المقالات والاخبار > مقالات > سبوبة ثورية !- شوقى عقل

سبوبة ثورية !- شوقى عقل

نشرت بواسطة admin في 07-Sep-2013 05:20 (886 عدد القراءات)
سبوبة ثورية ! -شوقى عقل
كان ذلك في بداية الثمانينيات، كنت جالسا على مقهى شهير في وسط القاهرة، جاء صديق ومعه سيدة أمريكية في منتصف الأربعينيات، قدمني لها ثم قال بفخامة: ميس فلانة -لا أذكر الاسم- فلم أهتم. جلست السيدة أمامي تتفحصني، لم أحبب نظرتها المقتحمة، أدرت مقعدي قليلا بحيث أتجنب نظرتها، أخذت تسألني بلهجة مصرية مختلطة بكلمات شامية:
- أنت ساكن وين مكان؟
انضم الينا أخرون حتى ضاقت منضدتنا فانتقلنا إلى أخرى أكبر لتسعنا، كنت أعرف بعضهم، وأجهل أغلبهم، أحاطوا جميعا بالسيدة الأجنبية، يحادثونها، يطلقون النكات.. ويطلعونها على آخر الأخبار، ويعرضون وجهات نظرهم في القضايا الراهنة بحماس وتدفق.. وهي تتطلع إلى حماسهم وتدافعهم بهدوء دون أن تعلق. كنت أتطلع إليها وإلى صديقي أحاول أن أفهم: ما السر في جاذبية تلك المرأة النصف الذي يجعل كل هؤلاء الشباب يتوسل إعجابها؟ حين قامت لتذهب عرض العديد منهم إيصالها إلى منزلها، ذهبت مع أحدهم فغادروا جميعا بعد ذهابها.
نظرت لصديقي المبتسم وهو يرى التساؤل على وجهي، قال إنها مندوبة إحدى المؤسسات الأمريكية الكبرى التي تقوم بتمويل المنظمات الأهلية، إنها هي التي ستقرر من سيتم منحه تمويلا من تلك المنظمات. كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها عن قرب بداية خلق منظومة التمويل في مصر.
****************************************************
نفس الزمان، كنت جالسا مع صديق لي في حديقة نقابة المحامين، نشرب الشاي.. ونتحدث عن تاريخ نضالي قريب، كانت مصر وقتها تتلقى ضربات "الكامب" و"الانفتاح"، فجأة علا زعيق بمنضدة مجاورة، دارت معركة بين محاميين، خلاف على توزيع مبلغ أربعين ألف جنيه، جلسنا صامتين نستمع إلى الطرف الغاضب يطلب (حقه) من المبلغ الكبير جدا - وقتها، أفصح عن القصة كلها، إنه تمويل من منظمة التحرير الفلسطينية، لم يتم توزيعه حسب الأصول . كان الاثنان من نشطاء الحركة الطلابية، توفى الله الغاضب مبكرا، بينما مازال الثاني يعمل في مجال العمل العام، ولكن بعد أن توسع في المجال كثيرا، فخرج من ثوب منظمة التحرير إلى العالم الواسع للجهات المانحة، فهو يملك المؤهلات اللازمة: لقد سجن مرة أو مرتين.. وخرج في مظاهرات تندد بالاستبداد والديكتاتورية.. وينادي بالحرية، ويعرف جيدا كيف يمكن أن يتحدث في كل شيء لساعات بكلمات عنيفة غاضبة زاعقة دون أن يقول شيئا.
أصبح صاحبنا اليوم من النجوم التي تتلألأ في عالم التمويل.
*****************************************************
خلال أوج الحركة الطلابية التي قامت في بداية السبعينيات واستمرت بعد ذلك طويلا، تفتق ذهن جهاز "السادات" الأمني والإعلامي عن تهمة تلصق بقيادات الحركة، وهي أنهم يتلقون تمويلا من سفارة كوريا الشمالية، تفننت مدرسة أخبار اليوم في بيان التهمة وتفصيلاتها، اكتشفنا أننا نعيش في فلل مكيفة محاطين بالجميلات شبه العرايا، وعلى الموائد أطباق "الكافيار" و"السيمون فيميه"... وزجاجات "الشمبانيا" و"الجوني ووكر" الموضوعة في "الشامبونيرات" المليئة بالثلج، بين تلك الزجاجات والكؤوس الكريستال كتب "كارل ماركس.. ولينين.. وكيم ايل سونج"، وأشعة المصابيح الحمراء تتخلل دخان السجائر الملفوفة الأزرق. كنا نقرأ هذه القصص ونشاهد الرسوم لرسامي الدار الكبيرة فنرى أنفسنا كما (جيمس بوند) تلتف حولنا النساء وفي يدنا سيجارة وكأس والمسدس على المنضدة.. ونجمة حمراء خماسية في مؤخرة المشهد! ننفعل من المشهد ونميل على زميل قائلين:
- هات سيجارة لحسن سجايري خلصت.
- ماهي خالصة من امبارح، ما تبطل شحاتة وتروح تشتري
- ماشي ح أروح، هات سيجارة بقى!
*****************************************************
منذ حوالي عامين كنت جالسا مع صديق في نفس المقهى الشهير، أخبرته أنني وبعض الأصدقاء ننوي إنشاء مؤسسة بحثية لعمل الدراسات المجتمعية، تهلل وجهه وقال:
- ياريتك عملت كده من زمان، ولا وجع قلب الهندسة وقرفها..
ثم اقترح علي عمل ورش تدريبية للصغار قائلا:
- دي أكبر حاجة ممكن تجيبلك تمويل!
كان ذلك في جلسة عابرة مع صديق قديم.. قابلته مصادفة بعد طول انقطاع، فانفعلت وألقيت عليه محاضرة عن التمويل وأهدافه، نظر لي مبتسما وغادرني، سمعت بعدها أنه أسس مركزا للعمل لتطوير المهارات، وأظن مما سمعته عن تطور أحواله المعيشية والمادية أنه قد نجح في تطوير العديد من مهارات العديد من الشباب العاطل، فأصبحوا عاطلين مع شهادة تقدير من المركز.
***************************************************
لا أدري فيما أخطأت كلٌ من السيدتين اللتين ساهمتا في إشعال روح ثورة يناير، حين قبلتا التمويل وقبلتا أن يذهبا إلى مراكز التدريب على "ممارسة الديمقراطية" في واشنطن أو غيرها، لم يفعلا غير ما فعل من قبلهما بعض المتصدرين للمشهد السياسي.
يقبل المجلس القومي لحقوق الإنسان "الحكومي الرسمي" التمويل من الغرب، والسيد الدكتور نجم الفضائيات صاحب الحظوة؛ لأنه يعرف السكك الموصلة للبيت الأبيض لحل الأزمة الطارئة مع السيد وزير الدفاع، فقد قدم خدماته المماثلة من قبل للإخوان، ومد الجسور بينهم وبين سادة العالم، يأخذ القسط الأكبر من التمويل، عدة ملايين من الدولارات سنويا، والكثير من نجومنا (الوطنية) يديرون مؤسسات بحثية مؤسسات بحثية ممولة، ويجد الكثير من الشباب الواعد من قادة الثورة طريقا ممهدا للحصول على دخل سهل ناعم ومستقبل رغد، وتلميع فضائي ومقابلات مع كبار قادة الغرب، بعد أن حفيت أقدامهم من الوقوف في الطوابير أمام السفارات للحصول على تأشيرة، فينشئون المؤسسات البحثية ويعلنون عن نشاطهم في الصحف، ويأتي الخير والسيارات الفارهة، ولا يستترون، فلم نلوم السيدتين؟!

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة الصراع العارى -عناية جابر ازمة اليسار اللبنانى - روبير بشعلانى الموضوع السابقة
تقييم 1.95/5
تقييم: 1.9/5 (93 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع