المقالات والاخبار > مقالات > ازمة اليسار اللبنانى - روبير بشعلانى

ازمة اليسار اللبنانى - روبير بشعلانى

نشرت بواسطة admin في 07-Sep-2013 12:30 (810 عدد القراءات)
روبير بشعلانى
أزمة اليسار اللبناني

حتى قوات الأمن الداخلي المولجة بحفظ النظام العام في بيروت قد كبّرت من حجم القوى اليسارية اللبنانية وبالغت في قدرتها على تعبئة شارعها. فقد حرّكت عدداً من الأفراد يفوق بعدة مرات عدد المعتصمين " الوطنيين" ضد التلويح الأميركي بغزو سوريا في الساحة المواجهة لمبنى الأسكوا. ففي بداية شهر أيلول دعت "القوى والأحزاب الوطنية والتقدمية والشعبية والديمقراطية والإشتراكية والشيوعية" وعدد من الشخصيات المستقلة والنقابات والجمعيات والنوادي الجماهير الشعبية اللبنانية إلى النزول بقوة إلى الشارع والتحرك والإعتصام أمام السفارات المعنية بالعدوان على سوريا الوطن.
الملفت في هذا الحدث أن عدد الذين لبوا نداء الواجب لا يساوي حتى عدد الموقعين على الدعوة إلى التظاهرة. كان الحضور هزيلاً جداً. لنقل بصراحة أن تحرك "الأحزاب" بكل صفاتها المذكورة اعلاه قد فشل. أغلب الظن أنها مشكلة الداعين الذين دخلوا ومنذ زمن طويل بمأزق رؤيوي وسياسي جعلهم مجرد أعداد مهمة بدون قوة ولا فعالية.
مأزق قد يكون منبعه خطابٌ يتميز بالغموض والتشوش وقلة التماسك. لا أولوية واضحة فيه ولا مهمات واضحة. إنتقال من الأجور إلى النظام الإنتخابي إلى الطائفية والعلمانية إلى مجابهة الاعتداءات الخارجية بدون وصلة واضحة بين المواضيع أو بدون تدرّج للأولويات بينها. تردّد في الملف السوري انعكس بدون شك ذلك اليوم في الفشل بتحريك الشارع، شارعه،حول القضية الوطنية . فلقد صار من قبيل السذاجة الاستمرار في نكران الأزمة التي تمر بها هذه الحركة السياسية اليسارية.
التيار العلماني اليساري اللبناني منقسمٌ على ذاته. منقسم بالضبط حول القضية الوطنية. متفق على كل شيء ما عدا على المسألة الوطنية. متفق على العلمانية لكنه غير متفق على الوطن. متفق على النظام الانتخابي لكنه غير موحد إزاء العدو. تجمعه الديمقراطية لكنه عاجز عن تكوين رؤية واحدة للدولة المستقلة. ضد الطائفية عامة لكنه مع الطائفيين بسبب موقف كلا منهم من القضية الوطنية تحديداً. التيار الليبرالي فيه موقفه واضح وتعبئته كاملة. موقفه من القضية الوطنية عامة وبصرف النظر عن الموضوع السوري محسوم وبشكل نهائي. محسوم إلى حد لم يعد يعتبر معه العدوان الخارجي قضية تستحق النضال والمواجهة. بالعكس.
لوهلة, بدا الوضع السوري كما لو كان هو بالذات المسؤول عن "سوء التفاهم" بين التيارين. وأن الخلاف بسيط لا يتعدى التباين في وجهات النظر المتعلقة بقطبي الصراع السوري. طبيعة النظام السوري الاستبدادية ومطالبة المعارضة بالديمقراطية بلبلت في البداية مواقف التيار الآخر في اليسار اللبناني. بدا الأمر وكأن الصراع السوري في الداخل هو الموضوع فارتبك البعض. لكن مجريات الصراع في المنطقة بينت مع الوقت أن الأمر يتجاوز وبكثير المسألة السورية الداخلية وتعقيداتها.
موقف التيار الليبرالي العلماني من الوضع السوري ليس بالنتيجة إلا جزءاً من منظوره إلى مجمل القضايا التي تقسم العالم العربي اليوم. برأيه ما يجري ليس إلا إنتفاضات شعبية تعكس رغبة الجماهير في إنجاز "التحول الديمقراطي" الذي عجزت الأنظمة القومية عنه. وهو يظن أن إعطاء الأولوية للمسألة الوطنية لم يكن من قبل هذه الأنظمة إلا حيلة لكي تقمع شعبها. ويظن بعض بعضه أن الديمقراطية وحدها تستطيع ان تبني بلداً قادراً على تسلم مقدرات المسألة الوطنية. ولذلك هوغير مقتنع بالمقاومة الوطنية في لبنان ويعتبرها خروجاً على السلم الأهلي وعلى التوافق اللبناني وعلى الدولة ككل.
إسقاط الحكم في العراق كما في ليبيا من قبل قوى خارجية لم تثر لدى التيار الليبرالي اليساري أي إستنكار أو إستغراب ما دام "التحول الديمقراطي" هو الهدف. بالعكس. سُلّم أولوياته مختلف تماماً. القضية الوطنية بالنسبة لهذا القسم من التيار العلماني ذريعة الحكام الإستبداديين والأولوية يجب أن تعطى إلى المسائل الديمقراطية والإجتماعية والحقوقية الداخلية. لا بل يعتبر أن الغرب، عدو الأمس، شريكه في الديمقراطية. التغيير الديمقراطي بالنسبة له عملية ممكنة في ظل الهيمنة الغربية لا بل بمساعدتها.
نقطة الخلاف إذن تتعدى "التباين السوري" لتطال مجمل النظرة إلى القضية الوطنية وإلى سُلّم الأولويات في التصويب السياسي. العدو لم يعد واحدا، بالتالي لا الحليف ولا الصديق. العلمانية بقيت المشترك شبه الوحيد. وبعض القضايا الحقوقية والمطلبية. صار المشترك بين التيارين أشبه بالضمان الإجتماعي الذي كان "المشترك الوحيد" بين دوغول والماريشال بيتان اثناء الإحتلال الإلماني لفرنسا.
وإذا كان التيار العلماني اللبناني الليبرالي قد حسم موقفه من هذه القضية وبشكل نهائي وواضح، معتبراً القضية الوطنية ملهاة الشعوب العربية، والعدو السابق حليفاً، فإن التيار الآخر لا يبدي دقة في تعيين أولوياته وتحديد طبيعة الصراع في المنطقة كما يراها. فتراه مثلاً يتابع العمل مع التيار الأول على قاعدة "المشترك" كما لو تابع دوغول، في مثلنا السابق أعلاه، العمل مع بيتان في موضوع الضمان الإجتماعي.
الإجتماعي ( العدالة الإجتماعية) غٌلِب على كل شيء في قراءة هذا التيار اليساري للصراع في المنطقة. "صورته" عند الجمهور الواسع هي كذلك، جماعة العدالة. إعتقاده بأن الرأسمالية انهت سيطرتها على الأنماط السابقة جعلته يعتقد اننا في دول ناجزة التكوين، مستقلة، يمكن التغيير فيها من دواخلها. الأدبيات اليسارية لم تتوقف يوماً عن الحديث عن الامبريالية وعن الهيمنة والتبعية لكنها تبدو في استنتاجاتها للمهمات وكأنها لم تلحظ أن الهيمنة الامبريالية ليست فقط إقتصادية بل احتلال من نوع جديد ومعاصر. لم تلحظ، كما أظن، أن الهيمنة تمنع التغيير الداخلي على قاعدة هيمنتها. الهيمنة تمنع بالأساس بناء الدولة أصلاً وكل ما يتصل بها من أشكال حكم وديمقراطية وحق وقانون. فكيف يمكن بناء مشروع "وطني ديمقراطي" وعدالة في بلاد مجزءة قصداً لكي تنفجر جماعاتها عند أول تغيير إجتماعي جدي ؟ كيف يمكن البناء على مهمات داخلية غير مرتبطة بالمهمة الأساس: التحرر الوطني من الأمبريالية؟ كيف يمكن هضم مقولة فلسطين مسألة "الشعب الفلسطيني" وحده عندما نكون واعين أن خلق هذا الكيان الردعي –المخفر- مرتبط حصراً بمنظومة النهب الامبريالي للمنطقة ككل ؟
التيار اليساري "الإجتماعي" إجتماعي جداً لكن خطابه "الوطني" مشوش وضبابي. مفهومه للقضية الوطنية غير واضح أو موسمي مرتبط ببعض الأحداث العدوانية المباشرة كالإحتلال. لم يُدخِل في وعيه بعدُ أن البنية التابعة بنية محتلّة أيضاً وبالتالي فإن مقاومة التبعية مسألة وطنية قبل ان تكون إجتماعية. القضية الوطنية هي أولى المهمات ولا تنحصر باحتلال الأرض فقط ومقاومة المحتل. ولذلك تراه بدون أولوية واضحة وبدون تصويب سياسي حاسم ودقيق. لا يريد أن يتخلى عن " جناحه" الآخر ظناً منه أن بإمكانه الجمع بين القضيتين معاً. فتتفاجأ بمشاركته "الجناح الليبرالي" في معارك هذا الأخير كما لو كانت معاركه. لا بل يعلن أنه "يتفق معه ببعض الشؤون لكنه يختلف معه فقط ب "الإشكال" السوري". وكأن "الإشكال" السوري تفصيل بسيط يساوي أي شأن مطلبي محلي او ما دون.
حتى في الموضوع السوري تراه متذبذباً في عرض موقفه النهائي. فهو يريد هنا أيضاً أن يجمع القضيتين معاً. فهو ضد النظام ومع مطالب "الشعب" الديمقراطية وضد العدوان الخارجي في آن معاً. مع "الشعب" والثورة وضد قيادة الثورة المرتبطة بالخارج الأمبريالي.كأن الثورة شيء مجرد عن قيادتها أو كأن العدوان الخارجي ضد مجهول لا ضد النظام. موقفٌ يعكس وعياً غير محدد ل"الوطني" كأساس للصراع الرئيسي مما يجعله موضوعياً عاجزاً عن التصدي لقيادة الصراع ومكتفياً بالأدوار الثانوية.
مثل التيار العلماني " الإجتماعي" اللبناني هنا مثل اليسار السوري أيضاً الذي يظن أن بإمكانه الإتفاق مع "جبهة النصرة" حول الضمان الإجتماعي. او مع الأميركي على زيادة الأجور. أغلب الظن أن معاناة هذا التيار تعود إلى ضبابية عدم حسمه لسلم الأولويات ولمساواته ما بين المهمات والتحديات نتيجة فهم غير دقيق لطبيعة الصراع. فالمصيري الوطني عنده يساوي أي مطلب داخلي. لأنه ربما يظن أن الوطني مسألة استثنائية موسمية لا تطرح إلا خلال مقاومة العدو عندما يحتل أرضاً. أما في أوقات السلم العادية،أي أثناء الهيمنة، فإن "الوطني" يتراجع لحساب مشاكل الداخل، للإجتماعي. منظومة النهب الخارجي التي تجوّف البلاد من مواردها وتمنعها، بواسطة استراتيجية التجزئة والناطور القرابي على دولة-البئر والنهب والدكان والمخفر، من بناء وحدتها ودولتها المستقلة العيّيشة لا يراها احتلالاً ولا مسألة وطنية.
في ذهن اليسار العربي إجمالاً تراتبية تضع مهمة التغيير في كل قطر عربي على حدة على رأس المهمات ثم تعود بعدها إلى توحيد الأمة كأن توحيد الأمة حاجة ثقافية جمالية لاحقة لا شرط واجب أولي لنجاح عملية تجميع مواد الدولة ووضعها في خدمة بنائها. أو كأن بناء أي شيء ممكن على قاعدة اللعب على جزء فقط من الملعب.
باستمرار هذا الخطاب الغامض، الإجتماعي، والوطني الموسمي، سوف لن نتفاجأ بعد حين من إنتقال هذا اليسار من الشلل الجزئي إلى الشلل النهائي ومن بقاء قيادة الصراع الحقيقي بعيدة عن أم الصبي الحقيقية التي وحدها تستطيع أن تعيد اللحمة إلى النسيج المجتمعي المتفسخ. اليسار ضرورة لإعادة إحياء مشروع الدولة العربية التوحيدي بديلا من صراع القرابات الطائفية القاتل.

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة سبوبة ثورية !- شوقى عقل آفاق ومعوقات انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية الموضوع السابقة
تقييم 1.79/5
تقييم: 1.8/5 (95 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع