسمية أو شعبية جادة حتى غدا عدوان أمريكا العسكري على إحدى البلدان لتجريدها من هذه الأسلحة حقا مشروعا فى نظر الرأي العام العالمي.
ولا نجد ثمة داع للاسترسال فى ضرب الأمثلة الدالة على نتائج الوقوع فى أسر الهيمنة الأيديولوجية والإعلامية الإمبريالية تحت عناوين ضالة مضللة بعد أن نذكر بمهزلة التعاون المعلن أو التأييد السافر المتبجح من جانب نسبة لا يستهان بها من السياسيين والمثقفين فى العراق وغيره من الدول العربية للاحتلال الأمريكي بحجة تحريره من الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية.
ولقد كرس الفكر العولمى الإمبريالي والتوجيهات السياسية التى يدفع فى اتجاهها الاستراتيجية العربية الانهزامية القائمة بوضعهما عقبات فكرية وسياسة إضافية أمام مناهضيها الثوريين. وعلى الرغم من أن نتائج الممارسة على كل الجبهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والإعلامية ، قد كذبت الآمال الزائفة التى روجها الإمبرياليون وأبواقهم عن العولمة مما أدى إلى نهوض حركة شعبية عالمية مناهضة للعولمة الإمبريالية والهيمنة الأمريكية والتي كانت لها بعض الأصداء فى عالمنا العربي ، فإن نقدا واسعا وشاملا يحظى بالقبول العام للقوى الوطنية لطبيعة ومعايير وسياسات العولمة لم يحدث بعد. ولم يتم بالتالي وحتى الآن بلورة وتبنى برنامجا متسقا مضادا لهذه المعايير والسياسات، بل لا تزال قوى وعناصر وطنية تتبنى بعض معايير وسياسات أفرزتها العولمة مكرسة خصيصاً للتدخل فى الشئون الداخلية للدول المستضعفة وحرمانها من قرارها المستقل، ولعقاب الخارجين عن طاعة الإمبريالية العالمية والأمريكية والصهيونية ، مثل الموافقة على حظر انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل حفاظا على احتكار حفنة من الدول لها واضفاءا لشرعية دولية على استخدامها للقوة المسلحة لمنع الدول الأخرى من امتلاكها ، ومثل الموافقة على مبدأ المحاكمة الدولية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتي لن يحاكم أمامها إلا الوطنيين أو الخارجين عن طاعة أكبر المجرمين فى حق البشرية فى ظل وضع دولي تحكمه الإمبريالية والهيمنة الأمريكية.
ويفسر هذان المصدران الأساسيان للانهزامية والاستسلام لأعواننا كل من عجز وتواطؤ الأنظمة العربية وضعف الحركة الشعبية على الصعيدين المصري والعربي فى فترة الإعداد لغزو العراق ، كما يفسران موقف الأنظمة وضعف حركة الاصطفاف الوطني ضد العدوين الأمريكي والصهيوني بعد وقوع الاحتلال الأمريكي للعراق. فلقد جرى الإعداد لغزو العراق وتم احتلاله لا فى ظل هيمنة الاستراتيجية العربية الانهزامية وأيديولوجيات وسياسات العولمة على سياسات نظم الحكم فحسب بل وأيضا سيطرتهما أيضا على دائرة واسعة من المثقفين وقطاعات لا يستهان بها من جماهير الشعوب العربية. ولا تقلل حركة التضامن الشعبي الواسعة مع الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التى سبقت احتلال العراق من صدق هذا الحكم. فقد تم إجهاض هذه الحركة فكريا وسياسيا وتحويلها إلى حركة جمع تبرعات مالية وغذائية فقط ركبتها أنظمة الحكم ، واتخذت منها ستارا يخفى ضلوعها فى التآمر على المقاومة الفلسطينية ولتكريس الاستراتيجية الانهزامية : نهج كامب ديفيد ومدريد وأوسلو ووادي عربة وتفاهمات تيننت ومشروع ميتشل لتفكيك البنية التحتية للإرهاب
(المقاومة الفلسطينية).
لذلك فمن تحصيل الحاصل أن النضال الوطني لتحرير الأرض وحماية الاستقلال والحق فى التطور المستقل يبدأ بالنضال ضد الانهزامية والسياسات الاستسلامية ، وأن مقاومة الاحتلال الأمريكي والصهيوني تبدأ بالنضال ضد السياسات القائمة على التواطؤ أو الركوع والتخاذل أمام المحتلين وتهديداتهم وابتزازاتهم.
إن الانعطاف الحاسم فى موقف جماهير الشعوب العربية لطريق المقاومة هو ملاذنا الوحيد. ويقتضي ذلك ، أول ما يقتضي :
أولاً: فضح ونبذ الانهزامية وكل الأوهام التى أشيعت عن خيار آخر ، أو عن فقدان شعوبنا لأهلية تحمل تبعات المقاومة.
ثانياً: دعم الطليعتين العربيتين المتقدمتين للنضال الوطني التحريري وهما المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية خاصة دعم استراتيجية المقاومة المسلحة، إستراتيجية التحرير.
ويعد العمل اللازم إنجازه لتحقيق الانعطاف الجماهيري العام نحو طريق المقاومة هو الواجب الرئيسى المباشر لكل فرد أو جماعة أو قوة أو منظمة أو حزب يستحق وصفه بالوطنية أو بتمثيله لجماهير الشعوب العربية.
ولإنجاز هذا الواجب يجب الاستناد إلى خطة تسترشد بمبدأ المقاومة بكل أشكالها وتقوم على عدد من التوجهات الأساسية للتغلب على نواقص وتعقيدات واقعنا السياسي.
توجهات لإنجاز الواجب الرئيسى ( تحقيق الانعطاف الجماهيري لطريق المقاومة)
من الواضح أن الشقة لا تزال واسعة بين الوضع السياسي الجماهيري الحالي فى مصر وأغلب البلدان العربية وبين الانعطاف المنشود نحو مقاومة العدو ، ونرى أن الخطة أو العمل الهادف لإنجاز الواجب إنما يرتكز على دعامتين أساسيتين
الأولى : التكامل والتناسق والتظافر بين العمل اللازم فى صفوف الجماهير علي الصعيد العربي بأسره لدعم المقاومة العراقية والفلسطينية وبين العمل اللازم فى صفوفها لنبذ الانهزامية والأوهام عن خيارات أخرى غير المقاومة فى مواجهة الاحتلال أو العدوان العسكري أو أوضاع الوصاية والسيطرة المفروضة والتي يراد فرضها من جانب أمريكا والكيان الصهيوني .
الثانية : تعميم الوعي السياسي بالأهمية الإقليمية والدولية للمقاومة العراقية فى إفشال المخطط الأمريكي للسيطرة على العالم العربي والهيمنة الأمريكية العالمية. ففي العراق سيقبر أو يمر هذا المخطط، هذا فضلا عن دور ثبات وتصاعد المقاومة العراقية فى تخفيف ضغط الكيان الصهيوني والعدو الأمريكي على الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته الباسلة. ويقتضي ذلك عملا دؤوبا لتحقيق التفافا متناميا للقوى الوطنية وبالتالي الجماهير العربية العريضة حول التوجهات والمطالب التالية:
1- تحقيق الاصطفاف – وحدة الصف – الوطني العام ضد العدو الواحد الأمريكي الصهيوني:
إن تحقيق الاصطفاف الوطني العام كما نوهنا سابقا هو الخطوة الأولى الأساسية فى مواجهة العدو، وهو الواجب المباشر العاجل للقوى الوطنية ، وهو يعنى استنفار جماهير الشعب لإظهار رفضها للعدوان أو التهديد به وللهدف من ورائه والتكاتف فى مواجهته ، استنفارا يفهم منه العدو أنه عاجز عن إرهابنا وتقسيم صفوفنا أو عزل قطاعات هامة من شعبنا عن مقاومته. وهذه العملية فى مصر وغيرها من الدول العربية غير مكتملة بل ضعيفة.
أغلبية جماهير الشعب المصري تتألم غضبا جراء احتلال العراق والإبادة اليومية للشعبين الشقيقين فى العراق وفلسطين ، ولكنها تتمزق أيضا حيرة ويأسا من قلة الحيلة. فهي لا تشارك فى النشاط السياسي العام وتفتقد الوضوح الكافي لهمزة الوصل بين ما يجري فى العراق وفلسطين وما يجرى هنا وهناك فى بلاد عربية أخرى ، بل يغيب عن وعى أكثريتهم أن لمصر مشكلة وطنية خاصة بها مرتبطة أوثق الارتباط باحتلال فلسطين والعراق، وأنها مستهدفة كالشعب العراقي والفلسطيني . ولا يصل لأسماعها – إلا فيما ندر – غير صوت قادة النظام الحاكم وأجهزة التليفزيون والإذاعة التى ليس بينها قناة أو محطة تناهض العدو وتوالى الشعب والوطن. وهم فضلا عن ذلك مستغرقون آناء الليل وأطراف النهار لتدبير قوتهم وقوت أولادهم اليومي ، وكثيف هو إحساسهم بالوحدانية وفقدان السند والحماية عند التعرض لعقاب الدولة التى لا ترحم حتى أطفال من يتجرأ على معارضتها معارضة فعلية أو حتى من يتجرا على الاحتجاج إضرابا عن العمل أو اعتصاما لظلم بين وقع عليه حتى ولو كان مخالفا للقانون.
وبالطبع لا يمكن اعتبار ألم الجماهير السلبي جراء جرائم المحتلين فى العراق وفلسطين اصطفافا وطنيا. فالاصطفاف إظهار وليس مداراة وإخفاء للألم والغضب.
ولا نتحدث بالطبع عن مسئولية سلطات الحكم فى ذلك فهذا ما تريده بالضبط ، وإنما نتحدث عن مسئوليتنا نحن ، مسئولية القوى السياسية الوطنية. فكلها بلا استثناء مسؤولة عن الإخفاق حتى الآن فى تحقيق اصطفاف جماهيري عريض ضد العدو الأمريكي والصهيوني. والمسئولية الأولى آنيا تقع على الأحزاب والمنظمات ذات الثقل التنظيمي الأكبر. فالمسألة ليست انعدام أو الضعف الشديد فى تواجد التنظيمات السياسية بين جماهير الشعب بقدر ما هي تلكؤ أو انصراف أكبرها عن أداء المهمة الوطنية العاجلة. والأسباب فى ذلك وكما نوهنا سابقا وكما تتبدى فى الفكر والمواقف أولاً: تسرب الاستراتيجية الانهزامية ممثلة بقرار مجلس الأمن 242 وخاصة باتفاقيات كامب ديفيد وما تلاها بقدر أو بآخر إلى الأحزاب والمنظمات الوطنية ثانياً: تسرب الفكر العولمي بدرجة أو أخرى إلى رؤوس قادة وأعضاء هذه القوى السياسية. ونضيف سبب ثالث هو تكتيكات (خطط) الأحزاب والمنظمات التى تراهن على خطة الديمقراطية أولا، وسبب رابع هو تكتيك(خطة) الجماعة والجماعات التى لا ترى فائدة فى نضال لا يبدأ بتشييد دولتها الخاصة حتى ولو كان ضد المستعمر الغاضب والمهدد.
كما تظهر المساجلات بين السياسيين والكتاب أن عددا ممن ينتسبون للوطنيين لا يقدر حجم ومدى الأخطار الماثلة ولا يعتد كثيرا بأبجديات معارك التحرر الوطني وفى مقدمتها بناء اصطفاف وطني – مهما يكن الأمر – ضد العدو الرئيسى. ويتطلب تحقيق الاصطفاف أو وحدة الصف الوطني العريضة والمكينة فى كافة البلدان العربية وفى مصر تحديدا،أولاً: إزالة كل لبس أو أفكار مغلوطة مترسبة إما عن عصر استشراء العولمة أو عن 60 عاما من التعامل العربي مع أمريكا باعتبارها إما حليف أو صديق أو محايد أو بالأكثر عدو ثانوي يمكن كسبه وتحييده فى الصراع العربي الصهيوني. فأمريكا هى العدو الرئيسى الأول الدائم للشعوب العربية منذ أفل نجم الإمبراطورية البريطانية وستظل كذلك ما بقيت الإمبريالية الأمريكية قائدة للإمبريالية العالمية وما بقى الكيان الصهيوني. ثانياً: توجه القوى الوطنية بالنداء والاتصال المباشر للجماهير فى مواقع تواجدها المتعددة للاصطفاف ضد العدو الأمريكي والصهيوني ، ومقاومة الأوضاع التى فرضها والتي يريد فرضها الآن أو فى المستقبل على بلادنا ، وإظهار التأييد السياسي البين للمقاومة العراقية والفلسطينية وإعداد النفس والبلد بأسرها لمقاومة العدو الأمريكي والصهيوني بما فى ذلك الاستعداد للمقاومة المسلحة. ثالثاً: إخضاع القوى الوطنية خلافاتها وتناقضاتها لمصلحة التناقض مع العدو الرئيسي الأمريكي والصهيوني. ولا يعنى ذلك تخلى أحد عن مرجعياتة ومشاريعه السياسية والاجتماعية. فالديمقراطية التى ننشدها فى العراق المحتل بعد تحريره وفى مصر وكل الدول العربية لابد أن تتجسد من الآن فى حق كل فصيل فى الاحتفاظ بأفكاره ومشاريعه للمستقبل. وإنما يعنى فقط معالجة الخلافات والتناقضات معالجة جديدة تعطى الاعتبار الأول بصدق للضرورة العاجلة لوحدة الصف الوطني فى معارك المقاومة والتحرير.
2- مساندة ودعم المقاومة العراقية والفلسطينية مهما كانت روافدها اسلامية أو قومية او اشتراكية :
ويشمل هذا الدعم بالطبع المقاومة البعثية ، فالبعثيون المقاومون الآن هم وطنيون غيورون من بين أعضاء حزب البعث ونظامه السابق، الذين رفضوا الاستسلام واختاروا الاستشهاد أو التحرير وطالما بقوا كذلك. ويجب نقد وتفنيد الاتجاهات المشككة فى المقاومة العراقية والعازفة عن الانخراط فيها أو تأييدها بدعوى أن البعثيين والإسلاميين المقاومين – وأولهم كان يتبنى دائما نظاما بعثيا ديكتاتوريا وثانيهم نظاما ديكتاتوريا إسلاميا للحكم باسم الخلافة – سيحملون إلى سدة الحكم بعد التحرير نظاما ديكتاتوريا بعثيا أو إسلاميا طائفيا. فعلاوة على أن هذه الاتجاهات تتعارض مع حق بل واجب كل القوى الوطنية فى مقاومة الاحتلال ، فإن حرب التحرير الطويلة بطبيعتها والتي لا مجال لانتصارها قبل أن تجذب لصفوفها الأغلبية الساحقة من جماهير الشعب العراقي والقوى السياسية المتعددة المعبرة عنها ومنها بالطبع القوى العلمانية والاشتراكية والديمقراطية تستبعد في الاغلب مثل هذا الاحتمال فى العراق ، وقبل ذلك فمن حق وواجب كل عراقي – كما نوهنا سابقا – ومهما كان انتمائه السياسي أو الديني أن ينال شرف مقاومة الاحتلال الأجنبي لوطنه.
3- تحويل الخبرة مع الحكم الديكتاتورى إلى خبرة وعبرة ، وإدانة استخدامها لتفتيت الاتحاد ضد العدو الأمريكي:
يجب أن نعمل على تحويل الخبرة المريرة مع الحكم الديكتاتوري السابق فى العراق أو مع الأنظمة الديكتاتورية السابقة أو القائمة إلى درس وعبرة ودافع لتوحيد الصف الوطني والذي لا يمكن أن يتم إلا على أسس ديمقراطية، وإدانة ومقاومة استخدامها سواء داخل العراق أو خارجه فى أضعاف أو تفتيت الاصطفاف ضد العدو. فلقد كان نظام الحكم الديكتاتوري فى العراق الذى ساهمت أمريكا بالدور الأكبر فى إقامته منذ انقلاب عام 1963 ضد حكم عبد الكريم قاسم أحد أهم العوامل الأساسية فى ضعف الدفاع عن العراق أثناء الغزو الأمريكي ولا تزال آثاره الباقية تلعب دورا هاما فى بطء اتساع صفوف المقاومة العراقية. ومخاطر الحكم الديكتاتوري على استقلال أوطاننا وسيادتها على أراضيها هو أحد الدروس الأساسية المستفادة أيضا من هزيمة 1967 أثناء الحكم الوطني الناصري ، والتي أكدت الحقيقة المؤكدة من قبل ومن بعد وهى أن الوحدة الوطنية لا تقام إلا على أسس ديمقراطية.

4- الدفاع عن صدام حسين فى مواجهة آسره العدو الغاصب المحتل :
يتعين على كل وطني مهما كان رأيه فى صدام حسين ونظام حكمه السابق أن يدافع عنه فى مواجهة المحتل الغاصب بصفته أسير حرب عدوانية علي بلده ومواطن عراقي عربي ، ورئيس سابق لدولة عربية كان مسئولا دستوريا عن الدفاع عنها فى مواجهة الاحتلال الأجنبي . ولا يجوز أن يحجب الموقف من تاريخ الوجه الديكتاتوري لفترة حكمه حقيقة أنه دافع عن العراق واستقلاله ووحدة أراضيه طوال 12 عاما من الحصار الأمريكي الإجرامي ، وأنه رفض الإذعان للمستعمر وقاوم غزوه للعراق ، وكان حتى يوم اعتقاله قائدا أو رمزا لأحد أهم الفصائل الحالية للمقاومة العراقية البطلة . والوجه المقاوم لصدام حسين أيا كانت نواقصه هو الذى بكته من أجله يوم أسره عشرات الملايين فى أرياف مصر وحواضرها وكل أرجاء العالم العربي.
إن اعتقال صدام حسين من قبل المحتلين المجرمين والمهزلة الإعلامية التى صاحبت الإعلان عنه هما عدوان على وإهانة لكل عربي ، وعمل مدان مثله فى ذلك مثل كل أعمال الاحتلال وجرائمه فى حق الشعب العراقي والشعوب العربية وحق الإنسانية.
كما يجب إدانة ورفض أي اتجاه لمحاكمته سواء في محكمة عالمية أو عراقية ، ففي الحالتين يحاكم المجرم الجاني المجني عليه في حرب عدوانية هي حرب احتلال العراق ، والشعب العراقي المحرر من العدو المحتل هو وحده صاحب القرار في محاسبة صدام أو غيره من المسئولين العراقيين السابقين أو الحاليين أو اللاحقين.
5- تعميم مبدأ وخط المقاومة كملاذ وحيد وأسلوب المقاومة المسلحة باعتباره الأسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير الأرض المحتلة ورد العدوان العسكري الأجنبي:
يجب تعميم مبدأ المقاومة الوطنية وخطها وفي مقدمتها المقاومة المسلحة بين جماهير الشعوب العربية لا ضد ، الاحتلال الأمريكي للعراق أو ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين وكافة الأراضي العربية الأخرى المحتلة بل وأيضا ضد السياسة الأمريكية الجديدة لأحكام قبضتها علي الأقطار العربية كافة ، سواء بالاحتلال أو العدوان العسكري أو التهديد بهما. ويجب إجلاء حقيقة أن الأمريكيين والصهيونيين باحتلال العراق ومشروعات الخرائط السياسية الجديدة للمنطقة لم يعودوا يحفلون كثيرا من جانبهم بعقد اتفاقيات أو تسويات تعطي للجانب العربي مظهرا خادعا للسيادة أو الاستقلال ، كاتفاقيات كامب ديفيد أو وادي عربة (الأردن) أو أوسلو ( فلسطين ) ، بعد أن حققت هذه السياسة الأغراض التي توختها وهي استسلام النظم العربية وإضعاف قوى المقاومة الوطنية وإعداد المنطقة بأسرها لمرحلة جديدة من السيطرة الأمريكية والصهيونية التي بدأت باحتلال العراق - بعد 12 عام من الحصار – وما يسمي بخريطة الطريق في فلسطين . إن الخطر الجديد يشمل جميع الأقطار العربية دون استثناء . فموافقة ليبيا علي التخلص من برامج أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بداية لسيناريو لم يكتمل بعد ، وقانون معاقبة سوريا والتنازلات والخدمات التي يقدمها النظام السوري استرضاءً لأمريكا هي مقدمة للعدوان علي سوريا أو تركيعها سلما واستسلاما . ولن تُستثني دول المغرب العربي الأخرى وها هو بوش يعلن صراحة أن القوات الأمريكية ستتمركز في الصحراء الجزائرية . أما بالنسبة لمصر فأن ما كُشف عنه الستار هو أن المباحثات كانت جارية طوال شهور لاشتراك مصر في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) ضمن ما يسمي الأمن الأطلسي – المتوسطي . هكذا تريد أمريكا تكبيل مصر بأوضاع استعمارية جديدة – إضافة للأوضاع القديمة كاتفاقية كامب ديفيد واتفاق المشاركة الاستراتيجية المصرية الأمريكية – لتتحول أراضي مصر الخاضعة من قبل لإتفاقات مهينة مشينة مع أعداء شعبنا وأعداء الإنسانية إلي قاعدة جديدة من قواعد حلف الناتو للعدوان علي شعوب المنطقة ، وفي مقدمتها بالطبع الشعب المصري لحمله علي الاستسلام الدائم للتحكم الأمريكي والوصاية والتهديد الصهيوني . لم تعلن السلطة المصرية شيئا ً إلا أن مصادر الحلف في مقره ببروكسل أعلنت الشهر الماضي أن الحكومة المصرية ستشترك في اجتماع حلف الناتو في شهر يونيه 2004. وبالنسبة للسودان الذي مزقته وحطمت مقومات تطوره بل ربما وجوده الاضطهادات والفتن والحروب الأهلية التي أججها الطغيان والرجعية الجاهلة باسم الحكم الإسلامي، فقد بات مفتوحا أمام أمريكا – عبر تدخلها بنفسها وبواسطة عملائها في رابطة الإيجاد الأفريقية في مفاوضات إنهاء الحرب الأهلية والفترة الانتقالية وتقسيم السلطة والثروة بين الشمال والجنوب قبل استفتاء يقرر وحدة السودان أو تقسيمه – لتخضعه مقسما أو موحدا حسب الظروف والإمكانيات المتاحة لاستراتيجية السيطرة الأمريكية على العالم العربي والقرن الأفريقي.
إن المقاومة ملاذنا الوحيد لذلك لا مفر من تعميم خط المقاومة الوطنية للاستعمار الأمريكي وللكيان الصهيوني بكل أشكالها ، والمقاومة المسلحة باعتبارها الاسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير العراق وفلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة ، وإعداد الشعوب في كافة الأقطار العربية للمقاومة المسلحة لرد أي عدوان علي أراضيها وطرد أي وجود عسكري ورفع أي وصاية أو سيطرة عسكرية مفروضة أو تفرض عليها.
6- المسألة الوطنية في مصر وكل من الأقطار العربية ليست فقط دعم المقاومة العراقية والفلسطينية وإنما أيضا وفي المقام الأول مسألتها الوطنية الخاصة :
يدعي البعض خاصة في مصر أن المسألة الوطنية - التي نصدعهم بها – هي قضايا عربية قومية أو خارجية يمكن لمصر أو غيرها من الأقطار العربية تحقيق استقلالها وتأمينه بدون حلها. إلا أن المسألة الوطنية في مصر وغيرها من الدول العربية ليست هي فقط دعم المقاومة العراقية والفلسطينية، ولا هي فقط إعداد بلادنا- إضافة لدعم المقاومتين المذكورتين – لمواجهة التهديدات الامريكية والصهيونية الجديدة. فلمصر وكل من الدول العربية علي حدة مسألتها الوطنية الخاصة المزمنة من قبل التهديدات الجديدة ، إضافة للبعد الوطني الخاص في كل دولة عربية وخاصة دول الجوار لفلسطين والعراق للمقاومة الفلسطينية والعراقية. وتتبدي المسألة الوطنية الخاصة بكل قطر عربي علي حدة إما في صورة احتلال لكل أراضيها كالعراق وفلسطين ، أو احتلال لبعض أراضيها كسوريا ولبنان ، أو في صورة معاهدات وصاية وإذعان كالأردن (اتفاقية وادي عربة) وكمصر (اتفاقية كامب ديفيد التي جردت سينا حتى غرب الممرات الاستراتيجية من السلاح المصري وأقامت فيها قواعد عسكرية أمريكية واحتلالا دوليا دائما تقوده أمريكيا وأجبرت مصر علي الارتباط باتفاق مشاركة استراتيجية مع عدونا الأمريكي )، أو في صورة جيوش أمريكية جرارة مقيمة حول آبار البترول في السعودية ودويلات الخليج العربية وعمان تمارس بموجبها أمريكا سلطة علي هذه البلدان لاتفترق كثيرا عن سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق ، أو في صورة قواعد عسكرية وتسهيلات واتفاقيات أمنية ، فضلا عن التبعية الاقتصادية والسياسية لكافة الأقطار العربية من المحيط الأطلسي إلي الخليج العربي الفارسي.
وبقاء المسألة الوطنية القائمة في كافة الأقطار العربية دون حل أو دون توجه حاسم أو أساسي نحو الحل خاصة في مصر وسوريا ومنطقة الخليج إضافة إلي وجود الكيان الصهيوني واغتصابه لكل فلسطين – هو ما جعل تصاعد عدوانية السياسة الأمريكية والصهيونية علي بلادنا أمر ممكنا ، وهي أساس العجز العربي الرسمي عن التصدي بأي صورة كانت للتصعيد العدواني الأمريكي والصهيوني.
فإذا أردنا تحقيق الاصطفاف الوطني العربي العام ضد العدوان الأمريكي والصهيوني يتعين علينا أن نعمل علي وضع المسألة الوطنية الخاصة بكل قطر عربي بتجلياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية علي رأس جدول أعمال القوى الوطنية في هذا القطر، ولا نكتفي بدعوة الجماهير لمساندة ودعم المقاومة العراقية والفلسطينية. فالإصطفاف الوطني في كل قطر عربي سيتحقق في المقام الأول بوضع مسألته الوطنية الخاصة في رأس جدول أعمال قواه الوطنية مع التأكيد علي الرابطة الحميمة الاستراتيجية بالمسألة الفلسطينية والعراقية.
يجب أن تعمل القوى الوطنية في مصر علي جعل المسألة الوطنية المصرية المحور الأساسي في نشاطها السياسي العملي الراهن بين الجماهير ، وأن تعيدها إلي مكانها الصحيح في أي استراتيجية للتطور الاقتصادي والاجتماعي باعتبار حلها أساس حل كافة القضايا الأخرى ، وليس أدل علي ذلك من أن استبدال الاحتلال الصهيوني لسيناء بتجريدها من السلاح المصري وبالقواعد العسكرية الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية قد أدى إلي تكريس تشوه وتخلف وتبعية وعجز التطور الاقتصادي الاجتماعي وليس إلى إطلاق التطور والتعجيل به كما روج المستسلمون.
ولا تفسر القوانين والإجراءات المكبلة للحريات وحدها ضعف الحركة الشعبية ومحدودية الاستنفار أو الاصطفاف الوطني ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني ، وإنما يفسرها – في المقام الأول – العمل اليومي لأنظمة الحكم لحجب المسألة الوطنية المحلية خلف الشعارات الكاذبة عن خيار السلام الاستراتيجي والصديق الأمريكي وعصر العولمة التي فتحت حدود الدول أمام تدفق المعلومات والتكنولوجيا واللحاق بركب التقدم من جانب، والتهميش الشديد أو شبه التام للمسألة الوطنية المحلية في نشاط مختلف القوى الوطنية علي وهم أو بذريعة كسب الحريات والديمقراطية أولا ً .
ولا نعني بوضع المسألة الوطنية المصرية علي رأس جدول أعمال القوي الوطنية المصرية الدعوة إلي المبادرة فورا إلي إعلان حرب عربية نظامية خامسة ضد الكيان الصهيوني بقيادة مصر تحريرا لسيناء الرهينة واستردادا للقرار الوطني في مصر من الوصاية الأمريكية الصهيونية ، فضلا عن تحرير الجولان وفلسطين ومزارع شبعا والدعم العسكري للمقاومة العراقية . فاستراتيجية مثل هذه الحرب وشكلها وخططها وتوقيتها يجب أن تؤخذ بكل ما لدينا من قدرة علي الحساب والتنظيم والحشد والصمود ، والقراءة العلمية – والثورية أيضا – لحروبنا السابقة مع إسرائيل لإجلاء نقاط الضعف التي اعتمد عليها الكيان الصهيوني قدر أو أكبر من اعتماده علي نقاط قوته الذاتية ، و لاكتشاف وبناء عناصر قوتنا الخاصة النابعة من أوضاعنا الداخلية والأوضاع الدولية المحيطة بنا. إلا أن ذلك لا يعني عدم الإعداد السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي للحرب تحريرا لأراضينا وإرادتنا كما لا يبرر ذلك أيضا قبول تحكم بوش وشارون وأمثالهما في القاهرة درءا لخطر اجتياح سيناء بضربة لن تكلفهم – مع تجريدها من السلاح ووجود القوات الأمريكية فيها – كثيرا ،ً أو أن نقبل باختناق مصر كلها خوفا من ضياع الإدارة المدنية لسيناء من أيادينا ، أو أن تستمر الحكومة المصرية والسورية في تغطية استسلامها أمام العدو بالحديث الكاذب عن خيار السلام ، أو أن تقبل أحزاب تنتسب تاريخيا للحركة الوطنية المصرية بترك الأجيال الجديدة غير عارفة أصلا بأن مصر غير كاملة السيادة وأن سيناء مجردة من السلاح حتى غرب الممـرات ومقـيدة السـلاح خاضعة للتفتـيـش الأمريكي ما بين غرب الممرات وقناة السويس (58 كم فقط )، وأن أرضها مازالت مدنسة باحتلال دولي تقوده أمريكا وبالقواعد الأمريكية من سيناء إلي خليج السويس والبحر الأحمر.
إنها لجريمة كبرى في حق الأجيال الجديدة إلا يحاطوا علما- حتي مجرد العلم – من الآن بالمهام التي علقت برقابهم . فالذين لا يعلمون بأن سيناء مجردة من السلاح وأن لأمريكا قواعد عسكرية في مصر يبلغون مالا يقل عن 90% من مجموع الشعب المصري وما لا يقل عن 95% من الشباب أقل من 35 سنة ونحو 100% من الأطفال ما بين 6-14 سنة.
7- رفض الوجود العسكري الأمريكي بأي صورة كانت في أراضي مصر أو غيرها من الدول العربية ورفض انضمام الحكومة المصرية لحلف الناتو واعتبار هذا الوجود احتلالا يستوجب الرفض والمقاومة بكل الوسائل حتى يزول .
8- رفض احتكار الدول الكبرى وإسرائيل للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل :
ليس حظر انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل إلا احتكارا من قبل حفنة من الدول لهذه الأسلحة لإرهاب الدول الأخرى وإخضاعها.
وقد استخدمت هذه السياسة التي باتت كأنها قانون دولي يحظى بتأييد الشعوب غطاءً لاحتلال العراق ، واستخدمت من قبل للإغارة الجوية علي السودان واليوم لإخضاع ليبيا وهي من الوسائل التي استخدمت وستستخدم لتهديد سوريا وإخضاعها ، وهي الوسيلة الأساسية لتهديد كوريا الشمالية الباسلة ، وقد استخدمت وستستخدم لإخضاع إيران أو تبرير محاولة احتلالها أو إخضاعها سلما واستسلاما. لذلك لابد من إدانة ورفض هذا الاحتكار والدعوة لنزع وتدمير هذه الأسلحة في دول العالم بلا استثناء وبصورة متزامنة، والدفاع عن حق كل دولة في امتلاك هذه الأسلحة ، إلي أن يتم الاتفاق علي التدمير والنزع الشامل والمتزامن لها في كافة دول العالم وحق الدول العربية في امتلاكها كسلاح ردع إلي أن يتم إخلاء المنطقة والعالم كله من هذه الأسلحة ، ولهذا يجب أن تتوجه الحركة الوطنية المصرية والعربية للحركة الشعبية العالمية المناهضة للعولمة والحرب الاستعمارية لكي تبني معنا هذا التوجه وتدعو له بين شعوب العالم بأسره.
9- المسألة الرئيسية من بين مشاكل المجتمع المصري – وكذلك المجتمعات العربية – لا تزال المسألة الوطنية ، والتناقض الرئيسي من بين جميع التناقضات الأساسية لمجتمعاتنا هو التناقض بين الشعب وبين الإمبريالية والصهيونية :
ويعني ذلك أن حل كافة القضايا الأساسية الأخرى أساسه حل المسألة الوطنية . فلا سبيل إلي إقامة سلطة سياسة وحكومة ديمقراطية في دولة محتلة، ولا سبيل لإقامتهما أيضا في دولة خاضعة وتابعة للإمبريالية إلا في إطار توجه صحيح وجذري لحل المسالة الوطنية. إن الحكومة الديمقراطية في مصر هي فقط الحكومة المعادية للاستعمار الأمريكي وللكيان الصهيوني والتي تتبني – فضلا عن ذلك – سياسة إقامة الوحدة الوطنية للشعب علي أساس المبادئ الديمقراطية وكفالة الحريات : السياسية والفكرية والنقابية. فليست الديمقراطية هي مجرد الانتخابات الحرة. كما يزعم الإمبرياليون وإنما هي اختيار ممثلي الشعب الحقيقيين في انتخابات حرة. وإذا أتت الانتخابات بنواب لا يمثلون المصالح الحقيقية لجماهير الأغلبية وفي مقدمتها المصالح الوطنية ، لظلت الديكتاتورية قائمة ، حتى ولو لم تزور الانتخابات تزويرا سافرا. فالانتخابات النيابية بوجه عام ، وفي بلادنا وغيرها من البلاد المتخلفة اقتصاديا وثقافيا بوجه خاص ، لا تسفر حاليا – وعادة – عن تمثيل حقيقي للشعب حتى ولو لم تزور تزويرا فجا ، وإنما تأتي بغالبية ممثلة لقاهريه وأعدائه . ويرجع ذلك لسببين أساسيين. السبب الأول : هو ضعف الوعي السياسي الجماهيري بالمصالح الأساسية والبعيدة لجماهير الكادحين وهم الأغلبية. وهو وضع شائع في أغلب دول العالم ومنها بلادنا. والسبب الثاني: هو أن الفوز في الانتخابات في بلادنا وأمثالها بوجه خاص لا تحكمه البرامج السياسية للمرشحين بقدر ما تحكمه – وقبل كل شيء – حِرَفيِِِِِة وألاعيب المنافسات الانتخابية. وهي أمور يتيحها – فضلا عن تخلف الثقافة السياسية – عدم مشاركة أغلبية المقيدين في جداول الانتخابات في التصويت مما يسمع بأن يقيد المرشح المحترف الأصوات المؤيدة له شخصيا مسبقا من جهة، وشرائه لسماسرة الانتخابات والعناصر المتهرئة والفاسدة لتصوت له من جهة أخرى ، هذا بخلاف التزوير.
إن انتخابات " حرة " شكلا علي هذا النحو يمكن أن تأتي بحكومة عميلة أو أكثر عمالة لأمريكا إذا ظل المناخ الفكري الليبرالي الذي لا يميز بين العدو والصديق سائدا، ناهيك عمن اتخذوا عدونا الأمريكي صديقا، وإذا ظلت الجماهير الشعبية الغفيرة في المدن مقاطعة للانتخابات ، وإذا ظلت جماهير الفلاحين تعطي أصواتها لأبناء العائلات من كبار الملاك والرأسماليين بنفوذهم في سلطات الحكم وأجهزة الإدارة الحكومية فضلا عن سلطان الثروة ، وإذا لم تتم الانتخابات في مناخ سياسي يشتعل غضبا علي الأمريكيين والصهيونيين وممالئيهم في مصر. ولنا في أخر التجارب " الديمقراطية " الدالة علي ذلك وهي تجربة جورجيا ( إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة) التي نصبت سلطة أكثر عمالة للاستعمار الأمريكي عبرة وعظة . وقبل ذلك وبعده يجب أن نتساءل عن إمكانية إجراء انتخابات حرة في ظل حكومة لا تمثل الشعـب وحـاملة وحافـظـة لـتــراث عمره 137 عاما (1866 – 2003 ) من طبخ وتزوير الانتخابات.
كذلك بالنسبة للمسألة الاقتصادية أي تجاوز التخلف الاقتصادي ، فلا مجال لحلها إلا في إطار توجه وطني لامتلاك القرار السياسي المستقل لبناء قاعدة وطنية للنمو الذاتي نتخلص بها من تبعيتنا الاقتصادية الموروثة التي خلفها الاستعمار القديم وحافظ عليها وأعاد إنتاجها الاستعمار الجديد. فاقتصادنا متخلف لأنه – قبل أي شيء أخر – تابع للخارج ، والتبعية هي العامل الرئيسي وراء التخلف ، وهي التي تحافظ أيضا علي البقايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الموروثة عن العصر ما قبل الرأسمالي. وتعني التبعية الاقتصادية – كما هو معروف – أن محرك الفعالية الاقتصادية موجود في الخارج في أيدي احتكارات الدول الاستعمارية – الدول الرأسمالية الصناعية الاحتكارية – التي لم تكف ولن تكف – كما هو واضح لكل ذي بصيرة اليوم – عن العمل بكافة الوسائل – بما فيها الاحتلال أو العدوان العسكري – علي استمرار تخلفنا حفاظا علي وضعها الاحتكاري في الأسواق العالمية.
وفضلا عن ذلك فإن المشاكل والقضايا الاقتصادية العاجلة والمباشرة هي في المقام الأول- الآن- نتاج تنفيذ وصفات واستراتيجيات الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، والتي أسفرت في مصر عن تفاقم مشكلة عجز نمط الإنتاج المتخلف عن الوفاء بالحد الأدنى الضروري للاستهلاك والاستثمارات المحققة لطاقات إنتاجية جديدة أو الموظفة لطاقات معطلة وفي مقدمتها تشغيل العاطلين. وليس الكساد المتفاقم في مصر منذ 1999 إلا الثمن المدفوع لقاء إصلاح مالي واقتصادي مزعوم استهدف كبح التضخم وخفض عجز الموازنة العامة للدولة وجذب الاستثمارات الأجنبية وإعداد ساحة الاستثمار والإنتاج وتشغيل العاطلين وإخلائها بصفة رئيسية لمبادرة القطاع الخاص المصري والأجنبي. فهذا الإصلاح- الذي نجح مؤقتا في كبح التضخم وتخفيض عجز الموازنة العامة وجذب بعض الاستثمارات الأجنبية – سرعان ما أدي إلي نتائج كارثية جراء جوهره الانكماشي وإعاقته للإنتاج والاستثمار في القطاع العام بل والخاص الذي تحدث عن إطلاق مبادرته ، وتوجهه لتعميق اندماج الاقتصاد المصري (الذي لا يملك معايير المنافسة العالمية) في الأسواق العالمية ، وعصفه بأي اتجاه لبناء الحد الأدنى الضروري للاعتماد علي الذات في الحياة الاقتصادية. فقد تلاشت ما وصفت بالآثار الإيجابية للإصلاحات المزعومة وبقيت لنا آثارها التدميرية : تفاقم البطالة وخفض الأجور والدخول الحقيقية للعمال وفقراء الريف والمدن الآخرين ، تدهور معدلات الإنتاج ونقص الاستثمارات وتزايد عجز الميزان التجاري (التجارة الخارجية) وتباطؤ نمو الإيرادات العامة للدولة وتفاقم مشكلة الدين العام الداخلي مع عودة التضخم وعجز الموازنة العامة من جديد. ليس المجال هو تحليل مشاكل الاقتصاد المصري الأساسية والمباشرة، وإنما أردنا فقط أن نؤكد علي أن تخفيف وطأة المشاكل الاقتصادية التي تعصف بحياة الطبقات الشعبية يتطلب أيضا توجها وطنيا واضحا في السياسة الاقتصادية الجارية . يقتضي أول ما يقتضي عدم الانصياع لوصفات وسياسات المؤسسات المالية العالمية الاستعمارية وتطوير عناصر الاعتماد علي الذات في حياتنا الاقتصادية.

توضيح حول المسألة الرئيسية والتناقض الرئيسي

في سياق توضيح وتأكيد صحة تحديد الواجب الرئيسي للقوى الوطنية : العمل على بناء اصطفاف وطني مصري وعربي ضد العدو الأمريكي والصهيوني والدفع نحو حدوث انعطاف جماهيري جذري لطريق المقاومة الوطنية بكل أشكالها وفي مقدمتها المقاومة المسلحة ، وكذلك تجنباً لسوء أو التباس الفهم لدى أي من منتسبي التيارات الفكرية السياسية الوطنية المختلفة نقدم فيما يلي توضيحاً إضافياً حول كل من المسألة الرئيسية والتناقض الرئيسي في الوضع الراهن للبلاد العربية ، وهما المفهومان اللذان وجهانا في وضع التوجهات السياسية السابقة .
والمفهومان أساسيان ومترابطان في كل نضال سياسي إستراتيجي ويفسر كل منهما الآخر . فالأول يتعلق بترتيب الأهداف وتحديد هدف رئيسي للمرحلة من بينها . والثاني يتعلق بترتيب النزاعات أو الصراعات الاجتماعية – السياسية وأطرافها وتحديد صراع رئيسي بينهما يؤدي حسمه إلى تحقيق الهدف الرئيسي لنفس المرحلة .
(1) المسألة الرئيسية : وهي المسألة التي توجد في أصل وأساس كل المسائل الأساسية الأخرى في المجتمع أو هي القاسم المشترك بينها . ونضيف إلى ما سبق أن أورناه أن اعتبار المسألة الوطنية المسألة الرئيسية لا يوقف أو يعرقل النضال من أجل المسائل الأساسية الأخرى، ولا يرجئ حلولاً ممكنة لها يتنازل أحد عنها طوعاً بهذا الاختيار. وإنما يقرر فقط الشروط الضرورية لكي تصبح الحلول ممكنة والمدخل الصحيح للنضال من أجل هذه الحلول . وسيظل الأمر كذلك ما بقيت الظروف والأوضاع الموضوعية والذاتية الراهنة قائمة وهي ظروف وأوضاع السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الأجنبية وتخلف الثقافة السياسية والوعي السياسي والتنظيمي للجماهير الكادحة .
فمن البديهيات في بلاد محتلة كالعراق أو فلسطين القول بان إقامة دولة ديمقراطية رأسمالية أو إشتراكية أو لتحالف وطني شعبي هو أمر مستحيل. إلا أنه من الصحيح أيضاً أنه لا مجال لإقامة دولة ديمقراطية بأي من المعاني الثلاثة في بلاد غير كاملة السيادة الوطنية او تعاني نقصاً كبيراً في استقلالها السياسي والاقتصادي إلا على أساس رفض هذه الأوضاع والتوجه الحاسم لمقاومتها.
ولا يرجئ هذا النظر بأي قدر كان النضال من أجل الديمقراطية والحريات ( السياسية والفكرية والنقابية ) ، وإنما يبين فقط الشروط الضرورية لتحقيقها والمدخل الصحيح للنضال من أجل توفيرهما . والنظر نفسه صحيح بالنسبة للمسائل الأساسية الأخرى كالمسألة الاقتصادية .
فالحلول الجذرية والحاسمة للمسألة الاقتصادية لا تتحقق إلا في دولة امتلكت قرارها السياسي تماماً وجردت الإمبريالية عامة والإمبريالية الأمريكية خاصة (ومعها الكيان الصهيوني طالما تحدثنا عن مصر والبلاد العربية ) من كل نفوذ لها في الداخل . وحتى الحلول الآنية والعاجلة لمشاكلنا الاقتصادية تتطلب توجها وطنياً نسبياً للسياسة الاقتصادية للدولة لا سبيل لحدوثه بعيداً عن الضغط الملموس للحركة الجماهيرية. أما الإعداد لمقاومة العدو الإمبريالي والصهيوني وخاصة الاشتباك معهما فيقتضي تبدلاً في هذه السياسة لإنجاز برنامج عاجل : لدعم عناصر الاعتماد على الذات ، وتوثيق العلاقات الاقتصادية الخارجية مع دول صديقة أو على الأقل محايدة ، والحد من الاستهلاك الترفي ، وتوجيه أكبر للموارد الاقتصادية لقطاعات السلع والخدمات الأساسية، فضلاً عن الاستعداد والإعداد المسبق للتحول عند الضرورة إلى اقتصاد الحرب .
(2) التناقض الرئيسي : وهو أحد التناقضات الأساسية في المجتمع إلا أنه جذر أو قاسم مشترك لوجود التناقضات الأساسية الأخرى . ووجوده يعوق حل هذه التناقضات الأخرى في حين يفتح النجاح في حله حلاً جذرياً الباب لحلها . وتنبع الصراعات الاجتماعية جميعاً من هذه التناقضات إلا أنها كثيراً ما ترتدي أقنعة أخرى تخفي مصدرها نتيجة لتخلف الثقافة العامة والسياسية للجماهير المضطهدة. ومفهوم التناقض الرئيسي – وكذلك مفهوم المسألة الرئيسية – يحدد مفهوم الشعب ، إذ يختلف مدلول كلمة الشعب من مرحلة استراتيجية في التطور الاجتماعي إلى مرحلة أخرى . فالشعب هو مجموع الطبقات والأفراد الذين تتفق مصالحهم – أو مواقفهم من العدو الرئيسي – مع المجتمع المنشود من حل التناقض الرئيسي أو المسألة الرئيسية ، أما الذين تتعارض مصالحهم – أو مواقفهم العملية – مع هذا الحل فليسوا من الشعب بل سن أعدائه.
وفي المجتمع المصري – على سبيل المثال- تناقضات أساسية منها وأهمها أربعة تناقضات هي :
• التناقض بين الشعب وبين الإمبريالية والصهيونية .
• التناقض بين الشعب وبين القوى المرتبطة بالإمبريالية والصهيونية وأساسها الاجتماعي الرأسمالية المصرية الكبيرة الكمبرادورية ( الشركاء الصغار للاحتكارات الأمريكية والعالمية ووكلائهم وسماسرتهم في السوق المصري).
• التناقض بين الطبقة العاملة وبين الطبقة الرأسمالية .
• التناقص بين فقراء الفلاحين وفقراء المدن من المنتجين والتجار والباعة والموظفين المفقرين وبين الطبقة الرأسمالية الزراعية والمدينية .
ويندمج التناقضان الأول والثاني في تناقض واحد هو التناقض الرئيسي بين الشعب من جانب وبين الإمبريالية والصهيونية والقوى المحلية المرتبطة بهما من جانب آخر. ويتكون الشعب من العمال والفلاحين وصغار المنتجين والتجار والموظفين وغيرهم من مراتب البرجوازية الصغيرة والمثقفين الوطنيين مهما كانت أصولهم الاجتماعية طالما اختاروا بوعيهم وقوة انتمائهم الوطني طريق النضال الوطني التحريري ضد الإمبريالية والصهيونية، ويشمل الشعب أيضاً العناصر والقطاعات الوطنية من الرأسمالية المصرية وهم بصفة رئيسية من الفئات الدنيا والمتوسطة من الرأسماليين المصريين ، وإن كانت أغلبيتهم تتذبذب بين موقف المقاومة وموقف المهادنة والمساومة مع الإمبريالية . ولا يلغى هذا الازدواج الفارق الأساسي بينهم وبين الفئات الكمبرادورية خاصة في ظروف مقاومة الاحتلال أو العدوان أو الوجود العسكري الأجنبي ، ويرجع هذا الازدواج إلى أنهم معادون للإمبريالية والصهيونية من جانب ، وخوفهم من جانب آخر من تداعيات محتملة للنضال الوطني التحريري كالمساس ببعض مصالحهم المرتبطة بالتجارة في السلع المستوردة أو إنتاج فروع الشركات الأجنبية والمشتركة في مصر أو كبروز الدور السياسي للطبقة العاملة ومن ثم صعود التوجه للاشتراكية. إلا أنه يمكن تجنب مخاطر التذبذب في موقف هذه الفئات بل وتثبيت موقفها المقاوم للإمبريالية والصهيونية مع تصاعد مشاركة الجماهير الشعبية في الكفاح الوطني وتحقيق التفاف جماهيري عريض حول خط المقاومة والتحرير .
هكذا وكما يسهم مفهوم المسألة الرئيسية في الإمساك بالحلقة الرئيسية في الوضع الاجتماعي السياسي بأسره وهي المسألة الوطنية بأشكالها المتعددة ومن ثم الإمساك بكافة الحلقات وحلها، فإن مفهوم التناقض الرئيسي يحدد بوضوح جبهتنا وقوانا وجبهة أعدائنا. وجهتننا هي كل السكان عدا قلة قليلة ، وجبهة أعدائنا هي الإمبريالية خاصة الأمريكية والصهيونية والقلة المحلية التي تخلت عن الوطن والشعب واختارت مصالحها مع المستعمر. ومفهوم التناقض الرئيسي يحقق المصلحة المشتركة لكافة طبقات الشعب التي تتمثل :
أولاً : في توحيد الصف الوطني لمقاومة الإمبريالية والصهيونية .
ثانياً: في حماية الأرض والأهل والكرامة .
ثالثاً: الاستقلال السياسي التام والديمقراطية والحريات السياسية وإزاحة العقبات الأساسية أمام التطور الاقتصادي وأمام بناء قاعدة صناعية حديثة للنمو الذاتي، وهذه العقبات هي السيطرة الأجنبية وسيطرة الرأسمالية الكبيرة الكمبرادورية على الاقتصاد وسلطة الدولة.
وليس هناك حزب أو جماعة سياسية وطنية حقاً وتمثل حقاً واحدة أو أكثر من طبقات أو فئات الشعب تعارض أيا من هذه الأهداف . إلا أنه على جميع الوطنيين ألا يديروا خلافاتهم حول مناهج وإستراتيجيات تحقيق أهداف ما بعد الاستقلال السياسي التام بطريقة تضر بمصلحة النضال الوطني التحريري الحازم ضد الإمبريالية والصهيونية وأن يحرصوا على القواسم المشتركة وأن يوسعوها كلما أمكن ذلك .
أما التناقضات الأساسيان الآخران – التناقض بين الطبقة العاملة وبين الطبقة الرأسمالية ككل والتناقض بين فقراء الريف والمدن الآخرين وبين الطبقة الرأسمالية ككل - فيمكن دمجها في تناقض أساسي واحد يشملهما معاً ، وهو التناقض بين الطبقة العاملة والفئات شبه العمالية في الريف والمدن من جهة والطبقة الرأسمالية ككل من جهة أخرى . وهذه الصيغة الأخيرة هي الصيغة الأوسع والأشمل للتناقض الأساسي لكل نظام اجتماعي رأسمالي . والمعنيون بحل هذا التناقض حلاً جذرياً هم الإشتراكيون والشيوعيون الذين يستهدفون تجاوز الرأسمالية وإقامة مجتمع لا طبقي.
ومن تحصيل الحاصل أن يضع الشيوعيون المصريون والعرب مسألة النضال ضد الإمبريالية والصهيونية على رأس جدول أعمالهم ، أولاً : بحكم مبادئ الشيوعية في تحرير الإنسانية كلها من كل قهر واستغلال : قومي وطبقي وعرقي وديني ، ونداء الأممية الشيوعية الشهير بأعمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا ، فما بالك بأوطانهم الخاصة . ثانياً : إدراكهم ألا مجال لإقامة نظام اشتراكي أو أي نظام ديمقراطي مهما كانت طبيعته الطبقية في بلد محتل أو خاضع للسيطرة السياسية والعسكرية و الاقتصادية الأجنبية ، هذا فضلاً عن أن الاستقلال الوطني وكلما كان ناجزاً وجذرياً ليس شرطً أساسياً وأولياً لمجرد التفكير في إقامة دولة تستهدف الاشتراكية فحسب، بل وأيضاً هو – وبفضل النضال الوطني التحريري لتحقيقه – عامل أساسي في إنضاج الشروط الموضوعية والذاتية لإقامة الاشتراكية ، ثالثاً : إن الكفاح الوطني ضد الإمبريالية والصهيونية هو في جوهرة صراع طبقي عالمي ومحلي في آن واحد. فالنضال الوطني هو صراع يخوضه الشعب – الطبقات الوطنية – ضد الإمبريالية والصهيونية ممثلتيّ طبقة الرأسمالية الاحتكارية في الدول الإمبريالية – خاصة أمريكا – كما يخوضه الشعب أيضاً وفي ذات الوقت ضد أكثر فئات وعناصر الرأسمالية المحلية استغلالاً واضطهاداً للطبقات الكادحة في بلادنا، وهي فضلاً عن ذلك أقوى فئات الرأسمالية المصرية حالياً بل والعربية أيضاً ، والركيزة الاجتماعية الأساسية للتخلف الاقتصادي .
لذلك فإن الجماعة التي اغتصبت قيادة الحزب الشيوعي العراقي وتعاونت مع الاحتلال الأمريكي وشاركت في مجلس بريمر "مجلس الحكم" ليست جماعة شيوعية وإنما هي جماعة ارتكبت جريمة الخيانة الوطنية في حق الشعب العراقي كغيرها من جماعات المعارضة السابقة التي ساعدت الغزو الأمريكي وتعاونت مع الاحتلال بعد وقوعه وتعمل لحساب الإمبريالية الأمريكية تشويهاً لتاريخ وسمعة الشيوعيين العراقيين وتحطيماً لحركتهم. وليست هذه أول سابقة يخترق فيها خصوم الشيوعية أحزاباً شيوعية ليصفوها من الداخل. ألم يكن جورباتشوف ويلتسين وبريجنيف وغيرهم من أعداء الاشتراكية مغتصبين لقيادة حزب عمالي عظيم ؟ ولكن وكما يبدو فأنهم سيفشلون هذه المرة بمبادرة كادر الحزب الشيوعي العراقي للعمل لعزل وطرد القيادة الخائنة المغتصبة وانخراطه في المقاومة العراقية الباسلة.
ومن المهم لكي يكون العمل لتحقيق الاصطفاف الوطني ضد العدو والانعطاف الجماهيري لحظ المقاومة والتحرير ناجحاً وممهداً لإقامة الجبهة الوطنية أن يكون واضحاً ومقبولاً من جانب كافة القوى الوطنية أن مفهوم التناقض الرئيسي لا يجمد أو يوقف الصراع الطبقي حتى بين فئات اجتماعية وقوى سياسية منتسبة إلى الشعب خاصة بين الطبقة العاملة والفئات شبه العمالية وبين العناصر والفئات أو القطاعات الوطنية في الرأسمالية المصرية. فالتناقض الرئيسي بالتعريف يعني وجود تناقضات أساسية أخرى إلى جواره ، ومن ثم صراع طبقي اقتصادي وسياسي وأيديولوجي .إن الجماهير المدعوة للانخراط في النضال التحريري لن تتوقف من جراء ذلك عن الإنتاج والاستهلاك والتعليم والعلاج والاحتياج لكافة السلع والخدمات الأساسية على الأقل ، ولا يمكن لأحد أن يطالبها بنزع وسائلها في الدفاع عن حقوقها العاجلة والأساسية بذريعة مقاومة العدو أو تحت شعار مثل "لا صوت يعلو على صوت المعركة" إذا كان القصد منه وضع كل أعباء المعركة على كاهل جماهير الأجراء والفقراء وحدهم . فلا مجال لتوقف أو وقف الصراع الطبقي أثناء النضال الوطني للمقاومة والتحرير ، وإنما تتطلب مصلحة هذا النضال فقط سير هذا الصراع والتعامل معه ومن جانب كل من طرفيه – وليس من طرف واحد فقط هو العمال – بطريقة مختلفة عن الطريقة أو الطرق التي يسير بها في ظل وضع سياسي أخر يكون فيه معبراً عن التناقض الرئيسي في المجتمع . ومثال لهذه الطريقة المقترحة في إطار جبهة وطنيه للمقاومة والتحرير إمكانية: التزام القوى الوطنية المتحالفة بالتمييز بين أصحاب الأعمال الذين يشاركون ويساندون النضال الوطني التحريري وبين أصحاب الأعمال المعادين له ، التزام العمال بالحلول التفاوضية لمنازعاتهم مع أصحاب الأعمال الوطنين مع الاحتفاظ بحق الإضراب عن العمل كملاذ أخير ، التزام أصحاب الأعمال بالحقوق القانونية للأجراء واحترام حرياتهم وحقوقهم النقابية وبتحسين الأجور وظروف العمل .
أن العمل لتحقيق الاصطفاف ضد العدو والانعطاف الجماهيري العريض نحو المقاومة والتحرير هو أمر عاجل . وليس في القول أدنى مبالغة ، بالنسبة لكافة الأقطار العربية. فالعدوان قائم والأخطار فادحة بل ماحقة، إما بالاحتلال السافر، وإما من وراء واجهات أو امعات محلية لا تستطيع أن تخفي السلطة الحقيقية الأجنبية القابعة في القواعد العسكرية أو الأساطيل البحرية القريبة . وفي مواجهة الأخطار الجديدة ، بل والقديمة أيضاً، فإن الدفاع عن الأرض والأهل والكرامة سبب كاف وحده للاتحاد ضد العدو بل ولحمل السلاح والاستعداد لحمله لكل قادر عليه. إلا أن خطورة أعدائنا المجرمين ومشاق وتكاليف تحقيق الصمود والنصر تقتضي توفير أقصى ما يمكن من الشروط والأسباب التي تضمن تغلبنا على المصاعب وتكاتفنا في مواجهتها . وفي مقدمة هذه الشروط انخراط جماهير الشعب العريضة في النضال الوطني التحريري . فلن يكون النصر مضموناً أو حاسماً ما لم يخضه الشعب بأسره على كافة جبهات النضال .
فيا كل الوطنين الشرفاء ... ويا كل القوى السياسية الوطنية ... هيا للعمل بلا كلل من أجل : اصطفاف وطني عام ضد العدو الأمريكي والصهيوني وانعطاف جماهيري عام لطريق المقاومة والتحرير.
وإلى السلاح يا كل الشعب العراقي .
وإلى السلاح يا كل الشعب الفلسطيني .
وإلى الاستعداد والإعداد لحمل السلاح يا كل الشعوب العربية .
ولنضع المقاومين في حدقات العيون .

2/1/2004

من أجل
الاصطفاف السياسي والجماهيري ضد العدو الأمريكي والصهيوني
المقاومة والتحرير اولا

عيداروس القصير
مرة أخرى ينجح أعدائنا، بمناسبة أسر صدام حسين ، فى شغل الكثيرين من السياسيين والمثقفين المصريين والعرب بقضايا مفتعلة وملغومة تشوش رؤيتهم لمسببات الاحتلال الأمريكي للعراق وأهدافه فى العراق والمنطقة ، وتضعف وحدة القوى الوطنية أمام العدوانية الأمريكية الجامحة ، وتحبط نزوع الجماهير لطريق المقاومة والتحرير الذى لا يزال يتحسس موقع أقدامه فى مصر وأغلب الدول العربية.
لا نتحدث عمن أصبحوا فى خندق واحد مع العدو ، وإنما عن عناصر وقوى أدانت بطريقة أو أخرى الاحتلال الأمريكي قبل وبعد وقوعه. بعضهم سارع دون ترو للتصديق على الصورة واضحة الافتعال والكذب والمرمى لإظهار رئيس العراق السابق كفأر فى حفرة طالبا الرحمة من قاهريه مستسلما لعبث أياديهم وإعلامهم. البعض أبدى سعادته واستشاره بسقوط الطاغية حتى لو جاء ـ كما قال ـ على أيدي الأمريكيين المحتلين. أحدهم قال من المتفق عليه( ولم يقل لنا من الذين اتفقوا مع من ومتى وأين وكيف؟) أن تتم محاكمة صدام حسين عن الجرائم التى ارتكبها فى حق شعبه والشعوب المجاورة . بعضهم انبرى للمفاضلة بين المحاكمة داخل العراق وبين المحاكمة فى محكمة عالمية تشكل لهذا الغرض على غرار محاكمة مسيلوفيتش رئيس صربيا. ومنهم من لم يرى فى الحدث غير صورة الديكتاتور الفاشل لكى يستند إليها لترديد المشابهة بين صدام وبين هتلر وموسولينى التى افتعلها المستعمرون لتبرير احتلال العراق ، وللإعراب عن موقف انسحابى غريب هو أقرب للتخلى عن قضية مقاومة المحتل الغاصب الطامع بقوله : ليس فى النفس تعاطفا مع الديكتاتور ولا مع من ألقى القبض عليه .... و ... ليس فى النفس بقية لحب استطلاع لمهزلة إعلامية أخرى . آخرون يحملون اسما يساريا فى العراق قالوا إن اعتقال صدام يزيل مبررات استمرار أمريكا ومواصلتها لسياسات الحرب والعسكرتاريا (لاحظ تجنب استخدامهم لفظ الاحتلال ) ويسحب بساط ادامة سياساتها من تحت أقدامها ، وكأن أمريكا ما ذهبت للعراق إلا لإزاحة صدام حسين.
إن كل هذه الأقوال والمواقف وبغض النظر عن نوايا أصحابها تحقق للمحتلين ما أرادوه بالقبض على صدام وبالقصة التى نسجوها حول عملية القبض وبالطريقة المهينة التى أظهروه بها ، والتي لم يملك معها بابا الفاتيكان – وهو ليس عدواً لأمريكا ولا صديقا لصدام حسين – إلا الاحتجاج على معاملة أسير الحرب رئيس الدولة العراقية السابق كما يعامل البقر. وتكشف هذه المواقف عن خطر كبير يهدد المقاومة الوطنية للاحتلال الأمريكي والصهيوني وهو أن الكثيرين خارج العراق وداخله أيضا لا يزالون أسرى الصراعات والخلافات التى سبقت الاحتلال بل والتي سبقت سنوات الحصار وحرب 1991 ، ولم يرتفعوا إلى مستوى الوضع الراهن ومخاطره الجديدة ، مما أدى ببعضهم داخل العراق وخارجه لأن يصبحوا عونا للعدو على بلادهم وشعوبهم ، ويؤدى بآخرين اليوم إلى العجز عن حسم ترددهم بالاستجابة للضرورات التى تفرضها مهمة مقاومة العدو الأمريكي الصهيوني.
ويتبدى هذا العجز فى نسيان أو تناسى البعض أن القبض على صدام هو عملية أسر، عمل من أعمال حرب احتلال العراق والتي لم تتوقف بعد سقوط العراق وعاصمته بغداد فى براثن الاحتلال الغاضب، هى عمل موجه لكسر شوكة المقاومة العراقية وإخضاعها باعتبار أن صدام حسين رئيس العراق الذى لم يعلن استسلامه رغم هزيمة جيشه ونظامه السياسي ، وأنه كان يقود أو الأقل كان الرمز والمحرض الكبير لأحد أكبر تجمعات أو تشكيلات المقاومة المسلحة لجيش الاحتلال. هذه الحقيقة لا يجوز إهدارها جراء وقوعه فى الأسر ولا جراء " تاريخ" نظامه الموغل فى الديكتاتورية. فالعدو والخطر الأكبر الرئيسى اليوم هو الاستعمار الأمريكي ، وإذا أنكر أحد هذا الواقع الماثل صب نقده للاستبداد السياسي الداخلي فى طاحونة الأكاذيب الأمريكية الفاقعة عن الحرية والديموقراطية المتخذة عنوانا لاحتلال واستعباد الشعب العراقي ، وكان تماما كمن خانوا الوطن والأهل بحجة القضاء على الديكتاتورية السياسية العراقية .
أما المهزلة الإعلامية التى أخرجت بها عملية الأسر والعبث بالجسد المخدر وكرامته على شاشات التليفزيون، فهي رسالة موجهة إلى كل العرب رؤسائهم وزعمائهم وشعوبهم عن المصير الذى أعده العدو الأمريكي لكل من يعارض – لأى سبب كان – مراميه الاستعمارية فى المنطقة . وقد تؤتى هذه الرسالة مفعولها المنشود أمريكيا ما لم تواجه مواجهة صحيحة وفعالة.
ان تهالك وعجز نظم الحكم العربية، فضلا عن بطء وتعثر استجابة القوى لمقتضيات الوضع السياسي الناشئ عن الاحتلال الأمريكي للعراق وعن استراتيجية السيطرة الأمريكية المباشرة والشاملة على العالم العربي، وعواقبهما الماثلة فى ضعف الاصطفاف السياسي الوطني فى مواجهة الاستعماريين الأمريكيين والكيان الصهيوني، تهدد بمضيهم قدما لتحقيق أهدافهم. وليس صدفة أن يصدر إعلان ليبيا المفاجئ عن تخليها عن جميع برامجها لأسلحة الدمار الشامل والصواريخ البعيدة المدى بعد أسبوع واحد من الإعلان عن أسر صدام حسين، ولا من قبيل الصدف أن تبدأ المفاوضات التى أحيطت بالسرية والكتمان لتجريد ليبيا من هذه البرامج والأسلحة عشية الغزو الأمريكي للعراق فى شهر مارس الماضي.
إن الأنظمة العربية التى سارعت جميعها إما إلى تهنئة قادة الاستعمار الأمريكي ، وإما بإبداء تفاؤلها واستبشارها بأسر صدام حسين ، تروج لمقولة مفادها أن غياب صدام أوجد مخرجا مما تسميه المشكلة العراقية أو الشأن العراقي ومن ثم تسليم السلطة للعراقيين وإنهاء الاحتلال بعد ذلك فى أقرب فرصة ، وهى مقولة لا أساس لها من الصحة ، وتتضمن فضلا عن ذلك تصديقا على الأهداف الكاذبة للحرب على العراق مثل اكتشاف وتدمير أسلحة الدمار الشامل التى يخفيها العراق ، والقضاء على الديكتاتورية ونشر الحرية والديمقراطية. فالأهداف الحقيقية ـ والمعلنة أيضا فى مناسبات متعددة – هى ، أولاً: استكمال إخضاع دول الخليج العربية البترولية للحكم الأمريكي ، ثانياً: اتخاذ العراق المحتل مرتكزاً أو موقع وثوب أو تهديد إقليمي لدول المنطقة الأخرى استنادا للقوة العسكرية الأمريكية والمشروع الصهيوني ، ثالثاً: أحكام السيطرة الأمريكية المباشرة على العالم العربي بداية بالعراق كمرتكز أساسي للاستراتيجية الأمريكية للهيمنة الكونية ، وهو مرتكز قرره الموقع الاستراتيجي الحاكم للعالم العربي فضلا عن احتياطي البترول العربي.
لذلك وعلى عكس ما تروجه النظم العربية وبعض الكتاب فإن اعتقال صدام حسين واختفائه من مساحة السياسة أو المقاومة على أرض العراق لن يغير قيد أنملة من الأهداف الأمريكية المقررة ، بل الأحرى أن يقوى – مؤقتا على الأقل – ثقة أمريكا وأعوانها فى تحقيقها. لذلك لا تظل الاستحقاقات – التى فرضها العدوان الأمريكي على العراق والمشرع فى وجه كافة الشعوب العربية – على شعوبنا وقوانا الوطنية قائمة فحسب بل تتزايد مخاطر النقص فى شروط الوفاء بهذه الاستحقاقات مع إحراز الأمريكيون تقدما – حتى لو كان جزئيا ومؤقتا ـ أمام المقاومة العراقية. فلن يتورع هؤلاء المجرمون عن ارتكاب المزيد من الفضائح – على نحو ما نشهده اليوم – ضد الشعب العراقي وعن مد عدوانهم وتهديداتهم لأقطار عربية أخرى لدى كل أقل نصر يحققونه ضد المقاومة.
ولعل الفائدة الحقيقية للمساجلات التى دارت وتدور حول أسر صدام حسين والموقف منه ، ومن محاكمته ، أنها كشفت مجددا حقيقة عدم توجه القوى الوطنية العربية – كما نوهنا – أعلاه توجها عاما واضحا وحاسما نحو الاصطفاف الوطني العام ضد العدو الأمريكي والصهيوني الذى يتطلبه عاجلا الموقف الراهن ، باعتباره الحلقة الأساسية الأولى فى مسيرة المقاومة الفعالة للاستراتيجية الاستعمارية الأمريكية وأداتها وشريكتها الصهيونية.
مصادر ضعف الاصطفاف الوطني ضد العدو
ويمكن تركيز أهم المصادر الأساسية التى تكبح عملية الاصطفاف الوطني العام رغم الأخطار الماحقة الماثلة أمامنا فى مصدرين أساسيين هما:
المصدر الأول: هو الاستراتيجية الانهزامية المتبعة مع الكيان الصهيوني والقائمة على استرضاء أمريكا والسير فى ركابها والاعتراف بالكيان الصهيوني ( إسرائيل ) والتطبيع معه مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة 1967 ، مما أدى فى آن واحد إلى سيطرة أمريكا على مقدراتنا وتحويل كافة الدول العربية إما إلى مستعمرات أو أشباه مستعمرات أمريكية ، مع بقاء الاحتلال الصهيونى وتدعيم وجوده ومشاريعه التوسعية. ولا يلحق استمرار النظم العربية ورضوخ قطاعات واسعة من الجماهير لتلك الاستراتيجية العربية الانهزامية واعتمادها على التفاوض والدبلوماسية الخائبة أفدح الأضرار بالقضية الفلسطينية وقضية الأرض العربية الأخرى المحتلة 1967 وما بعدها فحسب، بل وأيضا بمهمة تحقيق الاصطفاف الوطني العربي العام ضد الاحتلال الأمريكي للعراق ومراميه العدوانية بالنسبة للعالم العربي بأسره . فأول ما يتطلبه هذا الاصطفاف الضروري والعاجل هو التمييز الواضح بين العدو والصديق . فبدون هذا التمييز والتوحد ضد الاستعمار الأمريكي العدو الرئيسى الأول والذي أصبح عدوا مباشرا وضد العدو الرئيسى المباشر الثاني وهو الكيان الصهيوني ، وكشفهما وعزلهما وهزيمة مراميهما فى الميدان السياسي وفى صفوف جماهيرنا أولا وقبل كل ميدان آخر ، لن تتقدم شعوبنا خطوة أساسية واحدة على طريق تحررها وامتلاك قرارها المستقبل. ولن يؤدى استمرار هذه الاستراتيجية الفاشلة وسيئة السمعة إلا إلى المزيد من الهزائم والنكبات العربية. كما لن يؤدى التهالك أو الجبن أمام التهديدات والاملاءات الأمريكية والصهيونية إلا إلى مضى أعدائنا قدما فى مخططاتهم الهجومية.
المصدر الثاني: تغلغل أيديولوجيات العولمة والأمركة لا فى الطبقات والفئات الحاكمة فحسب بل وأيضا في المثقفين المصريين والعرب ، وانجذاب كثيرون للعمل تحت شعارـ وفى منظمات – المجتمع المدني الممولة أمريكيا وأوروبيا ، وهى المنظمات التى قامت بدور كبير فى الترويج لما يريد الاستعماريون بالضبط ترويجه باستثناءات معدودة. وقد أتاح المناخ الفكري المبلبل والمشوش فى صفوف الوطنيين والاشتراكيين الذى ساد عالميا وعربيا مع سقوط الاتحاد السوفيتي وغيره من الدول الموصوفة آنذاك بالاشتراكية، فرصا ذهبية لانتشار الأفكار الاستعمارية والصهيونية فى بلادنا العربية تحت عناوين عالم القرية الصغيرة وعصر المعلومات والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن مقارنة بسيطة بين موقف الوطنيين المصريين من مسألة التمويل الأجنبي للأنشطة الثقافية والسياسية فى عقد التسعينات وحتى الآن وبين موقفهم المبدئي الحازم الرافض له حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي تدل بحد ذاتها على فقد الحدود أو الضفاف التى تميز المواقف المبدئية الوطنية أو الثورية عن المواقف غير المبدئية المناظرة لها. ورغم أن عالمنا العربي كان المثل الأول الدال على حقيقة النظام العالمي " الجديد" والقرية الصغيرة وحقوق الإنسان وتعميم الديمقراطية ، عندما استولت الجيوش الأمريكية فى بداية التسعينيات على دول الخليج العربية وفرضت الحصار على العراق بعد تدميره بحجة تحرير الكويت وحمايته، فإن المشهد الثقافي والسياسي الغالب فى مصر والعالم العربي ظل حتى احتلال العراق،ولا يزال إلى الآن، وإلى حد ملموس مشهدا ليبراليا استعماريا طمست فيه المضامين والحقائق الأساسية للنظام الإمبريالي العالمي المتجدد والمستوحش. ولمدة بلغت نحو خمسة عشر عاما بات الحديث عن الاستعمار والإمبريالية والتبعية واحتجاز تطور العالم الثالث أو الرابع والأطماع الاستعمارية والتآمر الأمريكي والصهيوني على بلادنا وإسرائيل الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين- بات كل ذلك من مخلفات عصر مضى وانقضى . وفى ظل هذه الحالة من غيبوبة العقل العربي روج لأمريكا – بقصد وبدون قصد – كمنارة للديمقراطية ورائدة للتقدم العلمي والإنساني وحامية لحقوق الإنسان. واستدرج العرب والمسلمون كافة لمساندة أمريكا وحلف الأطلسي فى مؤتمراتهم الإجرامية لتفكيك يوغسلافيا واحتلال كوسوفو بحجة حماية المسلمين فى البوسنة والهرسك وكوسوفو، وللقضاء على حكم آخر معارضي توسع حلف الأطلسي شرقاً ومحاكمته فى محكمة مجرمي الحرب وهو سلوبودان مسيلوفيتش. وتسابق كثيرون على تأكيد حق أمريكا وحلفاء الأطلسي أكبر مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فى التاريخ فى التدخل فى الشئون الداخلية لدول العالم المستضعفة والقبض على مناوئيهم وخصومهم ومحاكمتهم كمرتكبى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما لم تقابل سياسة الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا لتشديد احتكارها للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى ومنع الآخرين من امتلاكها بالقوة بمعارضة رسمية أو شعبية جادة حتى غدا عدوان أمريكا العسكري على إحدى البلدان لتجريدها من هذه الأسلحة حقا مشروعا فى نظر الرأي العام العالمي.
ولا نجد ثمة داع للاسترسال فى ضرب الأمثلة الدالة على نتائج الوقوع فى أسر الهيمنة الأيديولوجية والإعلامية الإمبريالية تحت عناوين ضالة مضللة بعد أن نذكر بمهزلة التعاون المعلن أو التأييد السافر المتبجح من جانب نسبة لا يستهان بها من السياسيين والمثقفين فى العراق وغيره من الدول العربية للاحتلال الأمريكي بحجة تحريره من الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية.
ولقد كرس الفكر العولمى الإمبريالي والتوجيهات السياسية التى يدفع فى اتجاهها الاستراتيجية العربية الانهزامية القائمة بوضعهما عقبات فكرية وسياسة إضافية أمام مناهضيها الثوريين. وعلى الرغم من أن نتائج الممارسة على كل الجبهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والإعلامية ، قد كذبت الآمال الزائفة التى روجها الإمبرياليون وأبواقهم عن العولمة مما أدى إلى نهوض حركة شعبية عالمية مناهضة للعولمة الإمبريالية والهيمنة الأمريكية والتي كانت لها بعض الأصداء فى عالمنا العربي ، فإن نقدا واسعا وشاملا يحظى بالقبول العام للقوى الوطنية لطبيعة ومعايير وسياسات العولمة لم يحدث بعد. ولم يتم بالتالي وحتى الآن بلورة وتبنى برنامجا متسقا مضادا لهذه المعايير والسياسات، بل لا تزال قوى وعناصر وطنية تتبنى بعض معايير وسياسات أفرزتها العولمة مكرسة خصيصاً للتدخل فى الشئون الداخلية للدول المستضعفة وحرمانها من قرارها المستقل، ولعقاب الخارجين عن طاعة الإمبريالية العالمية والأمريكية والصهيونية ، مثل الموافقة على حظر انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل حفاظا على احتكار حفنة من الدول لها واضفاءا لشرعية دولية على استخدامها للقوة المسلحة لمنع الدول الأخرى من امتلاكها ، ومثل الموافقة على مبدأ المحاكمة الدولية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتي لن يحاكم أمامها إلا الوطنيين أو الخارجين عن طاعة أكبر المجرمين فى حق البشرية فى ظل وضع دولي تحكمه الإمبريالية والهيمنة الأمريكية.
ويفسر هذان المصدران الأساسيان للانهزامية والاستسلام لأعواننا كل من عجز وتواطؤ الأنظمة العربية وضعف الحركة الشعبية على الصعيدين المصري والعربي فى فترة الإعداد لغزو العراق ، كما يفسران موقف الأنظمة وضعف حركة الاصطفاف الوطني ضد العدوين الأمريكي والصهيوني بعد وقوع الاحتلال الأمريكي للعراق. فلقد جرى الإعداد لغزو العراق وتم احتلاله لا فى ظل هيمنة الاستراتيجية العربية الانهزامية وأيديولوجيات وسياسات العولمة على سياسات نظم الحكم فحسب بل وأيضا سيطرتهما أيضا على دائرة واسعة من المثقفين وقطاعات لا يستهان بها من جماهير الشعوب العربية. ولا تقلل حركة التضامن الشعبي الواسعة مع الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التى سبقت احتلال العراق من صدق هذا الحكم. فقد تم إجهاض هذه الحركة فكريا وسياسيا وتحويلها إلى حركة جمع تبرعات مالية وغذائية فقط ركبتها أنظمة الحكم ، واتخذت منها ستارا يخفى ضلوعها فى التآمر على المقاومة الفلسطينية ولتكريس الاستراتيجية الانهزامية : نهج كامب ديفيد ومدريد وأوسلو ووادي عربة وتفاهمات تيننت ومشروع ميتشل لتفكيك البنية التحتية للإرهاب
(المقاومة الفلسطينية).
لذلك فمن تحصيل الحاصل أن النضال الوطني لتحرير الأرض وحماية الاستقلال والحق فى التطور المستقل يبدأ بالنضال ضد الانهزامية والسياسات الاستسلامية ، وأن مقاومة الاحتلال الأمريكي والصهيوني تبدأ بالنضال ضد السياسات القائمة على التواطؤ أو الركوع والتخاذل أمام المحتلين وتهديداتهم وابتزازاتهم.
إن الانعطاف الحاسم فى موقف جماهير الشعوب العربية لطريق المقاومة هو ملاذنا الوحيد. ويقتضي ذلك ، أول ما يقتضي :
أولاً: فضح ونبذ الانهزامية وكل الأوهام التى أشيعت عن خيار آخر ، أو عن فقدان شعوبنا لأهلية تحمل تبعات المقاومة.
ثانياً: دعم الطليعتين العربيتين المتقدمتين للنضال الوطني التحريري وهما المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية خاصة دعم استراتيجية المقاومة المسلحة، إستراتيجية التحرير.
ويعد العمل اللازم إنجازه لتحقيق الانعطاف الجماهيري العام نحو طريق المقاومة هو الواجب الرئيسى المباشر لكل فرد أو جماعة أو قوة أو منظمة أو حزب يستحق وصفه بالوطنية أو بتمثيله لجماهير الشعوب العربية.
ولإنجاز هذا الواجب يجب الاستناد إلى خطة تسترشد بمبدأ المقاومة بكل أشكالها وتقوم على عدد من التوجهات الأساسية للتغلب على نواقص وتعقيدات واقعنا السياسي.
توجهات لإنجاز الواجب الرئيسى ( تحقيق الانعطاف الجماهيري لطريق المقاومة)
من الواضح أن الشقة لا تزال واسعة بين الوضع السياسي الجماهيري الحالي فى مصر وأغلب البلدان العربية وبين الانعطاف المنشود نحو مقاومة العدو ، ونرى أن الخطة أو العمل الهادف لإنجاز الواجب إنما يرتكز على دعامتين أساسيتين
الأولى : التكامل والتناسق والتظافر بين العمل اللازم فى صفوف الجماهير علي الصعيد العربي بأسره لدعم المقاومة العراقية والفلسطينية وبين العمل اللازم فى صفوفها لنبذ الانهزامية والأوهام عن خيارات أخرى غير المقاومة فى مواجهة الاحتلال أو العدوان العسكري أو أوضاع الوصاية والسيطرة المفروضة والتي يراد فرضها من جانب أمريكا والكيان الصهيوني .
الثانية : تعميم الوعي السياسي بالأهمية الإقليمية والدولية للمقاومة العراقية فى إفشال المخطط الأمريكي للسيطرة على العالم العربي والهيمنة الأمريكية العالمية. ففي العراق سيقبر أو يمر هذا المخطط، هذا فضلا عن دور ثبات وتصاعد المقاومة العراقية فى تخفيف ضغط الكيان الصهيوني والعدو الأمريكي على الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته الباسلة. ويقتضي ذلك عملا دؤوبا لتحقيق التفافا متناميا للقوى الوطنية وبالتالي الجماهير العربية العريضة حول التوجهات والمطالب التالية:
5- تحقيق الاصطفاف – وحدة الصف – الوطني العام ضد العدو الواحد الأمريكي الصهيوني:
إن تحقيق الاصطفاف الوطني العام كما نوهنا سابقا هو الخطوة الأولى الأساسية فى مواجهة العدو، وهو الواجب المباشر العاجل للقوى الوطنية ، وهو يعنى استنفار جماهير الشعب لإظهار رفضها للعدوان أو التهديد به وللهدف من ورائه والتكاتف فى مواجهته ، استنفارا يفهم منه العدو أنه عاجز عن إرهابنا وتقسيم صفوفنا أو عزل قطاعات هامة من شعبنا عن مقاومته. وهذه العملية فى مصر وغيرها من الدول العربية غير مكتملة بل ضعيفة.
أغلبية جماهير الشعب المصري تتألم غضبا جراء احتلال العراق والإبادة اليومية للشعبين الشقيقين فى العراق وفلسطين ، ولكنها تتمزق أيضا حيرة ويأسا من قلة الحيلة. فهي لا تشارك فى النشاط السياسي العام وتفتقد الوضوح الكافي لهمزة الوصل بين ما يجري فى العراق وفلسطين وما يجرى هنا وهناك فى بلاد عربية أخرى ، بل يغيب عن وعى أكثريتهم أن لمصر مشكلة وطنية خاصة بها مرتبطة أوثق الارتباط باحتلال فلسطين والعراق، وأنها مستهدفة كالشعب العراقي والفلسطيني . ولا يصل لأسماعها – إلا فيما ندر – غير صوت قادة النظام الحاكم وأجهزة التليفزيون والإذاعة التى ليس بينها قناة أو محطة تناهض العدو وتوالى الشعب والوطن. وهم فضلا عن ذلك مستغرقون آناء الليل وأطراف النهار لتدبير قوتهم وقوت أولادهم اليومي ، وكثيف هو إحساسهم بالوحدانية وفقدان السند والحماية عند التعرض لعقاب الدولة التى لا ترحم حتى أطفال من يتجرأ على معارضتها معارضة فعلية أو حتى من يتجرا على الاحتجاج إضرابا عن العمل أو اعتصاما لظلم بين وقع عليه حتى ولو كان مخالفا للقانون.
وبالطبع لا يمكن اعتبار ألم الجماهير السلبي جراء جرائم المحتلين فى العراق وفلسطين اصطفافا وطنيا. فالاصطفاف إظهار وليس مداراة وإخفاء للألم والغضب.
ولا نتحدث بالطبع عن مسئولية سلطات الحكم فى ذلك فهذا ما تريده بالضبط ، وإنما نتحدث عن مسئوليتنا نحن ، مسئولية القوى السياسية الوطنية. فكلها بلا استثناء مسؤولة عن الإخفاق حتى الآن فى تحقيق اصطفاف جماهيري عريض ضد العدو الأمريكي والصهيوني. والمسئولية الأولى آنيا تقع على الأحزاب والمنظمات ذات الثقل التنظيمي الأكبر. فالمسألة ليست انعدام أو الضعف الشديد فى تواجد التنظيمات السياسية بين جماهير الشعب بقدر ما هي تلكؤ أو انصراف أكبرها عن أداء المهمة الوطنية العاجلة. والأسباب فى ذلك وكما نوهنا سابقا وكما تتبدى فى الفكر والمواقف أولاً: تسرب الاستراتيجية الانهزامية ممثلة بقرار مجلس الأمن 242 وخاصة باتفاقيات كامب ديفيد وما تلاها بقدر أو بآخر إلى الأحزاب والمنظمات الوطنية ثانياً: تسرب الفكر العولمي بدرجة أو أخرى إلى رؤوس قادة وأعضاء هذه القوى السياسية. ونضيف سبب ثالث هو تكتيكات (خطط) الأحزاب والمنظمات التى تراهن على خطة الديمقراطية أولا، وسبب رابع هو تكتيك(خطة) الجماعة والجماعات التى لا ترى فائدة فى نضال لا يبدأ بتشييد دولتها الخاصة حتى ولو كان ضد المستعمر الغاضب والمهدد.
كما تظهر المساجلات بين السياسيين والكتاب أن عددا ممن ينتسبون للوطنيين لا يقدر حجم ومدى الأخطار الماثلة ولا يعتد كثيرا بأبجديات معارك التحرر الوطني وفى مقدمتها بناء اصطفاف وطني – مهما يكن الأمر – ضد العدو الرئيسى. ويتطلب تحقيق الاصطفاف أو وحدة الصف الوطني العريضة والمكينة فى كافة البلدان العربية وفى مصر تحديدا،أولاً: إزالة كل لبس أو أفكار مغلوطة مترسبة إما عن عصر استشراء العولمة أو عن 60 عاما من التعامل العربي مع أمريكا باعتبارها إما حليف أو صديق أو محايد أو بالأكثر عدو ثانوي يمكن كسبه وتحييده فى الصراع العربي الصهيوني. فأمريكا هى العدو الرئيسى الأول الدائم للشعوب العربية منذ أفل نجم الإمبراطورية البريطانية وستظل كذلك ما بقيت الإمبريالية الأمريكية قائدة للإمبريالية العالمية وما بقى الكيان الصهيوني. ثانياً: توجه القوى الوطنية بالنداء والاتصال المباشر للجماهير فى مواقع تواجدها المتعددة للاصطفاف ضد العدو الأمريكي والصهيوني ، ومقاومة الأوضاع التى فرضها والتي يريد فرضها الآن أو فى المستقبل على بلادنا ، وإظهار التأييد السياسي البين للمقاومة العراقية والفلسطينية وإعداد النفس والبلد بأسرها لمقاومة العدو الأمريكي والصهيوني بما فى ذلك الاستعداد للمقاومة المسلحة. ثالثاً: إخضاع القوى الوطنية خلافاتها وتناقضاتها لمصلحة التناقض مع العدو الرئيسي الأمريكي والصهيوني. ولا يعنى ذلك تخلى أحد عن مرجعياتة ومشاريعه السياسية والاجتماعية. فالديمقراطية التى ننشدها فى العراق المحتل بعد تحريره وفى مصر وكل الدول العربية لابد أن تتجسد من الآن فى حق كل فصيل فى الاحتفاظ بأفكاره ومشاريعه للمستقبل. وإنما يعنى فقط معالجة الخلافات والتناقضات معالجة جديدة تعطى الاعتبار الأول بصدق للضرورة العاجلة لوحدة الصف الوطني فى معارك المقاومة والتحرير.
6- مساندة ودعم المقاومة العراقية والفلسطينية مهما كانت روافدها اسلامية أو قومية او اشتراكية :
ويشمل هذا الدعم بالطبع المقاومة البعثية ، فالبعثيون المقاومون الآن هم وطنيون غيورون من بين أعضاء حزب البعث ونظامه السابق، الذين رفضوا الاستسلام واختاروا الاستشهاد أو التحرير وطالما بقوا كذلك. ويجب نقد وتفنيد الاتجاهات المشككة فى المقاومة العراقية والعازفة عن الانخراط فيها أو تأييدها بدعوى أن البعثيين والإسلاميين المقاومين – وأولهم كان يتبنى دائما نظاما بعثيا ديكتاتوريا وثانيهم نظاما ديكتاتوريا إسلاميا للحكم باسم الخلافة – سيحملون إلى سدة الحكم بعد التحرير نظاما ديكتاتوريا بعثيا أو إسلاميا طائفيا. فعلاوة على أن هذه الاتجاهات تتعارض مع حق بل واجب كل القوى الوطنية فى مقاومة الاحتلال ، فإن حرب التحرير الطويلة بطبيعتها والتي لا مجال لانتصارها قبل أن تجذب لصفوفها الأغلبية الساحقة من جماهير الشعب العراقي والقوى السياسية المتعددة المعبرة عنها ومنها بالطبع القوى العلمانية والاشتراكية والديمقراطية تستبعد في الاغلب مثل هذا الاحتمال فى العراق ، وقبل ذلك فمن حق وواجب كل عراقي – كما نوهنا سابقا – ومهما كان انتمائه السياسي أو الديني أن ينال شرف مقاومة الاحتلال الأجنبي لوطنه.
7- تحويل الخبرة مع الحكم الديكتاتورى إلى خبرة وعبرة ، وإدانة استخدامها لتفتيت الاتحاد ضد العدو الأمريكي:
يجب أن نعمل على تحويل الخبرة المريرة مع الحكم الديكتاتوري السابق فى العراق أو مع الأنظمة الديكتاتورية السابقة أو القائمة إلى درس وعبرة ودافع لتوحيد الصف الوطني والذي لا يمكن أن يتم إلا على أسس ديمقراطية، وإدانة ومقاومة استخدامها سواء داخل العراق أو خارجه فى أضعاف أو تفتيت الاصطفاف ضد العدو. فلقد كان نظام الحكم الديكتاتوري فى العراق الذى ساهمت أمريكا بالدور الأكبر فى إقامته منذ انقلاب عام 1963 ضد حكم عبد الكريم قاسم أحد أهم العوامل الأساسية فى ضعف الدفاع عن العراق أثناء الغزو الأمريكي ولا تزال آثاره الباقية تلعب دورا هاما فى بطء اتساع صفوف المقاومة العراقية. ومخاطر الحكم الديكتاتوري على استقلال أوطاننا وسيادتها على أراضيها هو أحد الدروس الأساسية المستفادة أيضا من هزيمة 1967 أثناء الحكم الوطني الناصري ، والتي أكدت الحقيقة المؤكدة من قبل ومن بعد وهى أن الوحدة الوطنية لا تقام إلا على أسس ديمقراطية.

8- الدفاع عن صدام حسين فى مواجهة آسره العدو الغاصب المحتل :
يتعين على كل وطني مهما كان رأيه فى صدام حسين ونظام حكمه السابق أن يدافع عنه فى مواجهة المحتل الغاصب بصفته أسير حرب عدوانية علي بلده ومواطن عراقي عربي ، ورئيس سابق لدولة عربية كان مسئولا دستوريا عن الدفاع عنها فى مواجهة الاحتلال الأجنبي . ولا يجوز أن يحجب الموقف من تاريخ الوجه الديكتاتوري لفترة حكمه حقيقة أنه دافع عن العراق واستقلاله ووحدة أراضيه طوال 12 عاما من الحصار الأمريكي الإجرامي ، وأنه رفض الإذعان للمستعمر وقاوم غزوه للعراق ، وكان حتى يوم اعتقاله قائدا أو رمزا لأحد أهم الفصائل الحالية للمقاومة العراقية البطلة . والوجه المقاوم لصدام حسين أيا كانت نواقصه هو الذى بكته من أجله يوم أسره عشرات الملايين فى أرياف مصر وحواضرها وكل أرجاء العالم العربي.
إن اعتقال صدام حسين من قبل المحتلين المجرمين والمهزلة الإعلامية التى صاحبت الإعلان عنه هما عدوان على وإهانة لكل عربي ، وعمل مدان مثله فى ذلك مثل كل أعمال الاحتلال وجرائمه فى حق الشعب العراقي والشعوب العربية وحق الإنسانية.
كما يجب إدانة ورفض أي اتجاه لمحاكمته سواء في محكمة عالمية أو عراقية ، ففي الحالتين يحاكم المجرم الجاني المجني عليه في حرب عدوانية هي حرب احتلال العراق ، والشعب العراقي المحرر من العدو المحتل هو وحده صاحب القرار في محاسبة صدام أو غيره من المسئولين العراقيين السابقين أو الحاليين أو اللاحقين.
5- تعميم مبدأ وخط المقاومة كملاذ وحيد وأسلوب المقاومة المسلحة باعتباره الأسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير الأرض المحتلة ورد العدوان العسكري الأجنبي:
يجب تعميم مبدأ المقاومة الوطنية وخطها وفي مقدمتها المقاومة المسلحة بين جماهير الشعوب العربية لا ضد ، الاحتلال الأمريكي للعراق أو ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين وكافة الأراضي العربية الأخرى المحتلة بل وأيضا ضد السياسة الأمريكية الجديدة لأحكام قبضتها علي الأقطار العربية كافة ، سواء بالاحتلال أو العدوان العسكري أو التهديد بهما. ويجب إجلاء حقيقة أن الأمريكيين والصهيونيين باحتلال العراق ومشروعات الخرائط السياسية الجديدة للمنطقة لم يعودوا يحفلون كثيرا من جانبهم بعقد اتفاقيات أو تسويات تعطي للجانب العربي مظهرا خادعا للسيادة أو الاستقلال ، كاتفاقيات كامب ديفيد أو وادي عربة (الأردن) أو أوسلو ( فلسطين ) ، بعد أن حققت هذه السياسة الأغراض التي توختها وهي استسلام النظم العربية وإضعاف قوى المقاومة الوطنية وإعداد المنطقة بأسرها لمرحلة جديدة من السيطرة الأمريكية والصهيونية التي بدأت باحتلال العراق - بعد 12 عام من الحصار – وما يسمي بخريطة الطريق في فلسطين . إن الخطر الجديد يشمل جميع الأقطار العربية دون استثناء . فموافقة ليبيا علي التخلص من برامج أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بداية لسيناريو لم يكتمل بعد ، وقانون معاقبة سوريا والتنازلات والخدمات التي يقدمها النظام السوري استرضاءً لأمريكا هي مقدمة للعدوان علي سوريا أو تركيعها سلما واستسلاما . ولن تُستثني دول المغرب العربي الأخرى وها هو بوش يعلن صراحة أن القوات الأمريكية ستتمركز في الصحراء الجزائرية . أما بالنسبة لمصر فأن ما كُشف عنه الستار هو أن المباحثات كانت جارية طوال شهور لاشتراك مصر في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) ضمن ما يسمي الأمن الأطلسي – المتوسطي . هكذا تريد أمريكا تكبيل مصر بأوضاع استعمارية جديدة – إضافة للأوضاع القديمة كاتفاقية كامب ديفيد واتفاق المشاركة الاستراتيجية المصرية الأمريكية – لتتحول أراضي مصر الخاضعة من قبل لإتفاقات مهينة مشينة مع أعداء شعبنا وأعداء الإنسانية إلي قاعدة جديدة من قواعد حلف الناتو للعدوان علي شعوب المنطقة ، وفي مقدمتها بالطبع الشعب المصري لحمله علي الاستسلام الدائم للتحكم الأمريكي والوصاية والتهديد الصهيوني . لم تعلن السلطة المصرية شيئا ً إلا أن مصادر الحلف في مقره ببروكسل أعلنت الشهر الماضي أن الحكومة المصرية ستشترك في اجتماع حلف الناتو في شهر يونيه 2004. وبالنسبة للسودان الذي مزقته وحطمت مقومات تطوره بل ربما وجوده الاضطهادات والفتن والحروب الأهلية التي أججها الطغيان والرجعية الجاهلة باسم الحكم الإسلامي، فقد بات مفتوحا أمام أمريكا – عبر تدخلها بنفسها وبواسطة عملائها في رابطة الإيجاد الأفريقية في مفاوضات إنهاء الحرب الأهلية والفترة الانتقالية وتقسيم السلطة والثروة بين الشمال والجنوب قبل استفتاء يقرر وحدة السودان أو تقسيمه – لتخضعه مقسما أو موحدا حسب الظروف والإمكانيات المتاحة لاستراتيجية السيطرة الأمريكية على العالم العربي والقرن الأفريقي.
إن المقاومة ملاذنا الوحيد لذلك لا مفر من تعميم خط المقاومة الوطنية للاستعمار الأمريكي وللكيان الصهيوني بكل أشكالها ، والمقاومة المسلحة باعتبارها الاسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير العراق وفلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة ، وإعداد الشعوب في كافة الأقطار العربية للمقاومة المسلحة لرد أي عدوان علي أراضيها وطرد أي وجود عسكري ورفع أي وصاية أو سيطرة عسكرية مفروضة أو تفرض عليها.
6- المسألة الوطنية في مصر وكل من الأقطار العربية ليست فقط دعم المقاومة العراقية والفلسطينية وإنما أيضا وفي المقام الأول مسألتها الوطنية الخاصة :
يدعي البعض خاصة في مصر أن المسألة الوطنية - التي نصدعهم بها – هي قضايا عربية قومية أو خارجية يمكن لمصر أو غيرها من الأقطار العربية تحقيق استقلالها وتأمينه بدون حلها. إلا أن المسألة الوطنية في مصر وغيرها من الدول العربية ليست هي فقط دعم المقاومة العراقية والفلسطينية، ولا هي فقط إعداد بلادنا- إضافة لدعم المقاومتين المذكورتين – لمواجهة التهديدات الامريكية والصهيونية الجديدة. فلمصر وكل من الدول العربية علي حدة مسألتها الوطنية الخاصة المزمنة من قبل التهديدات الجديدة ، إضافة للبعد الوطني الخاص في كل دولة عربية وخاصة دول الجوار لفلسطين والعراق للمقاومة الفلسطينية والعراقية. وتتبدي المسألة الوطنية الخاصة بكل قطر عربي علي حدة إما في صورة احتلال لكل أراضيها كالعراق وفلسطين ، أو احتلال لبعض أراضيها كسوريا ولبنان ، أو في صورة معاهدات وصاية وإذعان كالأردن (اتفاقية وادي عربة) وكمصر (اتفاقية كامب ديفيد التي جردت سينا حتى غرب الممرات الاستراتيجية من السلاح المصري وأقامت فيها قواعد عسكرية أمريكية واحتلالا دوليا دائما تقوده أمريكيا وأجبرت مصر علي الارتباط باتفاق مشاركة استراتيجية مع عدونا الأمريكي )، أو في صورة جيوش أمريكية جرارة مقيمة حول آبار البترول في السعودية ودويلات الخليج العربية وعمان تمارس بموجبها أمريكا سلطة علي هذه البلدان لاتفترق كثيرا عن سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق ، أو في صورة قواعد عسكرية وتسهيلات واتفاقيات أمنية ، فضلا عن التبعية الاقتصادية والسياسية لكافة الأقطار العربية من المحيط الأطلسي إلي الخليج العربي الفارسي.
وبقاء المسألة الوطنية القائمة في كافة الأقطار العربية دون حل أو دون توجه حاسم أو أساسي نحو الحل خاصة في مصر وسوريا ومنطقة الخليج إضافة إلي وجود الكيان الصهيوني واغتصابه لكل فلسطين – هو ما جعل تصاعد عدوانية السياسة الأمريكية والصهيونية علي بلادنا أمر ممكنا ، وهي أساس العجز العربي الرسمي عن التصدي بأي صورة كانت للتصعيد العدواني الأمريكي والصهيوني.
فإذا أردنا تحقيق الاصطفاف الوطني العربي العام ضد العدوان الأمريكي والصهيوني يتعين علينا أن نعمل علي وضع المسألة الوطنية الخاصة بكل قطر عربي بتجلياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية علي رأس جدول أعمال القوى الوطنية في هذا القطر، ولا نكتفي بدعوة الجماهير لمساندة ودعم المقاومة العراقية والفلسطينية. فالإصطفاف الوطني في كل قطر عربي سيتحقق في المقام الأول بوضع مسألته الوطنية الخاصة في رأس جدول أعمال قواه الوطنية مع التأكيد علي الرابطة الحميمة الاستراتيجية بالمسألة الفلسطينية والعراقية.
يجب أن تعمل القوى الوطنية في مصر علي جعل المسألة الوطنية المصرية المحور الأساسي في نشاطها السياسي العملي الراهن بين الجماهير ، وأن تعيدها إلي مكانها الصحيح في أي استراتيجية للتطور الاقتصادي والاجتماعي باعتبار حلها أساس حل كافة القضايا الأخرى ، وليس أدل علي ذلك من أن استبدال الاحتلال الصهيوني لسيناء بتجريدها من السلاح المصري وبالقواعد العسكرية الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية قد أدى إلي تكريس تشوه وتخلف وتبعية وعجز التطور الاقتصادي الاجتماعي وليس إلى إطلاق التطور والتعجيل به كما روج المستسلمون.
ولا تفسر القوانين والإجراءات المكبلة للحريات وحدها ضعف الحركة الشعبية ومحدودية الاستنفار أو الاصطفاف الوطني ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني ، وإنما يفسرها – في المقام الأول – العمل اليومي لأنظمة الحكم لحجب المسألة الوطنية المحلية خلف الشعارات الكاذبة عن خيار السلام الاستراتيجي والصديق الأمريكي وعصر العولمة التي فتحت حدود الدول أمام تدفق المعلومات والتكنولوجيا واللحاق بركب التقدم من جانب، والتهميش الشديد أو شبه التام للمسألة الوطنية المحلية في نشاط مختلف القوى الوطنية علي وهم أو بذريعة كسب الحريات والديمقراطية أولا ً .
ولا نعني بوضع المسألة الوطنية المصرية علي رأس جدول أعمال القوي الوطنية المصرية الدعوة إلي المبادرة فورا إلي إعلان حرب عربية نظامية خامسة ضد الكيان الصهيوني بقيادة مصر تحريرا لسيناء الرهينة واستردادا للقرار الوطني في مصر من الوصاية الأمريكية الصهيونية ، فضلا عن تحرير الجولان وفلسطين ومزارع شبعا والدعم العسكري للمقاومة العراقية . فاستراتيجية مثل هذه الحرب وشكلها وخططها وتوقيتها يجب أن تؤخذ بكل ما لدينا من قدرة علي الحساب والتنظيم والحشد والصمود ، والقراءة العلمية – والثورية أيضا – لحروبنا السابقة مع إسرائيل لإجلاء نقاط الضعف التي اعتمد عليها الكيان الصهيوني قدر أو أكبر من اعتماده علي نقاط قوته الذاتية ، و لاكتشاف وبناء عناصر قوتنا الخاصة النابعة من أوضاعنا الداخلية والأوضاع الدولية المحيطة بنا. إلا أن ذلك لا يعني عدم الإعداد السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي للحرب تحريرا لأراضينا وإرادتنا كما لا يبرر ذلك أيضا قبول تحكم بوش وشارون وأمثالهما في القاهرة درءا لخطر اجتياح سيناء بضربة لن تكلفهم – مع تجريدها من السلاح ووجود القوات الأمريكية فيها – كثيرا ،ً أو أن نقبل باختناق مصر كلها خوفا من ضياع الإدارة المدنية لسيناء من أيادينا ، أو أن تستمر الحكومة المصرية والسورية في تغطية استسلامها أمام العدو بالحديث الكاذب عن خيار السلام ، أو أن تقبل أحزاب تنتسب تاريخيا للحركة الوطنية المصرية بترك الأجيال الجديدة غير عارفة أصلا بأن مصر غير كاملة السيادة وأن سيناء مجردة من السلاح حتى غرب الممـرات ومقـيدة السـلاح خاضعة للتفتـيـش الأمريكي ما بين غرب الممرات وقناة السويس (58 كم فقط )، وأن أرضها مازالت مدنسة باحتلال دولي تقوده أمريكا وبالقواعد الأمريكية من سيناء إلي خليج السويس والبحر الأحمر.
إنها لجريمة كبرى في حق الأجيال الجديدة إلا يحاطوا علما- حتي مجرد العلم – من الآن بالمهام التي علقت برقابهم . فالذين لا يعلمون بأن سيناء مجردة من السلاح وأن لأمريكا قواعد عسكرية في مصر يبلغون مالا يقل عن 90% من مجموع الشعب المصري وما لا يقل عن 95% من الشباب أقل من 35 سنة ونحو 100% من الأطفال ما بين 6-14 سنة.
7- رفض الوجود العسكري الأمريكي بأي صورة كانت في أراضي مصر أو غيرها من الدول العربية ورفض انضمام الحكومة المصرية لحلف الناتو واعتبار هذا الوجود احتلالا يستوجب الرفض والمقاومة بكل الوسائل حتى يزول .
8- رفض احتكار الدول الكبرى وإسرائيل للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل :
ليس حظر انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل إلا احتكارا من قبل حفنة من الدول لهذه الأسلحة لإرهاب الدول الأخرى وإخضاعها.
وقد استخدمت هذه السياسة التي باتت كأنها قانون دولي يحظى بتأييد الشعوب غطاءً لاحتلال العراق ، واستخدمت من قبل للإغارة الجوية علي السودان واليوم لإخضاع ليبيا وهي من الوسائل التي استخدمت وستستخدم لتهديد سوريا وإخضاعها ، وهي الوسيلة الأساسية لتهديد كوريا الشمالية الباسلة ، وقد استخدمت وستستخدم لإخضاع إيران أو تبرير محاولة احتلالها أو إخضاعها سلما واستسلاما. لذلك لابد من إدانة ورفض هذا الاحتكار والدعوة لنزع وتدمير هذه الأسلحة في دول العالم بلا استثناء وبصورة متزامنة، والدفاع عن حق كل دولة في امتلاك هذه الأسلحة ، إلي أن يتم الاتفاق علي التدمير والنزع الشامل والمتزامن لها في كافة دول العالم وحق الدول العربية في امتلاكها كسلاح ردع إلي أن يتم إخلاء المنطقة والعالم كله من هذه الأسلحة ، ولهذا يجب أن تتوجه الحركة الوطنية المصرية والعربية للحركة الشعبية العالمية المناهضة للعولمة والحرب الاستعمارية لكي تبني معنا هذا التوجه وتدعو له بين شعوب العالم بأسره.
9- المسألة الرئيسية من بين مشاكل المجتمع المصري – وكذلك المجتمعات العربية – لا تزال المسألة الوطنية ، والتناقض الرئيسي من بين جميع التناقضات الأساسية لمجتمعاتنا هو التناقض بين الشعب وبين الإمبريالية والصهيونية :
ويعني ذلك أن حل كافة القضايا الأساسية الأخرى أساسه حل المسألة الوطنية . فلا سبيل إلي إقامة سلطة سياسة وحكومة ديمقراطية في دولة محتلة، ولا سبيل لإقامتهما أيضا في دولة خاضعة وتابعة للإمبريالية إلا في إطار توجه صحيح وجذري لحل المسالة الوطنية. إن الحكومة الديمقراطية في مصر هي فقط الحكومة المعادية للاستعمار الأمريكي وللكيان الصهيوني والتي تتبني – فضلا عن ذلك – سياسة إقامة الوحدة الوطنية للشعب علي أساس المبادئ الديمقراطية وكفالة الحريات : السياسية والفكرية والنقابية. فليست الديمقراطية هي مجرد الانتخابات الحرة. كما يزعم الإمبرياليون وإنما هي اختيار ممثلي الشعب الحقيقيين في انتخابات حرة. وإذا أتت الانتخابات بنواب لا يمثلون المصالح الحقيقية لجماهير الأغلبية وفي مقدمتها المصالح الوطنية ، لظلت الديكتاتورية قائمة ، حتى ولو لم تزور الانتخابات تزويرا سافرا. فالانتخابات النيابية بوجه عام ، وفي بلادنا وغيرها من البلاد المتخلفة اقتصاديا وثقافيا بوجه خاص ، لا تسفر حاليا – وعادة – عن تمثيل حقيقي للشعب حتى ولو لم تزور تزويرا فجا ، وإنما تأتي بغالبية ممثلة لقاهريه وأعدائه . ويرجع ذلك لسببين أساسيين. السبب الأول : هو ضعف الوعي السياسي الجماهيري بالمصالح الأساسية والبعيدة لجماهير الكادحين وهم الأغلبية. وهو وضع شائع في أغلب دول العالم ومنها بلادنا. والسبب الثاني: هو أن الفوز في الانتخابات في بلادنا وأمثالها بوجه خاص لا تحكمه البرامج السياسية للمرشحين بقدر ما تحكمه – وقبل كل شيء – حِرَفيِِِِِة وألاعيب المنافسات الانتخابية. وهي أمور يتيحها – فضلا عن تخلف الثقافة السياسية – عدم مشاركة أغلبية المقيدين في جداول الانتخابات في التصويت مما يسمع بأن يقيد المرشح المحترف الأصوات المؤيدة له شخصيا مسبقا من جهة، وشرائه لسماسرة الانتخابات والعناصر المتهرئة والفاسدة لتصوت له من جهة أخرى ، هذا بخلاف التزوير.
إن انتخابات " حرة " شكلا علي هذا النحو يمكن أن تأتي بحكومة عميلة أو أكثر عمالة لأمريكا إذا ظل المناخ الفكري الليبرالي الذي لا يميز بين العدو والصديق سائدا، ناهيك عمن اتخذوا عدونا الأمريكي صديقا، وإذا ظلت الجماهير الشعبية الغفيرة في المدن مقاطعة للانتخابات ، وإذا ظلت جماهير الفلاحين تعطي أصواتها لأبناء العائلات من كبار الملاك والرأسماليين بنفوذهم في سلطات الحكم وأجهزة الإدارة الحكومية فضلا عن سلطان الثروة ، وإذا لم تتم الانتخابات في مناخ سياسي يشتعل غضبا علي الأمريكيين والصهيونيين وممالئيهم في مصر. ولنا في أخر التجارب " الديمقراطية " الدالة علي ذلك وهي تجربة جورجيا ( إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة) التي نصبت سلطة أكثر عمالة للاستعمار الأمريكي عبرة وعظة . وقبل ذلك وبعده يجب أن نتساءل عن إمكانية إجراء انتخابات حرة في ظل حكومة لا تمثل الشعـب وحـاملة وحافـظـة لـتــراث عمره 137 عاما (1866 – 2003 ) من طبخ وتزوير الانتخابات.
كذلك بالنسبة للمسألة الاقتصادية أي تجاوز التخلف الاقتصادي ، فلا مجال لحلها إلا في إطار توجه وطني لامتلاك القرار السياسي المستقل لبناء قاعدة وطنية للنمو الذاتي نتخلص بها من تبعيتنا الاقتصادية الموروثة التي خلفها الاستعمار القديم وحافظ عليها وأعاد إنتاجها الاستعمار الجديد. فاقتصادنا متخلف لأنه – قبل أي شيء أخر – تابع للخارج ، والتبعية هي العامل الرئيسي وراء التخلف ، وهي التي تحافظ أيضا علي البقايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الموروثة عن العصر ما قبل الرأسمالي. وتعني التبعية الاقتصادية – كما هو معروف – أن محرك الفعالية الاقتصادية موجود في الخارج في أيدي احتكارات الدول الاستعمارية – الدول الرأسمالية الصناعية الاحتكارية – التي لم تكف ولن تكف – كما هو واضح لكل ذي بصيرة اليوم – عن العمل بكافة الوسائل – بما فيها الاحتلال أو العدوان العسكري – علي استمرار تخلفنا حفاظا علي وضعها الاحتكاري في الأسواق العالمية.
وفضلا عن ذلك فإن المشاكل والقضايا الاقتصادية العاجلة والمباشرة هي في المقام الأول- الآن- نتاج تنفيذ وصفات واستراتيجيات الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، والتي أسفرت في مصر عن تفاقم مشكلة عجز نمط الإنتاج المتخلف عن الوفاء بالحد الأدنى الضروري للاستهلاك والاستثمارات المحققة لطاقات إنتاجية جديدة أو الموظفة لطاقات معطلة وفي مقدمتها تشغيل العاطلين. وليس الكساد المتفاقم في مصر منذ 1999 إلا الثمن المدفوع لقاء إصلاح مالي واقتصادي مزعوم استهدف كبح التضخم وخفض عجز الموازنة العامة للدولة وجذب الاستثمارات الأجنبية وإعداد ساحة الاستثمار والإنتاج وتشغيل العاطلين وإخلائها بصفة رئيسية لمبادرة القطاع الخاص المصري والأجنبي. فهذا الإصلاح- الذي نجح مؤقتا في كبح التضخم وتخفيض عجز الموازنة العامة وجذب بعض الاستثمارات الأجنبية – سرعان ما أدي إلي نتائج كارثية جراء جوهره الانكماشي وإعاقته للإنتاج والاستثمار في القطاع العام بل والخاص الذي تحدث عن إطلاق مبادرته ، وتوجهه لتعميق اندماج الاقتصاد المصري (الذي لا يملك معايير المنافسة العالمية) في الأسواق العالمية ، وعصفه بأي اتجاه لبناء الحد الأدنى الضروري للاعتماد علي الذات في الحياة الاقتصادية. فقد تلاشت ما وصفت بالآثار الإيجابية للإصلاحات المزعومة وبقيت لنا آثارها التدميرية : تفاقم البطالة وخفض الأجور والدخول الحقيقية للعمال وفقراء الريف والمدن الآخرين ، تدهور معدلات الإنتاج ونقص الاستثمارات وتزايد عجز الميزان التجاري (التجارة الخارجية) وتباطؤ نمو الإيرادات العامة للدولة وتفاقم مشكلة الدين العام الداخلي مع عودة التضخم وعجز الموازنة العامة من جديد. ليس المجال هو تحليل مشاكل الاقتصاد المصري الأساسية والمباشرة، وإنما أردنا فقط أن نؤكد علي أن تخفيف وطأة المشاكل الاقتصادية التي تعصف بحياة الطبقات الشعبية يتطلب أيضا توجها وطنيا واضحا في السياسة الاقتصادية الجارية . يقتضي أول ما يقتضي عدم الانصياع لوصفات وسياسات المؤسسات المالية العالمية الاستعمارية وتطوير عناصر الاعتماد علي الذات في حياتنا الاقتصادية.

توضيح حول المسألة الرئيسية والتناقض الرئيسي

في سياق توضيح وتأكيد صحة تحديد الواجب الرئيسي للقوى الوطنية : العمل على بناء اصطفاف وطني مصري وعربي ضد العدو الأمريكي والصهيوني والدفع نحو حدوث انعطاف جماهيري جذري لطريق المقاومة الوطنية بكل أشكالها وفي مقدمتها المقاومة المسلحة ، وكذلك تجنباً لسوء أو التباس الفهم لدى أي من منتسبي التيارات الفكرية السياسية الوطنية المختلفة نقدم فيما يلي توضيحاً إضافياً حول كل من المسألة الرئيسية والتناقض الرئيسي في الوضع الراهن للبلاد العربية ، وهما المفهومان اللذان وجهانا في وضع التوجهات السياسية السابقة .
والمفهومان أساسيان ومترابطان في كل نضال سياسي إستراتيجي ويفسر كل منهما الآخر . فالأول يتعلق بترتيب الأهداف وتحديد هدف رئيسي للمرحلة من بينها . والثاني يتعلق بترتيب النزاعات أو الصراعات الاجتماعية – السياسية وأطرافها وتحديد صراع رئيسي بينهما يؤدي حسمه إلى تحقيق الهدف الرئيسي لنفس المرحلة .
(3) المسألة الرئيسية : وهي المسألة التي توجد في أصل وأساس كل المسائل الأساسية الأخرى في المجتمع أو هي القاسم المشترك بينها . ونضيف إلى ما سبق أن أورناه أن اعتبار المسألة الوطنية المسألة الرئيسية لا يوقف أو يعرقل النضال من أجل المسائل الأساسية الأخرى، ولا يرجئ حلولاً ممكنة لها يتنازل أحد عنها طوعاً بهذا الاختيار. وإنما يقرر فقط الشروط الضرورية لكي تصبح الحلول ممكنة والمدخل الصحيح للنضال من أجل هذه الحلول . وسيظل الأمر كذلك ما بقيت الظروف والأوضاع الموضوعية والذاتية الراهنة قائمة وهي ظروف وأوضاع السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الأجنبية وتخلف الثقافة السياسية والوعي السياسي والتنظيمي للجماهير الكادحة .
فمن البديهيات في بلاد محتلة كالعراق أو فلسطين القول بان إقامة دولة ديمقراطية رأسمالية أو إشتراكية أو لتحالف وطني شعبي هو أمر مستحيل. إلا أنه من الصحيح أيضاً أنه لا مجال لإقامة دولة ديمقراطية بأي من المعاني الثلاثة في بلاد غير كاملة السيادة الوطنية او تعاني نقصاً كبيراً في استقلالها السياسي والاقتصادي إلا على أساس رفض هذه الأوضاع والتوجه الحاسم لمقاومتها.
ولا يرجئ هذا النظر بأي قدر كان النضال من أجل الديمقراطية والحريات ( السياسية والفكرية والنقابية ) ، وإنما يبين فقط الشروط الضرورية لتحقيقها والمدخل الصحيح للنضال من أجل توفيرهما . والنظر نفسه صحيح بالنسبة للمسائل الأساسية الأخرى كالمسألة الاقتصادية .
فالحلول الجذرية والحاسمة للمسألة الاقتصادية لا تتحقق إلا في دولة امتلكت قرارها السياسي تماماً وجردت الإمبريالية عامة والإمبريالية الأمريكية خاصة (ومعها الكيان الصهيوني طالما تحدثنا عن مصر والبلاد العربية ) من كل نفوذ لها في الداخل . وحتى الحلول الآنية والعاجلة لمشاكلنا الاقتصادية تتطلب توجها وطنياً نسبياً للسياسة الاقتصادية للدولة لا سبيل لحدوثه بعيداً عن الضغط الملموس للحركة الجماهيرية. أما الإعداد لمقاومة العدو الإمبريالي والصهيوني وخاصة الاشتباك معهما فيقتضي تبدلاً في هذه السياسة لإنجاز برنامج عاجل : لدعم عناصر الاعتماد على الذات ، وتوثيق العلاقات الاقتصادية الخارجية مع دول صديقة أو على الأقل محايدة ، والحد من الاستهلاك الترفي ، وتوجيه أكبر للموارد الاقتصادية لقطاعات السلع والخدمات الأساسية، فضلاً عن الاستعداد والإعداد المسبق للتحول عند الضرورة إلى اقتصاد الحرب .
(4) التناقض الرئيسي : وهو أحد التناقضات الأساسية في المجتمع إلا أنه جذر أو قاسم مشترك لوجود التناقضات الأساسية الأخرى . ووجوده يعوق حل هذه التناقضات الأخرى في حين يفتح النجاح في حله حلاً جذرياً الباب لحلها . وتنبع الصراعات الاجتماعية جميعاً من هذه التناقضات إلا أنها كثيراً ما ترتدي أقنعة أخرى تخفي مصدرها نتيجة لتخلف الثقافة العامة والسياسية للجماهير المضطهدة. ومفهوم التناقض الرئيسي – وكذلك مفهوم المسألة الرئيسية – يحدد مفهوم الشعب ، إذ يختلف مدلول كلمة الشعب من مرحلة استراتيجية في التطور الاجتماعي إلى مرحلة أخرى . فالشعب هو مجموع الطبقات والأفراد الذين تتفق مصالحهم – أو مواقفهم من العدو الرئيسي – مع المجتمع المنشود من حل التناقض الرئيسي أو المسألة الرئيسية ، أما الذين تتعارض مصالحهم – أو مواقفهم العملية – مع هذا الحل فليسوا من الشعب بل سن أعدائه.
وفي المجتمع المصري – على سبيل المثال- تناقضات أساسية منها وأهمها أربعة تناقضات هي :
• التناقض بين الشعب وبين الإمبريالية والصهيونية .
• التناقض بين الشعب وبين القوى المرتبطة بالإمبريالية والصهيونية وأساسها الاجتماعي الرأسمالية المصرية الكبيرة الكمبرادورية ( الشركاء الصغار للاحتكارات الأمريكية والعالمية ووكلائهم وسماسرتهم في السوق المصري).
• التناقض بين الطبقة العاملة وبين الطبقة الرأسمالية .
• التناقص بين فقراء الفلاحين وفقراء المدن من المنتجين والتجار والباعة والموظفين المفقرين وبين الطبقة الرأسمالية الزراعية والمدينية .
ويندمج التناقضان الأول والثاني في تناقض واحد هو التناقض الرئيسي بين الشعب من جانب وبين الإمبريالية والصهيونية والقوى المحلية المرتبطة بهما من جانب آخر. ويتكون الشعب من العمال والفلاحين وصغار المنتجين والتجار والموظفين وغيرهم من مراتب البرجوازية الصغيرة والمثقفين الوطنيين مهما كانت أصولهم الاجتماعية طالما اختاروا بوعيهم وقوة انتمائهم الوطني طريق النضال الوطني التحريري ضد الإمبريالية والصهيونية، ويشمل الشعب أيضاً العناصر والقطاعات الوطنية من الرأسمالية المصرية وهم بصفة رئيسية من الفئات الدنيا والمتوسطة من الرأسماليين المصريين ، وإن كانت أغلبيتهم تتذبذب بين موقف المقاومة وموقف المهادنة والمساومة مع الإمبريالية . ولا يلغى هذا الازدواج الفارق الأساسي بينهم وبين الفئات الكمبرادورية خاصة في ظروف مقاومة الاحتلال أو العدوان أو الوجود العسكري الأجنبي ، ويرجع هذا الازدواج إلى أنهم معادون للإمبريالية والصهيونية من جانب ، وخوفهم من جانب آخر من تداعيات محتملة للنضال الوطني التحريري كالمساس ببعض مصالحهم المرتبطة بالتجارة في السلع المستوردة أو إنتاج فروع الشركات الأجنبية والمشتركة في مصر أو كبروز الدور السياسي للطبقة العاملة ومن ثم صعود التوجه للاشتراكية. إلا أنه يمكن تجنب مخاطر التذبذب في موقف هذه الفئات بل وتثبيت موقفها المقاوم للإمبريالية والصهيونية مع تصاعد مشاركة الجماهير الشعبية في الكفاح الوطني وتحقيق التفاف جماهيري عريض حول خط المقاومة والتحرير .
هكذا وكما يسهم مفهوم المسألة الرئيسية في الإمساك بالحلقة الرئيسية في الوضع الاجتماعي السياسي بأسره وهي المسألة الوطنية بأشكالها المتعددة ومن ثم الإمساك بكافة الحلقات وحلها، فإن مفهوم التناقض الرئيسي يحدد بوضوح جبهتنا وقوانا وجبهة أعدائنا. وجهتننا هي كل السكان عدا قلة قليلة ، وجبهة أعدائنا هي الإمبريالية خاصة الأمريكية والصهيونية والقلة المحلية التي تخلت عن الوطن والشعب واختارت مصالحها مع المستعمر. ومفهوم التناقض الرئيسي يحقق المصلحة المشتركة لكافة طبقات الشعب التي تتمثل :
أولاً : في توحيد الصف الوطني لمقاومة الإمبريالية والصهيونية .
ثانياً: في حماية الأرض والأهل والكرامة .
ثالثاً: الاستقلال السياسي التام والديمقراطية والحريات السياسية وإزاحة العقبات الأساسية أمام التطور الاقتصادي وأمام بناء قاعدة صناعية حديثة للنمو الذاتي، وهذه العقبات هي السيطرة الأجنبية وسيطرة الرأسمالية الكبيرة الكمبرادورية على الاقتصاد وسلطة الدولة.
وليس هناك حزب أو جماعة سياسية وطنية حقاً وتمثل حقاً واحدة أو أكثر من طبقات أو فئات الشعب تعارض أيا من هذه الأهداف . إلا أنه على جميع الوطنيين ألا يديروا خلافاتهم حول مناهج وإستراتيجيات تحقيق أهداف ما بعد الاستقلال السياسي التام بطريقة تضر بمصلحة النضال الوطني التحريري الحازم ضد الإمبريالية والصهيونية وأن يحرصوا على القواسم المشتركة وأن يوسعوها كلما أمكن ذلك .
أما التناقضات الأساسيان الآخران – التناقض بين الطبقة العاملة وبين الطبقة الرأسمالية ككل والتناقض بين فقراء الريف والمدن الآخرين وبين الطبقة الرأسمالية ككل - فيمكن دمجها في تناقض أساسي واحد يشملهما معاً ، وهو التناقض بين الطبقة العاملة والفئات شبه العمالية في الريف والمدن من جهة والطبقة الرأسمالية ككل من جهة أخرى . وهذه الصيغة الأخيرة هي الصيغة الأوسع والأشمل للتناقض الأساسي لكل نظام اجتماعي رأسمالي . والمعنيون بحل هذا التناقض حلاً جذرياً هم الإشتراكيون والشيوعيون الذين يستهدفون تجاوز الرأسمالية وإقامة مجتمع لا طبقي.
ومن تحصيل الحاصل أن يضع الشيوعيون المصريون والعرب مسألة النضال ضد الإمبريالية والصهيونية على رأس جدول أعمالهم ، أولاً : بحكم مبادئ الشيوعية في تحرير الإنسانية كلها من كل قهر واستغلال : قومي وطبقي وعرقي وديني ، ونداء الأممية الشيوعية الشهير بأعمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا ، فما بالك بأوطانهم الخاصة . ثانياً : إدراكهم ألا مجال لإقامة نظام اشتراكي أو أي نظام ديمقراطي مهما كانت طبيعته الطبقية في بلد محتل أو خاضع للسيطرة السياسية والعسكرية و الاقتصادية الأجنبية ، هذا فضلاً عن أن الاستقلال الوطني وكلما كان ناجزاً وجذرياً ليس شرطً أساسياً وأولياً لمجرد التفكير في إقامة دولة تستهدف الاشتراكية فحسب، بل وأيضاً هو – وبفضل النضال الوطني التحريري لتحقيقه – عامل أساسي في إنضاج الشروط الموضوعية والذاتية لإقامة الاشتراكية ، ثالثاً : إن الكفاح الوطني ضد الإمبريالية والصهيونية هو في جوهرة صراع طبقي عالمي ومحلي في آن واحد. فالنضال الوطني هو صراع يخوضه الشعب – الطبقات الوطنية – ضد الإمبريالية والصهيونية ممثلتيّ طبقة الرأسمالية الاحتكارية في الدول الإمبريالية – خاصة أمريكا – كما يخوضه الشعب أيضاً وفي ذات الوقت ضد أكثر فئات وعناصر الرأسمالية المحلية استغلالاً واضطهاداً للطبقات الكادحة في بلادنا، وهي فضلاً عن ذلك أقوى فئات الرأسمالية المصرية حالياً بل والعربية أيضاً ، والركيزة الاجتماعية الأساسية للتخلف الاقتصادي .
لذلك فإن الجماعة التي اغتصبت قيادة الحزب الشيوعي العراقي وتعاونت مع الاحتلال الأمريكي وشاركت في مجلس بريمر "مجلس الحكم" ليست جماعة شيوعية وإنما هي جماعة ارتكبت جريمة الخيانة الوطنية في حق الشعب العراقي كغيرها من جماعات المعارضة السابقة التي ساعدت الغزو الأمريكي وتعاونت مع الاحتلال بعد وقوعه وتعمل لحساب الإمبريالية الأمريكية تشويهاً لتاريخ وسمعة الشيوعيين العراقيين وتحطيماً لحركتهم. وليست هذه أول سابقة يخترق فيها خصوم الشيوعية أحزاباً شيوعية ليصفوها من الداخل. ألم يكن جورباتشوف ويلتسين وبريجنيف وغيرهم من أعداء الاشتراكية مغتصبين لقيادة حزب عمالي عظيم ؟ ولكن وكما يبدو فأنهم سيفشلون هذه المرة بمبادرة كادر الحزب الشيوعي العراقي للعمل لعزل وطرد القيادة الخائنة المغتصبة وانخراطه في المقاومة العراقية الباسلة.
ومن المهم لكي يكون العمل لتحقيق الاصطفاف الوطني ضد العدو والانعطاف الجماهيري لحظ المقاومة والتحرير ناجحاً وممهداً لإقامة الجبهة الوطنية أن يكون واضحاً ومقبولاً من جانب كافة القوى الوطنية أن مفهوم التناقض الرئيسي لا يجمد أو يوقف الصراع الطبقي حتى بين فئات اجتماعية وقوى سياسية منتسبة إلى الشعب خاصة بين الطبقة العاملة والفئات شبه العمالية وبين العناصر والفئات أو القطاعات الوطنية في الرأسمالية المصرية. فالتناقض الرئيسي بالتعريف يعني وجود تناقضات أساسية أخرى إلى جواره ، ومن ثم صراع طبقي اقتصادي وسياسي وأيديولوجي .إن الجماهير المدعوة للانخراط في النضال التحريري لن تتوقف من جراء ذلك عن الإنتاج والاستهلاك والتعليم والعلاج والاحتياج لكافة السلع والخدمات الأساسية على الأقل ، ولا يمكن لأحد أن يطالبها بنزع وسائلها في الدفاع عن حقوقها العاجلة والأساسية بذريعة مقاومة العدو أو تحت شعار مثل "لا صوت يعلو على صوت المعركة" إذا كان القصد منه وضع كل أعباء المعركة على كاهل جماهير الأجراء والفقراء وحدهم . فلا مجال لتوقف أو وقف الصراع الطبقي أثناء النضال الوطني للمقاومة والتحرير ، وإنما تتطلب مصلحة هذا النضال فقط سير هذا الصراع والتعامل معه ومن جانب كل من طرفيه – وليس من طرف واحد فقط هو العمال – بطريقة مختلفة عن الطريقة أو الطرق التي يسير بها في ظل وضع سياسي أخر يكون فيه معبراً عن التناقض الرئيسي في المجتمع . ومثال لهذه الطريقة المقترحة في إطار جبهة وطنيه للمقاومة والتحرير إمكانية: التزام القوى الوطنية المتحالفة بالتمييز بين أصحاب الأعمال الذين يشاركون ويساندون النضال الوطني التحريري وبين أصحاب الأعمال المعادين له ، التزام العمال بالحلول التفاوضية لمنازعاتهم مع أصحاب الأعمال الوطنين مع الاحتفاظ بحق الإضراب عن العمل كملاذ أخير ، التزام أصحاب الأعمال بالحقوق القانونية للأجراء واحترام حرياتهم وحقوقهم النقابية وبتحسين الأجور وظروف العمل .
أن العمل لتحقيق الاصطفاف ضد العدو والانعطاف الجماهيري العريض نحو المقاومة والتحرير هو أمر عاجل . وليس في القول أدنى مبالغة ، بالنسبة لكافة الأقطار العربية. فالعدوان قائم والأخطار فادحة بل ماحقة، إما بالاحتلال السافر، وإما من وراء واجهات أو امعات محلية لا تستطيع أن تخفي السلطة الحقيقية الأجنبية القابعة في القواعد العسكرية أو الأساطيل البحرية القريبة . وفي مواجهة الأخطار الجديدة ، بل والقديمة أيضاً، فإن الدفاع عن الأرض والأهل والكرامة سبب كاف وحده للاتحاد ضد العدو بل ولحمل السلاح والاستعداد لحمله لكل قادر عليه. إلا أن خطورة أعدائنا المجرمين ومشاق وتكاليف تحقيق الصمود والنصر تقتضي توفير أقصى ما يمكن من الشروط والأسباب التي تضمن تغلبنا على المصاعب وتكاتفنا في مواجهتها . وفي مقدمة هذه الشروط انخراط جماهير الشعب العريضة في النضال الوطني التحريري . فلن يكون النصر مضموناً أو حاسماً ما لم يخضه الشعب بأسره على كافة جبهات النضال .
فيا كل الوطنين الشرفاء ... ويا كل القوى السياسية الوطنية ... هيا للعمل بلا كلل من أجل : اصطفاف وطني عام ضد العدو الأمريكي والصهيوني وانعطاف جماهيري عام لطريق المقاومة والتحرير.
وإلى السلاح يا كل الشعب العراقي .
وإلى السلاح يا كل الشعب الفلسطيني .
وإلى الاستعداد والإعداد لحمل السلاح يا كل الشعوب العربية .
ولنضع المقاومين في حدقات العيون .

2/1/2004
[/size]

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة السعودية بمصر… بَغِيّْ تقيم مسجداً- د/عادل سمارة الصراع العارى -عناية جابر الموضوع السابقة
تقييم 1.96/5
تقييم: 2.0/5 (74 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع