المقالات والاخبار > مقالات > السيسي- ناصر

السيسي- ناصر

نشرت بواسطة admin في 02-Oct-2013 14:20 (647 عدد القراءات)
السيسي- ناصر - مقال أحمد الخميسي بالدستور

هناك ميل متزايد لدي قطاعات واسعة لتصوير السيسي كأنه عبد الناصر جديد، أو كحد أدنى" تكرار" لزعامة ناصر وتجربته. البعض يعتقد في ذلك بالفعل وبصدق. والبعض الآخر خاصة من بين الاعلاميين وضيوف التلفزيون لديه أنف مدربة على التقاط اتجاه الريح ورصد أضعف الذبذبات في انتقال السلطة من جهة لأخرى، وتضخيم تلك الذبذبات وتأييدها لحجز مقعد في حفلة الحكم القادم. تصريحات كثيرة أدلي بها كتاب وشعراء في ذلك الاتجاه من نوع " الناس يحبون السيسي لأنهم يرون فيه صدى عبد الناصر".الإذاعة والتلفزيون والصحف الرسمية التي لم تتوقف يوما عند ذكرى رحيل ناصر لبدت هذه المرة في ذكرى الرحيل، كأنما تحتفل ليس بذكرى رحيل ناصر بل باستدعاء صورة" الضابط الوطني " لترسيخ الشبه بين ناصر والسيسي. ما لم نسمعه في وسائل الإعلام الرسمية من قبل من أغنيات ثورة يوليو سمعناه هذه المرة، كأنه احتفال ليس بالماضي بل بالمستقبل، وليس بذكرى بل بحاضر. ويوما بعد آخر يتم الترويج لصورة السيسي بصفته الحلم الذي شهدناه يوما، وأصبح الآن – بمعجزة – في متناول أيدينا من جديد. وواضح أن السيسي حريص بدوره على تعميق ألوان تلك الصورة. لهذا – على سبيل المثال - تعلن القوات المسلحة عن منح عدد ضخم من الوجبات الغذائية على نفقتها لسكان كرداسة، كما سبق أن أعلنت عن ترميم مسجد الفتح ورابعة على نفقتها. ولو لم يكن المقصود بتلك الإجراءات المعلنة تعميق صورة " السيسي – ناصر" لقامت الحكومة بتحمل تلك النفقات، خاصة أنها ليست ضخمة. ومن كثرة انفراد المؤسسةالعسكرية بخطوات خيرية يتم الإعلان عنها على نطاق واسع أخذت المؤسسة تبدو كأنها حكومة بلد آخر تقدم المعونة للشعب المصري. في الإطار ذاته يتم الاعلان عن موقف" القوات المسلحة" من هذه القضية أو تلك، كأنما المؤسسة العسكرية جهازقائم بذاته له ثقله الخاص ومواقفه المستقلة عن الدولة. أنا شخصيا لست ممن يصادرون على حق رجل عسكري في العمل الوطني أو الترشح للرئاسة بدعوى أنه من العسكر. فقد تجرعنا رئيسا " مدنيا " هو مرسي العياط وكان ذلك درسا كفيلا بطرد وهم أن" الرئيس المدني" دواء لكل داء . ما يهمنى في الرئيس المقبل هو توجهاته السياسية والاقتصادية. وفي العالم رؤوساء كثيرون مثل باراك أوباما – رسميا رئيس مدني لا ينتسب للمؤسسة العسكرية - وفعليا مجرم حرب ومندوب للمؤسسة العسكرية ويمارس سياسة حربية بحت. وهناك عشرات البلدان التي ترزح تحت ديكتاتورية رؤوساء مدنيين. أيضا فإنني لا أصادر على حق السيسي في التطور، أو تبني سياسة وطنية، لكن ذلك رهن بالمستقبل وبما سيفعله السيسي نفسه. وليس للسيسي رصيد حتى الآن سوى أنه أطاح بمرسي. ولا أتصور أن تلك الخطوة تمت بعيدا عن الموافقة الأمريكية، فقد كان بوسع واشنطن أن تتدخل لحسم الأمر لصالح مرسي خلال مهلة الأيام الثلاثة التي منحها السيسي لمرسي. والموافقة الأمريكية لا تعني بالحتم رضاء أمريكي عن السيسي ذاته ، لكنها قد تكون مجرد موافقة على خلع مرسي لا أكثر. خلال ذلك كله تجري عملية تقديم صورة مدمجة لملامح " السيسي – ناصر". والذين يروجون لتلك الصورة يتجاهلون كل الحقائق، وفي مقدمتها الظروف التاريخية المختلفة تماما وغير القابلة للتكرار التي ظهر فيها عبد الناصر. فقد تمتعت شعوب العالم الثالث حينذاك بهامش للمناورة بين قوتين عظميين هما أمريكا والاتحاد السوفيتي. ولم يعد ذلك الهامش موجودا. ثانيا أن عبد الناصر كان يمثل فكرة للتحرر تقوم على الاستقلال الاقتصادي والسياسي والانحياز للطبقات الشعبية. ولم يعد الوضع الدولي يسمح بذلك المشروع القومي للتحرر. أخيرا فقد كان عبد الناصر يتحرك فوق موجة من ثورات العالم الثالث وقواه الهادرة، ولم يعد ذلك موجودا. أيضا علينا أن نراعى حتى الفروق الذاتية ، الشخصية ، بين عبد الناصر والسيسي ، فقد جسد ناصر حالة الضابط الوطني الثائر الذي اعتصرت نكبة فلسطين قلبه، ورفض الانسحاب من الفالوجا، ثم قام سرا رغم خطورة ذلك بتكوين تنظيم سري معاد للقصر والاستعمار، ثم وضع روحه على كفه فخرج ليلةالثورة قاتلا أو مقتولا لخلع الملك. أما السيسي فقد برز في ظل توازن قوى سياسي محدد وبدا أشبه بزعيم حزب معارض علني يخوض معركة انتخابية. وبينما تشكل وجدان عبد الناصرفي حركته ضد النظام السياسي القائم حينذاك، تشكل السيسي في حركته مع النظام السياسي القائم قبل 25 يناير. لا الظروف التاريخية، ولا السمات الشخصية، ولاالسيرة الذاتية، ولا المهام المطروحة تسمح بتكرار تجربة ولدت في لحظة معينة وفي ظرف خاص.
إن دوران السيسي في فلك " الشبيه " لن يفسح له مساحة لدور سياسي ذي وزن حتى لو ظل لعشرات السنوات يزور قبر عبد الناصر ويقف في بيت الزعيم الراحل لالتقاط صورة. إنه بذلك كله يغازل الماضي فحسب ويثير الحنين ، من دون أن يطرح حلولا للحاضر ويحرك الأمل. الخطورة السياسية والوطنية في الترويج لدور " الشبيه" أنه يجعلنا نصوب أبصارنا إلي الماضي – أيا كانت عظمته –وليس إلي المستقبل! بينما يريد الناس تغييرا " هنا ، والآن " ، وليس" هناك ، وحينذاك " !

***

تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة لمحات من تاريخ الثورة السودانية جزء 1 العروبة وحدها عنصرية ويجب شطبها (الحلقة الثانية) الموضوع السابقة
تقييم 1.78/5
تقييم: 1.8/5 (68 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع