المقالات والاخبار > مقالات > العروبة وحدها عنصرية ويجب شطبها _ عادل سمارة

العروبة وحدها عنصرية ويجب شطبها _ عادل سمارة

الرد على انيس النقاش -الجزء الاول

نشرت بواسطة admin في 27-Sep-2013 14:40 (772 عدد القراءات)
إزدراءالعروبة من على فضائية العروبة! أنيس نقاش: العروبة وحدها عنصرية ويجب شطبها
(الحلقة الأولى) عادل سمارة
ملاحظة: كتبت قبل بضع سنوات مقالة نقدية لمجيىء الشاعر الفلسطيني/الأردني إبراهيم نصر الله إلى الأرض المحتلة طوعاً تحت حراب الاحتلال. فكتب ردا عليَّ اسماني فيه "قنَّاص الجسور" اي الرجل الذي يقنص اي تطبيعي عربي أو فلسطيني يدخل إلى الأرض المحتلة عن طريق الجسور التي تسيطر عليها قوات جيش الكيان الصهيوني. ولاحقاً، وقف هذا الرجل على راس فريق كبير من الكتاب والشعراء والمثقفين في الأردن يدعم "ثورة الجيش الحر والنصرة والقاعدة في سوريا". نعم، وها أنذا اليوم أدير حملة لإقناع نساء من مصر وتونس وبموقف جريىء من الرفاق/ات في غير قطر عربي وخاصة د. أحمد الخميسي وسيد البدري من مصر ورندة بيروتي من لينان، لثني نساء مدعوات لمؤتمر تطبيعي في رام الله يديره حزب الشعب (الشيوعي سابقاً بمعنى الإسم والمضمون). وقد فهمت أن شاهندة مقلد قد تفهمت برس الموقف وانسحبت. تذكرت هذا وأنا استمع إلى برنامج حوار اليوم مع السيد أنيس نقاش على الفضائية السورية أجرته معه السيدة إليسار. لكن الصورة مختلفة، فهذا الرجل لم يكن بحاجة للقنص، فقد قنص هو أمة بأكملها حيث اعتبر القومية العربية هوية عنصرية يجب شطبها. لذا وجدت من واجبي الدفاع عنها. ولا أعتقد انني الوحيد الذي انتبه لهذا الهزء والتحريض المكشوفين، ولكن كثيربن يحاذرون التصدي لمثل هذا المس الثقيل، سواء لليأس من تصحيح هكذا اتجاهات أو لعدم إزعاج إدارة القناة كي لا يبدو وكأنهم يقتربون بأية بوصة من نقد الإعلام أو النظام في سوريا كي لا يظهروا بمظهر المتخلي عن الوقوف مع سوريا، وهذا سلوك من يرى في نفسه أداة أو طُحلُباً أو مأجوراً أو مخبراً على جسد سوريا، وليس مناضلا له حق النقد كما عليه واجب الدفاع هذا مع العلم أن الرجل كما أعتقد يمثل وجهة نظره لا وجهة نظر سوريا. ولعلي إخال أن الرجل ينطق عن هوى تيار من تيارات الدين السياسي المعادية للأمة العربية (وهنا أود التأكيد أن قوى الإسلام المقاومة هي خارج تسميتي هذه)، وبالتالي، فالأمر مخيف. وبالطبع، كان يمكن أن لا أتعرض للموضوع قط. لكنني أعتقد أن هذا التوجه سوف يتحدانا في يوم قريب بعد انتصار سوريا، أو بعد خسارتها، وهو ما لا نتمناه. وهذا ما يجعل من حديثي هذا دفاع سبق ووقائي ضمن دفاعات العروبة عن وجودها. وعليه، قد أكون بهذا التصدي وغيره كما يصفني بعض ذوي السيولة الهوياتية في الأرض المحتلة بأني : "المثقف الانتحاري" لكنني اطمئنهم أنني ليس كذلك، ولعلي أزعم انني أطمح أن أكون المثقف الثوري النقدي المشتبك. في المسألة القومية والقومية العربية يبدو أن الأمور/المسائل الحقيقية لا تأتي إلا في حينها، تفرض نفسها كقوانين الطبيعة، ولا مناص للبشرية إلا التعامل معها بوعيها لا بالغريزة، ولا يرتقي للتعاطي معها سوى من بوسعه حملها. من هذه المسائل، المسألة القومية ببعدها النظري العام، وببعدها العروبي خاصة. مسألتان طالما كانتا هدفاً لقوى كثيرة، قوى فكرية وقوى ميدانية حزبية وأنظماتية. قوى متصارعة مع بعضها حتى التناقض التناحري أحياناً، لكنها تلتقي في الشغل ضد القومية العربية، شغل يصل درجة القتل المفتوح أو الخيانة. لا فرق حقاً. الأعداء الثلاثة: وكما سنشير في أكثر من موضع لاحق، لقد وقفت وعملت ضد القومية العربية نظرياً مجموعة من القوى المعادية هي الرأسمالية العالمية، وضمنها الصهيونية، وقوى وأنظمة الدين السياسي وقوى التحريفية من الشيوعية. 1-الرأسمالية العالمية (منظروها وساستها) سواء باستعمار هذا الوطن وتجزئته ونهبه. ولا حاجة هنا لسرد تاريخي للعدوان الراسمالي الغربي الأبيض على الوطن العربي، ولا للتذكير بان هذا الوطن لا يزال يخصع لأشكال متعددة من الاستعمار والعدوان، ومن لا يراها من أهله ليس سوى أداة للغزاة أو رأساً في قطيع لا يبتغي غير الطعام واللذة. إلى جانب هذا العدوان لنسميه فرنجة راس المال، الذي هو نسخة معصرنة عن غزوات فرنجة الإقطاع، هناك مساقات عديدة في أكاديميا الغرب الراسمالي هذا شغلها النظري، المقود سياسيا وإيديولوجيا، هو نسف وجود أمة عربية وقومية عربية بالطبع. ولنا أن نتذكر بحذر شديد بأن الكثير من المراجع ومواد التدريس مثلا في جامعة لندن، تتناول المشرق العربي على أرضية يسمونها فسيفساء التركيب المجتمعي وخاصة سوريا والعراق ولبنان وهي تَقرأ هذه البلدان على أساس مسيحي ومسلم، وتمفصلات كلا الدينين مذهبيا في تعداد مذاهب لا نعرفها نحن جميعها. هذا إضافة إلى قراءة هذه البلدان على أرضيات إثنية وقومية. وهذه الدراسات لا تقرأ هذا التنوع القديم كعراقة وإيجابية بل تقرأه كمشاريع اقتتال وتقسيم. وعليه، نقل الاستعمار بمساعدة أدوات داخلية، هذه المنطقة من تنوع تاريخي إلى اقتتال عبثي. وينقلها اليوم من "فرِّق تسد" إلى "تفرق أنت كي أسود عليك أنا". ينقلها من التجزئة إلى التفكيك والتذرير. وما يدور في العراق والشام هو تطبيق حرفي لرؤية الأكاديميا الغربية ومن ثم الساسة الغربيين. ولا يختلف الأمر في مصر والسودان والمغارب العربية. ولا شك أن التصدي لهذه الحرب الدائمة لا يمكن أن يكون بالقوى القطرية التي تعيش كأدوات استهلاكية للمركز الراسمالي الغربي، ولا ترى نفسها سوى حالات فردية تبحث عن سقط المتاع وتمرير العمر الفردي لهذا أو ذاك ليس اعلى ولا أرقى. 2-قوى الدين السياسي: تُناصب قوى الدين السياسي القومية العربية عداء دائماً، وهو عداء يتجلى إما في تآمر مع أعدائها أي مع الغرب الاستعماري أو عداء مفتوح كما هو اليوم في سوريا والعراق ومصر بشكل خاص. هذه القوى لم تحرر من الاستعمار ولو تحريرا شكليا شبرا واحداً، ولم تقطع علاقتها بالاستعمار طوال وجوده المباشر أو غير المباشر. وهنا أود التذكير بأن المسلمين العرب الذين قاتلوا في كثير من حركات التحرر الوطني في القُطريات العربية لم يقاتلوا من خلال قوى الدين السياسي بل اعتمادا على كونهم عربا ومسلمين. وبقدر ما قرأنا وعرفنا من أدبيات هؤلاء، فإن اللغز الذي لم يُحل بعد: هو لماذا كل هذا العداء للأمة العربية من هؤلاء؟ عداء باسم الإسلام بتهمة أن القومية هي نتاج أوروبي غربي (أنيس نقاش آخر من زعموا ذلك، وليس الأخير )، وبتهمة أن الحداثة نتاج غربي مستورد كذلك، وبأنهما تخريب للإسلام. في حين أن الإسلام عربي الأصل واللغة. وأعتقد بان العداء للعروبة باسم الإسلام هو بالمعنى الرباني نمط من الكفر. وإذا اعتقد البعض بأن القرآن من وضع النبي نفسه، فإن العداء للإسلام هو اعتداء على فلسفة باكملها دون علم ولا تحليل. وإذا كان هناك عداء إلحادي للأديان، فإن قوى الدين السياسي تعرض نفسها كما لو كانت وحدها المؤمنة، مما يضعنا أمام (إخوان مسلمين وإخوان ملحدين، لا فرق). وهم يزعمون بأن القومية العربية استيراد من أوروبا، كما كررها أنيس نقاش في حديثه لفضائية السورية، بتخلف مُدهش، فهم بهذا إنما يعجزون بالطبع عن الوصول إلى المعرفة التاريخية المتعلقة بالقومية وهي أن القوميات والأمم سابقة على النهضة الأوروبية والحداثة الأوروبية. فالأقوام وخاصة الأمم القديمة (الصينية والهندية والعربية والفارسية والحبشية... وليست العثمانية السلجوقية طبعا) سابقة على عصر النهضة الأوروبية، أي سابقة على الطبعة الأوروبية حديثة الوجود وحديثة النعمة التاريخية. كما أن الحداثة الأوروبية لا تعني أنها هي الولادة الأولى للحداثة. فالحداثة معرفة إنسانية سابقة على أوروبا، وممتدة بما هو أبعد من أوروبا وخاصة أوروبا الغربية. وهنا تكمن الكارثة، فإنه بمقدار ما يتم استهداف القومية العربية من القوميات والحداثة الأوروبية (في مشروع استعماري لم يتوقف بدءاً من الراسمالية الاستعمارية فالراسمالية الإمبريالية فراسمالية العولمة) فإن أنظمة وقوى الدين السياسي تقف في نفس صف الهجمة والعدوان إلى أن وصلت اليوم حد المشاركة في الحرب الفعلية على العروبة والإسلام في سوريا. لعل مما يُضحك أن هؤلاء أي قوى الدين السياسي، يعتبرون القومية والحداثة فكراً مستورداً وغريباً، بينما يشترون كل ما يصنعه الغرب. ترى، ما الذي يفتح الذهن: استخدام ثلاجة أو قطعة سلاح أم نظرية في الفلسفة والاجتماع والاقتصاد؟ من يرفض النظرية ولا يُنتج نظرية هو نفسه الذي يرفض الحداثة والقومية ولا يُنتج لا فكراً ولا تكنولوجيا. 3-الشيوعية التحريفية: والعدو الثالث وهو الشيوعية التحريفية التي تعتبر نفسها النقيض الموضوعي للعدوين أعلاه. فالشيوعية كما هي في الأصل هي النقيض التاريخي بلا مواربة للرأسمالية. بل إن مشروعها التاريخي هو تحديداً وربما حصراً تحطيم النظام والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية. وأما الاشتراكية والشيوعية فهي مشاريع تفكير وتطوير وابتكار وإبداع إنساني لاحق. والشيوعية التحريفية ليست على وفاق مع الإديان، هذا إذا لم تنكرها. ولكنها تقف في الصف نفسه، في الجبهة نفسها ضد القومية العربية. لعل الأمر اللافت أن جميع هذه القوى ثلاثتها وعلى تعددها الداخلي هي قومية داخل بلدانها. وهي تحرص على حدود بلدانها القومية أو الوطنية، وتحرص على ثرواتها، بل وتنهب ثروات غيرها. فلا تقوم قوى الدين السياسي في اي بلد إسلامي على ارضية العداء لوطنها ولا تفرط بأرضه، كما لا تقوم قوى الشيوعية التحريفية على قائمة العداء لوطنها. أما القوى القومية في الغرب الراسمالي فهي الأكثر قومية من الطرفين الآخرين. وهذا يطرح بوضوح السؤال: لماذا فقط في الوطن العربي تقف قوى الدين السياسي ضد الأمة العربية، ولماذا كذلك تقف التحريفية المحلية ضد القومية العربية؟؟؟ هذا برسم إجابات نأمل أن تكون لها أرضيتها. الموجات القومية الحديثة الثلاثة: في عصر رأس المال، وبعيداً عن الوجود الموضوعي للأمم والقوميات قبل هذا العصر، فقد شهد العالم ثلاث موجات قومية متتالية وربما ليست متوازية. 1-الموجة الأولى: وأُسماها الأوروبيون وخاصة الغربيون عصر القوميات في خطاب عدواني عنصري يعتبر ما يحدث في أوروبا قد حدث ويجب ان يحدث في الكرة الأرضية جميعها. كان ذلك قد بدأ تدريجيا مع التحول من الإقطاع هناك إلى الراسمالية، ومن الراسمالية التجارية إلى الصناعية، وبالتالي تبلورت الدولة القومية في حدود جغرافيا الأمة الواحدة. إذن لم يرتبط نشوء الدول والإمبراطوريات بعصر راس المال، لأن الأمم والأقوام موجودة موضوعيا وحاضرة عمليا في التاريخ ومتصارعة كذلك طالما هناك الملكية الخاصة وتحديداً طالما هناك طبقات. ولعل الفارق هنا بين التشكيلات الدولانية والإمبراطورية القديمة وبين نفس التشكيلات والدول الحديثة أي في عصر راس المال هو فارق يكمن في نمط الإنتاج اساساً بما هو العامل الحاسم، المحرك الأساس. وهذا لا يعني أن نمط الإنتاج العبودي او الآسيوي أو الإقطاعي الأوروبي أو الإقطاعي العسكري الشرقي، أو السلالي النَسَبي Lineage Mode of Production أو اية أنماط أخرى أقل شأنا أو لم نعرفها بعد،لا يعني أنه في ظل معظم هذه الأنماط لم تكن هناك دولا ولا إمبراطوريات. إذن الدولة من المدينة الدولة إلى الدولة القومية فالإمبراطورية، بمعنى السلطة السياسية والإدارية، ليست هي التي تحدد طبيعة التطورات الاجتماعية الاقتصادية الثقافية في مجتمع ما، وإنما نمط الإنتاج هو الذي يحدد طبيعة الدولة وطبيعة السلطة لأنه أولاً فعل الإنسان في الطبيعة، وهو ثانياً العمل والإنتاج طبقاً لمستوى تطور قوى الإنتاج وطبيعة علاقات الإنتاج التي يولدها وهي العلاقات التي تتبلور بها ومنها البنى الفوقية من سلطة وقانون...الخ. كما أن الحقب الزمانية ايضاً هي في جوهرها الزمان، اي فعل الإنسان وشغله في المكان اي الطبيعة. لن نذهب بعيداً في هذه المسائل النظرية، فما يهمنا هو أن نمط الإنتاج الراسمالي في أوروبا الغربية هو الذي قاد إلى بلورة الدولة القومية. وهذه الدولة ما كانت لتقتنع بحدودها لأن إنتاجية وحاجات هذا النمط تتطلب التوسع المطلق بحثا عن الربح اللامحدود، بمعنى أن كل دولة من أوروبا الغربية كانت ولا تزال تطمح والآن تحلم بأن تكون إمبراطورية. في هذا السياق، نود تذكير أنيس نقاش بأن الاتحاد الأوروبي الذي يتغزل به، لم يطَّرح القوميات حقاً، ولم يقم على السلام الاجتماعي، بل هو مشروع إمبراطوري اساسًا، في فترة لن تسمح له تطورات العالم بذلك. وعليه، فالاتحاد الأوروبي هو تعبير عن ضرورة الكتل الكبرى في الاقتصاد كما هي القطبيات السياسية في العصر الحالي للحفاظ على الذات بدل التبعثر على ذاتيات صغيرة. ومن هنا أحقية الكتلة العربية الكبيرة بدل كتلة بلاد الشام التي يجاهد نقاش جهد نفسه وعقله وإيديولوجيته الدينية وليس دينه، لإلحاقها بتركيا وإيران. ولكي يبهِّر الموضوع يقول أحياناً: "نحن العرب" (أنظر لاحقاً). إن ما خلق الاستعمار ليست القومية ولا الحداثة اساساً بل نمط الإنتاج مقودا بعلاقات الإنتاج الراسمالية التي هي التعبير الحقيقي عن طبقات اجتماعية أدى بها ما تحققه من فائض وما تطمح إليه من ربح لا محدود إلى عدوانات خارجية. وبالطبع كل هذا لم يتأتى دون الشق الأساس في نمط الإنتاج وهو قوى الإنتاج المتطورة التي ترفع على كتفيها علاقات الإنتاج والتي هي واجهة لمن يكمنون خلفها اي الطبقات. وعليه، فمن أراد قتل الاستغلال والاستعمار ومنه الإستيطاني عليه محاربة الراسمالية، اي قتل نمط الإنتاج الراسمالي بما يحققه من استغلال داخل المركز واستغلال في المحيط يأخذ حتى شكلا ريعياً على الصعيد العالمي. ريع يجنيه المركز من المحيط. من أراد تقويض نمط الإنتاج الراسمالي، تقويض التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية، ليس أمامه سوى خيار نمط إنتاج إشتراكي، لا نمط ريعي خليجي ولا نمط ريعي متراكب على إيديولوجيا دين سياسي. هذه لا تنفع، بل هذه تضر. ومن هنا، كان يجب أن ينتبه نقاش إلى أن إستهداف الأمة العربية واستعمارها واحتجاز تطورها كان بهدف إعاقة/إحتجاز تطور نمط الإنتاج الراسمالي فيها كي لا تتأهل لا للتنمية ولا للحياة الكريمة ولا لاحقاً للوحدة والاشتراكية. ولكي يتم احتجاز هذا التطور كان لا بد من التجزئة وكان لا بد من التشكيك بالأمة والقومية العربية كي لا تتم الوحدة لأن طريق التطور الحقيقي هو في الوحدة. ذنب من هذا؟ هل هو ذنب القطريات، الكمبرادور، الديكتاتوريات، أنظمة العباءات والجلابيب، الاستعمار، الصهيونية، التحريفية، الدين السياسي، أم جميعها، فليستنتج كل ما يصل إليه، إنما هذه هي المعيقات القاتلة. لذا، ليس غريباً، أن تتم تصفية القاعدة الصناعية والقطاع العام في مصر، ومن ثم الإنفاق على مصر من ريع النفط سواء عبر المساعدات الرسمية من دول الفائض إلى دول العجز أو عبر تشغيل المصريين في الخليج وإعادة الكثيرين منهم وخاصة من قوى الدين السياسي مسلحين ب: • السيولة المالية التي حيل دون توظيفها في الإنتاج ووظفت في ما يسمى الأعمال فولدت نُغلا اسمه رجال الأعمال وهم طفيليات خدماتية للأجنبي اكثر مما هو للمحلي، وكمبرادور وخلايا فساد. • والسيولة العقيدية أي الوهابية والإخوانية. لذا، لا غرابة أن قادت قطر مصر لأكثر من سنة في عهد الرئيس المخلوع شعبيا محمد مرسي، والإجابة على قيادة السعودية والإمارات والكويت اليوم لمصرهي إجابة برسم الخليط الحاكم فيها. إذن ترافقت الموجة القومية الأولى، او قامت على نمط الإنتاج الراسمالي وترافقت مع عصر الاستعمار إلى أن سلَّم الاستعمار الراية لطوره الأعلى اي الإمبريالية التي بدأت تقريبا مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى الربع الأخير من القرن العشرين لتسلم الراية إلى طورها الأحدث أي العولمة، والتي تقاسي اليوم آلام مرض عضال. الموجة القومية الثانية: وهي ثورات المستعمرات اي بلدان المحيط، وهي الثورات التي غطت الفترة (تقريبا) من عشرينات وحتى سبعينات القرن العشرين. لقد تولدت هذه الثورات ردا على الاستعمار والإمبريالية، وهي ثورات سياسية وطنية قومية ثقافية كراماتية أكثر مما هي طبقية إقتصادية أجتماعية. نهضت هذه الثورات في مجتمعات خاضعة للاستعمار أي استغلال ثرواتها على يد المستعمِرين الرأسماليين الغربيين، اي البلدان التي يسيطر فيها إقتصاديا واجتماعيا نمط الإنتاج الراسمالي الاستعماري المتقدم. وهو النمط الذي تمفصلت معه أنماط إنتاج محلية هجينة سواء نمط الإنتاج الطبيعي او البضاعي أو الإقطاعي أو شبه الراسمالي. والمهم أن تمفصلها كان تابعا وليس متبوعاً. لقد حاول حمزة علوي ومن بعده مهدي عامل جمع هذه التوليفة الخليطة في ما اسماه علوي نمط الإنتاج الكولونيالي. وهي تسمية تحمل طابعاً سياسياً أكثر مما هو طابعا اقتصاديا. فعلاقات الإنتاج في الأنماط الماقبل راسمالية ليست وليدة الاستعمار، وإن كان الاستعمار يحافظ عليها، ولا يسمح برسملتها النسبية أو التدريحية إلا في حدود ما تتطلبه مصالحه. كما أن علاقات الإنتاج الرأسمالية في تلك البلدان كالعمل المأجور هي رأسمالية لا تختلف كثيرا في المحيط عنها في المركز، سوى في الشدة والعمق، بغض النظر كيف يتم وضع اليد (الأيدي الأجنبية والمحلية) على الفائض وبغض النظر عن كامل اقتصاد التساقط. ومن هنا فإن تسمية راسمالية محيطية هي أقرب إلى الدقة العلمية، إلى الاقتصاد السياسي من تسمية نمط الإنتاج الكولونيالي. علاوة على ان تسمية راسمالية محيطية وهي تقوم على نظرية مركز/محيط تتضمن الوجود الكولونيالي نفسه. هذه الموجة تقدُّمٌ في المستوى السياسي يُعيقه تخلف في المستوى الاقتصادي الإنتاجي وهو الأمر الذي ما أن حصل الاستقلال السياسي حتى بدا الاقتصاد في الضغط بالاتجاه إلى أحد حلين لا ثالث لهما: • إما الذهاب من السياسي إلى الاقتصادي عبر تحولات اشتراكية • أو العودة التدريجية إلى حضن المستعمِر. ومن هنا، فإن هذه الموجة التي كانت شرسة وقدمت تضحيات نضالية هائلة انكفأت في معظمها لتعيد للاستعمار سيطرته بطرق متعددة. وقد يجوز لنا القول بأن هذه الإنكفاءة كانت حتمية، طالما لم تذهب هذه البلدان إلى التحولات الاشتراكية. وخاصة طالما الطبقات الشعبية ليست بوعي سياسي طبقي. ولا شك بأن التخلف الموروث في قوى الإنتاج قد لعب دوراً في تمكين البرجوازيات المحلية الحاكمة من الانعطاف إلى المركز للاستيراد بدل التنمية، فتحولت إلى كمبرادور. لا شك بأن دراسة كل حالة على حدة هي الأفضل والأدق، ولكن ما يهمنا هو التمييز بين الموجتين الأولى والثانية، فالموجة الأولى كانت قومية بالطبع مشحونة بنمط الإنتاج الرأسمالي المتقدم والذي نقل تطورها الاجتماعي الاقتصادي الداخلي إلى تصعيد استعماري خارجي، بينما الثانية كانت موجة قومية ايضاً ولكنها محمولة على تمفصل خليط من أنماط إنتاج تعاني من التبعية لنمط الإنتاج الراسمالي المتقدم في المركز حيث لم تقطع معه، مما عجل باستدارتها وانكفائها. 3-الموجة القومية الثالثة: إذا كانت الموجتان الأوليان ذاتيتا الدفع بمختلف معاني: القومية والوطنية ونمط الإنتاج والسياسة فإن الموجة الثالثة مختلفة جدا عنهما. قامت هذه الموجة على حاملين: • هجمة النظام الرأسمالي العالمي في حقبة العولمة على المحيط مستغلاً تفكك الاتحاد السوفييتي والوحدانية القطبية لاستعادة السيطرة الكاملة على المحيط. • تقاطع مصالح البرجوازيات الكمبرادورية في العديد من بلدان المحيط مع هذا المشروع الراسمالي الغربي مستغلة التكوينات القومية والإثنية والطائفية والمذهبية ومرتكزة عليها. وعليه، فإن هذه الموجة هي موجة عميلة في اسسها وفئوية في مصالحها ودوافعها، وبالتالي فقد شكلت سوقا واسعا لتسويق تجارة او صادرات الأسلحة وخاصة الإميركية لإشعال الحروب في العديد من بلدان العالم.وهذا ساهم ويساهم في دعم المجمع العسكري الأمريكي حيث تخصصت امريكا اكثر في إنتاج السلاح كمدخل للسيطرة يعوض تراجع إنتاجها المدني. ولعل من سمات هذه الموجة جاهزيتها لحروب على شكل مذابح وإبادات لأن القوى التي تقودها الإيديولوجيات التي تعتنقها لا تقف عند حدود أخلاقية ولا إنسانية. فما حصل في تفكيك يوغسلافيا والعراق وليبيا ومالي وأفغانستان وبشكل اشد فظاعة في سوريا اليوم لا يشي بغير هذا. هذه الموجة مقودة بقوى متخارجة من حيث مصالحها الاقتصادية وارتباطاتها الثقافية. أنهي هذا الجزء من المقالة بالمجادلة بأن المسألة القومية بما هي مرحلة في التاريخ، لا يمكن القفز عنها لا بقرار سياسي ولا بتنظير إيديولوجي. هي مرحلة موجودة موضوعياً في حياة الأمم بما فيها الأمة العربية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن مجادلتي لاحقاً، هي ضمن التأكيد على أن القومية ومنها القومية العربية ليست بالضرورة على تناقض مع الإشتراكية . وأعني تحديداً، أن بوسعنا، بل المطلوب أن نكون ضمن تيار عروبي شيوعي بوضوح. وهذا موقف فكري نظري وعملي كثيراً ما تمت المجادلة المتخلفة ضده. مجادلة صاغتها باتفاق او بلا كلٍّ من التحريفية السوفييتية والرأسمالية الغربية وقوى الدين السياسي. ولا يمكن لأحد ان يفهم هذا دون قراءة التجربة الماوية. وهذا الموقف والمنطلق العروبي الشيوعي يتجاوز الفهم والموقف القومي الكلاسيكي الذي ساد في الوطن العربي خلال حقبة النهوض القومي البرجوازي السابقة. يتجاوزه بما هو موقف يمثل مصالح الطبقات الشعبية في الوحدة (كمسألة وهدف قومي) ويمثل مصالح هذه الطبقات في الاشتراكية (كطموح ومصلحة مادية للطبقات الشعبية العربية) . أسوق هذا كي لا يندهش البسطاء الذين اتت التشويهات الإيديولوجية على وعيهم فأُزيح وزاغ. فلا يندهشنَّ أحد بعد اليوم بوجود موقف وتنظير وتيار عروبي شيوعي. والأهم من كل هذا، فإن هذا التيار وإن حمل تسمية عربية فذلك فقط لاختصار الكلام لأن تسمية عروبة لا تنفي بل تتشارك مع كردي أمازيغي...الخ. والمهم باستثناء صهيوني لأن هذا الوطن وطن الشركاء تماماً. وإذا كان البعض ومنهم أنيس نقاش يهرب من الهوية القومية العربية أو الهوية العروبية كإطار لجميع القوميات المتآخية في هذا الوطن، إذا كان يهرب باتجاه تركي إيراني بحجة البحث عن هويات اوسع، فإن الهوية العربية هي التي يجب ويمكنها استيعاب إيران، والتفكير مليا قبل استيعاب تركيا. ( *** )

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة يحدثونك عن الهويه وعن أى هويه يتحدثون سيد البدرى -بين التبعية المشروطة والسافرة الموضوع السابقة
تقييم 1.73/5
تقييم: 1.7/5 (75 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع