العمل المغترب

نشرت بواسطة admin في 10-Oct-2013 13:10 (891 عدد القراءات)
العمل المغترب
كارل ماركس
( من مخطوطات عام 1844 )
ترجمة : محمد مستجير
لقد انطلقنا من مقدمات الاقتصاد السياسي، وتقبلنا لغته وقوانينه، وافترضنا الملكية الخاصة، والانفصال بين العمل ورأس المال والأرض، وبين الأجور وربح رأس المال وريع الارض - كما افترضنا تقسيم العمل والمنافسة ومفهوم القيمة التبادلية الخ....، وعلى أساس الاقتصاد السياسى ، وبعباراته ذاتها،أوضحنا أن العامل يهبط إلى مستوى السلعة، وأنه يصبح فى الحقيقة أتعس أنواع السلع ، وأن تعاسته تتناسب تناسبا عكسيا مع قوة وحجم إنتاجه ، وأن النتيجة الضرورية للمنافسة هى تراكم رأس المال فى بضعة أيد ، وبالتالى عودة الاحتكار فى شكل أبشع ، وأخيرا أن التميز بين الرأسمالى وصاحب ريع الارض ، تماما كالتمييز بين فالح الأرض وعامل المصنع ، يختفى ، وينقسم المجتمع كله الى طبقتين : الملاك و العمال الذين لا يملكون شيئا.
والاقتصاد السياسى ينطلق من حقيقة الملكية الخاصة ، لكنه لا يفسرها . وهو يعبر فى صيغ عامة مجردة عن العملية المادية التى تمر بها الملكية الخاصة بالفعل ، ثم يأخذ هذه الصيغ كقوانين . وهو لايدرك هذه القوانين- أى لا يوضح كيف نشأت من طبيعة الملكية الخاصة ذاتها.
والاقتصاد السياسى لا يوضح مصدر التقسيم بين العمل ورأس المال ، وبين رأس المال والارض ، وهو حين يحدد مثلا العلاقة بين الاجور والربح يجعل من مصالح الرأسمالين سببا نهائيا ، أى أنة يأخذ كأمر مسلم ما هو مفروض أن يوضحه . وبالمثل تظهر المنافسة فى كل مكان وهى، تفسر بالظروف الخارجية . أما كيف أن هذة الظروف الخارجية التى تبدو- فى الظاهر-عارضة ليست سوى التعبير عن المسار الضروري للتطور فان الاقتصاد السيسي لا يعرفنا بشئ من ذلك ، وقد رأينا كيف أن التبادل السياسي ذاته يبدو له كحقيقة عارضة . والعجلات الوحيدة التي يحركها الاقتصاد السياسي هي التعطش للثروة والحرب بين الأطماع – المنافسة.
وبالتحديد لأن الاقتصاد السياسي لا يدرك العلاقات داخل الحركة فقد استطاع أن يقابل مثلا بين مبدأ المنافسة ومبدأ الاحتكار ، بين مبدأ الحرية الحرفية ومبدأ النقابة الحرفية ، بين مبدأ تقسيم ملكية الأرض ومبدأ الضياع الكبيرة – لأنه لم يفسر المنافسة والحرية الحرفية وتقسيم ملكية الأرض ولم يدركها إلا كنتائج عارضة عمدية عنيفة للاحتكار والنقابة الحرفية والملكية الاقطاعية وليس كنتائجها الضرورية الحتمية الطبيعية.
ومن هنا فان علينا الآن ندرك العلاقة الجوهرية بين الملكية الخاصة ، التعطش إلي الثروة ، والانفصال بين العمل ورأس المال وملكية الأرض ، وبين التبادل والمنافسة ، والقيمة وهبوط قيمة البشر ، والاحتكار والمنافسة الخ ... والعلاقة بين كل هذا وبين النظام النقدي .
ولنحاول ألا نعود إلي ظرف أصلي خيالي كما يفعل رجل الاقتصاد السياسي حين يحاول أن يفسر ، فمثل هذا الظرف الأصلي لا يفسر شيئا. وإنما هو فحسب يدفع بالمسألة بعيدا إلي مسافة سديمية معتمة . إنه يفترض – في شكل حقيقة أو حدث – ماهو مفروض أن يستخلصه– وهو العلاقة الضرورية بين شيئين – بين تقسيم العمل والتبادل مثلا ، وبنفس الطريقة يشرح اللاهوت مصدر الشر بسقوط الانسان ، أي أنه يفترض كحقيقة – في شكل تاريخي ما عليه أن يشرحه .
إننا ننطلق من حقيقة اقتصادية فعلية.
أن العامل يزداد فقرا كلما زادت الثروة التي ينتجها ، وكلما زاد إنتاجه قوة ودرجة، والعامل يصبح سلعة أكثر رخصا كلما زاد عدد السلع التي يخلقها . قمع القيمة المتزايدة لعالم الأشياء ينطلق في تناسب عكسي مع انخفاض قيمة عالم البشر. والعمل لا ينتج سلعا فحسب ، وإنما هو ينتج ذاته وينتج العامل كسلعة - وهو يفعل ذلك بنفس النسبة التى ينتج بها السلع عموما.
ولاتعبر هذة الحقيقة إلا عن أن الشئ الذى ينتجة العمل- ناتج العمل - يواجهه كشىْ غريب ، كقوة مستقلة عن المنتج. فناتج العمل هو عمل تجمد فى الموضوع ، أصبح ماديا، إنه تموضع العمل ، فتحقق العمل هو تموضعة ، وفى الظروف التى يعالجها الاقتصاد السياسى يبدو هذا التحقق للعمل فقدانا للواقع بالنسبة للعمال ، ويبدو التموضع فقدانا للموضوع ،وعبودية للموضوع ، والتملك تغربا ، إنسلابا
ويبدو تحقق العمل فقدانا للواقع حتى أن العامل ليفقد الواقع إلى حد الموت جوعا ، ويبدو التموضع فقدانا للموضوع حتى أن العامل ليسلب الموضوعات الأشد ضرورة لا لحياته فحسب ، بل لعمله كذلك . والحق أن العمل ذاته يصبح شيئا لا يمكن أن يحصل عليه إلا بأكبر جهد وأشد الانقطاعات بعدا عن الانتظام . ويبدو تملك الموضوع اغترابا إلى حد أنه كلما زاد عدد الموضوعات التى ينتجها العامل قل ما يستطيع أن يتملكه ، وزاد وقوعه تحت سيطرة ناتجة ...رأس المال.
وكل هذا الناتج يحويها التعريف القائل أن العامل يرتبط بناتج عمله كما يرتبط بموضوع غريب ،لأنه من الواضح بحكم هذه المقدمة أنه كلما أنفق العامل نفسه زادت قوة العالم الموضوعى الغريب الذى يخلقه أمام نفسه وأصبح هو- عالمه الداخلى - أكثر فقرا ، وقل ما ينتمى إليه كشئ مملوك له. ونفس الشئ فى الدين .. فكلما زاد ما يضعه الانسان فى الله قل ما يحتفظ به فى نفسه. إن العامل يضع حياته فى الموضوع ،لكن حياته الان لم تعد تنتمى له وإنما للموضوع . ومن هنا فكلما زاد نشاط العامل ، زاد افتقاره الى الموضوعات . وأيا كان ناتج عمله ، فإنه هو لا يوجد . ومن هنا فكلما زاد هذا الإنتاج أصبح هو ذاتة أقل . ولا يعنى اغتراب العامل فى ناتجه أن عمله قد أصبح موضوعا - وجودا خارجيا - فحسب ، وإنما يعنى أنه يوجد خارجه ، مستقلا عنه ، كشئ غريب عنه ، وأنه يصبح قوة فى ذاتة تواجهه ، إنه يعنى أن الحياة التى منحها للموضوع تواجهة كأمر معاد غريب .
ولننظر الان بدقة أكبر الى التموضع ، إلى إنتاج العامل ، ومن هنا الى الاغتراب ، الى فقدان الموضوع ، فقدان ناتجه.
ان العامل لا يستطيع أن يخلق شيئا دون الطبيعة ، دون العالم الخارجي المحسوس ، إنها الماده التي يتحقق فيها عمله ، التي يمارس فيها عمله ، التي ينتج منها و بواسطتها .
ولكن كما تزوي الطبيعه العمل بوسيلة الحياة بمعني أن العمل لا يستطيع أن يعيش دون موضوعات يعمل عليها ، فأنها من الناحيه الأخري توفر وسيله الحياة - بالمعني الضيق للكلمة - أي وسيلة الوجود الجسدي للعامل ذاته .
وهكذا فكلما زاد تملك العامل للعالم الخارجي - الطبيعة المحسوسة – بعمله ، زاد حرمانه لنفسه من وسيلة الحياة بالمعني المزدوج : أولا أن العالم الخارجي المحسوس يكف أكثر فأكثر عن أن يكون موضوعا ينتمي الي عمله، عن أن يكون وسيلة حياة عمله، وثانيا: أن يكف أكثر فأكثر عن أن يكون وسيله الحياة بالمعني المباشر ، وسيلة الوجود الجسدي للعامل .
وهكذا ففي هذا المجال المزدوج يصبح العامل عبدا لموضوعه ، أولا: في أنه يتلقي موضوعا للعمل ، أي أنة تلقي عملأ ، وثانيا: في أنه يتلقي وسائل المعيشة. ومن هنا فإنه يمكنه من أن يوجد أولا كعامل وثانيا كذات جسدية ، والصورة القصوي لهذة العبودية هي أنه لا يستمر في الإبقاء علي نفسه كذات جسدية الا باعتباره عاملأ ، وأنه ليس عاملا الا كذات جسدية .
( وتعبر قوانين الاقتصاد السياسي عن اغتراب العامل في موضوعه بالطريقه التاليه : كلما زاد ما ينتجه العامل قل ما يستهلكه ، وكلما زادت القيم التي ينتجها أصبح هو أكثر تفاهة وقلة شأن . وكلما تحسن شكل ناتجه زاد العامل تشوهأ ، وكلما زادت مدنية موضوعه أصبح العامل أكثر وحشية و كلما زادت قدرة العمل أصبح العامل أكثر عجزأ ، وكلما زاد إبداع العمل أصبح العامل أكثر غباء وازدادت عبوديته للطبيعة ).
ويخفي الاقتصاد السياسي الاغتراب الكامن في طبيعه العمل بعدم دراسته للعلاقة المباشرة بين العامل (العمل) وبين الإنتاج . صحيح أن العمل ينتج للأغنياء أشياء رائعه - لكنه ينتج للعامل الحرمان. إنه ينتج القصور- وللعامل الأكواخ ، وينتج الجمال - وللعامل التشوه. يحل الالات محل العمل - لكنه يلقي ببعض العمال الي طراز بربري من العمل ويحول البعض الآخر الي الات ، انه ينتج الذكاء وللعامل البلاهة و الحماقة .
ان العلاقه المباشرة بين العمل و ما ينتجه هي العلاقه بين العامل والموضوعات التي ينتجها ، أما علاقه الثري بموضوعات الإنتاج وبالإنتاج ذاته فليس سوي نتيجه لهذه العلاقة الأولي - وهي نتيجة تؤكدها . وسندرس هذا الجانب الآخر فيما بعد .
فحين نسأل إذن - ما العلاقة الأساسية للعمل فإنما نحن نسأل عن علاقة العمل بالإنتاج .
وحتي الان كنا ندرس اغتراب ، انسلاب ، العامل في أحد جوانبه فقط ، اي علاقة العامل بمنتجات عمله ، لكن الاغتراب لا يبدو فحسب في نتيجه الإنتاج، بل في فعل الإنتاج داخل النشاط الإنتاجي ذاته . فكيف يمكن للعامل أن يواجه ناتج نشاطه كشخص غريب لو لم يكن في عملية الإنتاج ذاتها يغترب بذاته عن ذاته ؟ فليس الناتج في نهاية الأمر الا خلاصة النشاط الإنتاجي . فإذا كان ناتج العمل هو الانسلاب ، فلابد من أن يكون الإنتاج نفسه انسلابا نشاطا ، انسلاب النشاط ، نشاط الانسلاب ، ففي اغتراب موضوع العمل إنما يتلخص الاغتراب ، الانسلاب ، في نشاط العمل ذاته .
فماذا إذن يشكل اغتراب العمل؟
أولا، حقيقة أن العمل خارجي عن العامل ، أي أنه لا ينتمي الي وجوده الأساسي، وأنه بالتالي لا يؤكد ذاته في العمل وإنما ينكرها ،لا يشعر بالارتياح ، بل بالتعاسة، لا ينمي بحرية طاقته البدنية و الذهنية و إنما يقتل جسده ويدمر ذهنه . ومن هنا فإن العامل إنما يشعر بنفسه خارج العمل ، وهو في العمل يشعر بأنه خارج نفسه ، و أنه في مكانه حين لا يعمل ، و حين يعمل فإنه ليس في مكانه . ومن هنا فإن عمله ليس اختيارا ، وإنما هو قسر، إنه عمل إجباري ، وهكذا فهو ليس إشباعا لحاجة ، وإنما هو مجرد وسيلة لإشباع حاجات خارجية. و تبرز طبيعته الغريبة بوضوح في حقيقة أنه طالما لا يوجد إجبار مادي وغير مادي فإن العمل يتجنب كونه الطاعون. إن العمل الخارجي ، العمل الذي ينسلب فيه الإنسان عن ذاته - هو عمل من التضحيه بالنفس ، من قتل النفس . وأخيرا يبدو الطابع الخارجي للعمل بالنسبه للعامل في حقيقة أنه ليس له ، و إنما هو لآخر، إنه لا ينتمي له ، إنه خلاله لا ينتمي لنفسه و إنما لآخر .، وكما نجد في الدين أن النشاط التلقائي للخيال البشري وللذهن البشري والقلب البشري يعمل بشكل مستقل عن الفرد ،- كذالك فإن نشاط العامل ليس هو نشاطه التلقائي ، إنه ينتمي لآخر ، إنه فقدان ذاته .
وكنتجة لذلك فإن الإنسان (العامل) لا يعود يشعر بنفسه يتصرف بحرية الا في وظائفه الحيوانية - الأكل والشرب والتكاثر وعلى أكثر تقدير فى مسكنه وملبسه الخ...أما فى وظائفه الانسانية فإنه لا يعود يشعر إلا بأنه حيوان ، فما هو حيوانى يصبح إنسانيا ،وما هو إنسانى يصبح حيوانيا .
وصحيح أن الأكل والشرب والتكاثر الخ. هى كذلك وظائف إنسانية حقة ولكنها فى التجريد الذى يفصلها عن مجال كل نشاط إنسانى آخر ويحولها الى أهداف وحيدة ونهائية ، تكون حيوانية .
ولقد درسنا الان عملية اغتراب النشاط الانسانى العملى-العمل- فى جانبين . (1) العلاقة بين العامل وناتج العمل كموضوع غريب يمارس قوته عليه ، وهذه العلاقة هي في نفس الوقت العلاقة بالعالم الخارجى ، موضوعات الطبيعة كعالم غريب يعارضة معارضة عدائية . (2) علاقة العمل بفعل الإنتاج داخل عملية العمل . وهذه العلاقة هى علاقة العامل بنشاطه هو كنشاط غريب لا ينتمى إليه ، انها النشاط كمعاناة، والقوة كضعف ، والإنجاب كعقم ،إنها وجود العامل المادى ذاته ، وطاقته الذهنية- أو حياته الشخصية ، وإلا فما الحياة إن لم تكن النشاط ؟- يتحول ضده ، ولا يعتمد عليه أو ينتمى إليه . وهنا نجد اغتراب الذات ،كما رأينا من قبل اغتراب الشئ. .
بيد أن أمامنا جانبا ثالثا للعمل المغترب نستخلصه من الجانبين السابقين .
فالانسان كائن نوعى ، ولايرجع هذا فحسب الى أنه يتخذ النوع - فى الممارسة وفى النظرية - موضوعا له ( نوعه فضلا عن نوع الأشياء الأخرى) وإنما هو يرجع كذلك - وليس هذا سوى أسلوب آخر للتعبير- الى أنه يعامل نفسه باعتباره النوع الحى الفعلى ، يعامل نفسه ككائن كلى وبالتالى حر.
وحياة النوع سواء عند الإنسان أو عند الحيوانات تتألف ماديا من حقيقة أن الانسان (كالحيوان) يعيش على الطبيعة غير العضوية ، وكلما ازدادت كلية الانسان بالمقارنة بالحيوان ازدادت كلية مجال الطبيعة غير العضوية التى يعيش عليها .. وتماما كما تشكل النباتات والحيوانات والأحجار والهواء والضوء الخ.. جزءا من الوعى الإنسانى فى مملكة النظرية ، جزئيا كموضوعات للعلم الطبيعى وجزئيا كموضوعات للفن - طبيعته الروحية غير العضوية ،غذاءه الروحى الذى ينبغى عليه أولا أن يعده كى يكون سائغا وقابلا للهضم - فإنها تشكل كذلك فى مملكة الممارسة جزءا من الحياة الانسانية والنشاط الانسانى .. ومن الناحية البدنية لا يعيش الانسان الا على منتجات الطبيعة هذه- سواء ظهرت فى شكل طعام أو دفء أو ملابس أو مسكن أو أي شئ آخر. وكلية الانسان تظهر في الممارسة بالتحديد فى الكلية التى تجعل من الطبيعة بأسرها جسمه غير العضوى - سواء من حيث أن الطبيعة هى (1) وسيلته المباشرة للعيش و(2) مادة وموضوع وأداة نشاط حياته. فالطبيعة هى جسم الانسان غير العضوى - ونحن نشير هنا الى الطبيعة من حيث أنها ليست هى الجسم الانسانى. فكون الانسان يعيش على الطبيعة - يعنى أن الطبيعة هى جسده الذى ينبغى أن يظل على اتصال متبادل مستمر به إذا لم يكن ليموت، وكون حياة الانسان البدنية والروحية ترتبط بالطبيعة يعنى ان الطبيعة ترتبط بذاتها ،لأن الانسان جزء من الطبيعة.
والعمل المغترب حين يغترب بالانسان عن(1) الطبيعة و(2) عن ذاته ، عن وظائفه النشطة ،عن نشاط حياته إنما يغترب بالنوع عن الانسان . إنه يحول حياة النوع بالنسبة له الى وسيلة لحياة الفرد . وهو أولا يغترب بحياة النوع عن حياة الفرد وثانيا يجعل حياة الفرد فى شكلها المجرد هدف حياة النوع - وبالمثل فى شكلها المجرد والمغترب .
وذلك فى المقام الأول لأن العمل - نشاط الحياة ،الحياة الانتاجية ذاتها - يبدو للانسان مجرد وسيلة لإشباع حاجة -الحاجة الي المحافظة على الوجود الجسدى . غير أن الحياة الانتاجية هى حياة النوع . انها حياة تولد حياة ، وطابع أى نوع - طابعه كنوع - يحويه طابع نشاط حياته ، والنشاط الحر الواعى هو طابع نوع الانسان . والحياة نفسها لا تظهر الا كوسيلة للحياة .
ويتطابق الحيوان بشكل مباشر مع نشاط حياته وهو لا يميز نفسه عنه ، إنه نشاط حياته . والانسان يجعل نشاط حياته ذاته موضوع إرادته ووعيه . ان لديه نشاط حياة واعيا ، وهو ليس تحديدا يندمج فيه بشكل مباشر، فنشاط الحياة الواعى يميز الانسان بشكل مباشر عن نشاط حياة الحيوان . وهو لهذا السبب بالتحديد يعد كائنا نوعيا ، أو هو ليس كائنا واعيا - أى أن حياته ذاته موضوع له- الا لأنه كائن نوعى . ولهذا السبب وحده فإن نشاطة حر ، لكن العمل المغترب يقلب هذه العلاقة بحيث أن الانسان - ولأنه كائن واع- يجعل نشاط حياته ، وجوده الأساسى ، مجرد وسيلة للوجود .
والانسان إذ يخلق عالما موضوعيا بنشاطه العملى ، وإذ يصوغ الطبيعة غير العضوية يؤكد ذاته ككائن نوعى . صحيح أن الحيوانات أيضا تنتج، فهى تبنى لنفسها أعشاشا ومساكن مثل النحل والقندس والنمل الخ..لكن الحيوان لا ينتج الا ما يحتاجه مباشرة لنفسه أو لصغاره ، إنه ينتج إنتاجا أحادى الجانب فى حين ينتج الانسان إنتاجا كليا ، إنه لاينتج الا تحت ضغط الحاجة الجسدية المباشرة فى حين ينتج الانسان حتى حين يكون متحررا من الحاجة الجسدية ، ولا ينتج حقا الا متحررا منها . والحيوان لا ينتج الا نفسه فى حين يعيد الإنسان إنتاج الطبيعة بأسرها . وينتمى ناتج الحيوان مباشرة لجسمه المادى ، فى حين أن الانسان يواجه ناتجه بحرية ، والحيوان يشكل الأشياء وفقا لمعيار واحتياج النوع الذى ينتمى إليه ، فى حين يعرف الانسان كيف ينتج وفقا لمعايير كل نوع، ويعرف كيف يطبق فى كل مكان على الموضوع ،المعيار الكامن فيه . ومن هنا فإن الانسان يشكل الأشياء كذلك وفقا لقوانين الجمال .
وهكذا فإن الانسان فى صياغته للعالم الموضوعى يؤكد نفسه حقا للمرة الأولى باعتباره كائنا نوعيا . فهذا الإنتاج هو حياته النشطة كنوع ، وخلال هذا الانتاج وبسببه تبدو الطبيعة باعتبارها عمله وواقعه . ومن هنا فإن موضوع العمل هو تموضع حياة الانسان كنوع : لأنه يضاعف نفسه لا فكريا فحسب- كما يحدث فى الوعى - بل كذلك فى العمل - فى الواقع- ومن هنا فانه يتأمل ذاته فى عالم خلفه، وهكذا فإن العمل المغترب بإبعاده عن الانسان موضوع إنتاجه ينتزع منه حياة نوعه ، موضوعيته النوعية الواقعية ، ويحول ميزتة على الحيوانات الى نقيصة هى ان جسده غير العضوى – الطبيعة- ينتزع منه.
وبالمثل فان العمل المغترب بانحطاطه بالنشاط التلقائى، النشاط الحر، يجعل حياة الانسان كنوع وسيلة لوجوده الجسدى.
وهكذا فإن وعى الانسان يتحول بالاغتراب بحيث تصبح حياة النوع بالنسبة له وسيلة.
وهكذا فان العمل المغترب يحول:
(3) وجود الانسان كنوع- كلا من الطبيعة وخصائص نوعه الروحية- الى وجود غريب عنه ، إلى وسيلة لوجوده الفردى. إنه يغترب بجسد الانسان عنه كما يفعل بالطبيعة الخارجية وجوهره الروحى ، وجوده الانسانى.
(4) ومن النتائج المباشرة لحقيقة أن الانسان يغترب عن ناتج عمله،عن نشاط حياته، عن وجوده كنوع ، اغتراب الانسان عن الانسان . فماذا كان الانسان يواجه بنفسه فإنه يواجه بالإنسان الآخر. وما ينطبق على علاقة الانسان بعمله، وبناتج عمله وبنفسه، ينطبق كذلك على علاقة الانسان بالانسان الآخر وبعمل الآخر وموضوع عمل هذا الآخر.
والحق ان القضية القائلة ان طبيعة الانسان كنوع تغترب عنه تعنى ان الانسان يغترب عن الآخر، كما يغترب كل منهما عن طبيعة الانسان الجوهرية .
ويتحقق اغتراب الانسان – وفي الواقع كل علاقة يقف فيها الانسان أمام نفسه – بالدرجة الأولي ويجد تعبيرا عنه في العلاقة التي تقوم بين الانسان وغيره من الناس.
ومن هنا فداخل علاقة العمل المغترب يري كل انسان الآخر بالمعيار والوضع الذي يجد فيه نفسه كعامل .
ولقد انطلقنا في حديثنا من إحدي حقائق الاقتصاد السياسي – اغتراب العامل وانتاجه ، وصغنا مفهوم هذه الحقيقة – العمل المغترب ، المنسلب – وحللنا هذا المفهوم – ومن هنا فاننا إنما حللنا حقيقة من حقائق الاقتصاد السياسي .
فلنر الان بعد ذلك كيف ينبغى لمفهوم العمل المغترب ،المنسلب، أن يعبر عن نفسه ويعرضها فى الحياة الواقعية.
إذا كان ناتج العمل غريبا عنى ، إذا كان يواجهنى كقوة غريبة ، فلمن إذن ينتمى؟
اذا لم يكن نشاطى ينتمى الى ،اذا كان نشاطا غريبا قسريا ..فلمن اذا ينتمى؟
لكائن آخر غيرى.
من هذا الكائن؟
الآلهة ؟ صحيح ان الانتاج الرئيسى فى الازمة الاولى (مثل بناء المعابد الخ..فى مصر والهند والمكسيك) يبدو فى خدمة الالهة ، والناتج يبدو مملوكا للالهة...غير ان الالهة بذاتها لم تكن أبدا سادة العمل. كذلك لم تكن الطبيعة . وأى تناقض كان يمكن أن يقوم لو أن الانسان كلما زاد إخضاعه للطبيعة عن طريق عمله ، وكلما أصبحت معجزات الالهة غير ذات شأن أمام معجزات الصناعة ، زاد اضطرار الانسان الى ان يتخلى عن بهجة الانتاج ومتعة الناتج لصالح هذه القوى.
فالكائن الغريب،الذى ينتمى اليه العمل وناتج العمل، والذى يبذل العمل فى خدمته، ويوفر ناتج العمل لمنفعته، لا يمكن الا ان يكون الانسان نفسه.
فاذا كان ناتج العمل لا ينتمى للعامل ، واذا كان يواجهه كقوة غريبة ، فهذا ليس ممكنا الا لأنه ينتمى الى انسان آخر غير العامل، واذا كان عمل العامل عذابا له فإنه لآخر لابد ان يكون متعة الحياة وبهجتها ، فلا الالهة ولا الطبيعة وانما الانسان نفسه هو الذى يمكن ان يكون هذه القوة الغريبة التى تثقل على الانسان.
وينبغى ان نضع فى ذهننا القضية التى اشرنا اليها من قبل، وهى ان علاقة الانسان بذاته لا تصبح موضوعية وواقعية بالنسبة له الا من خلال علاقتة بالانسان الآخر . وهكذا فاذا كان ناتج عمله- عمله المتموضع - شيئا قويا غريبا معاديا ومستقلا عنه فان قوام علاقته به هو ان شخصا آخرا هو سيد هذا الشئ ، شخصا غريبا ومعاديا وقويا ومستقلا عنه. واذا كان نشاطه الخاص هو بالنسبة له نشاط غير حر فانه اذن يعامله كنشاط يؤدى فى خدمة انسان آخر وتحت سيطرته وقسره وقهره.
ويبدو كل اغترب ذاتى للانسان عن ذاته وعن الطبيعة فى العلاقة التى يضع فيها نفسه والطبيعة ازاء اناس آخرين غيره ومتميزين عنه. ولهذا السبب فان الاغتراب الذاتى الدينى يظهر بالضرورة فى العلاقة بين الانسان العادى والكاهن او بينه وبين الوسيط الخ... ما دمنا نعالج هنا العالم الفكرى . وفى العالم العملى الواقعى لا يمكن ان يظهر الاغتراب الذاتى الا من خلال العلاقة العملية الواقعية بالآخرين. والوسيط الذى يحدث الاغتراب خلال هو ذاته وسيط عملى . وهكذا فخلال العمل المغترب لا يولد الانسان فحسب علاقته بالموضوع ويفعل الانتاج كقوى غريبة عنه ومعادية له، لكنه فحسب علاقته بالموضوع ويفعل الانتاج كقوى غريبة عنه ومعادية له ، لكنه يولد كذلك العلاقة التى تربط بين غيره من الناس وبين انتاجه وناتجه ، والعلاقة بينه وبين هؤلاء الناس الاخرين . وتماما كما يخلق انتاجه كفقدان لواقعه ، كعقاب له ، تماما كما يخلق ناتجه كضياع ، كناتج لا ينتمى له ، فانه يخلق كذلك سيطرة الشخص الذى لا ينتج على الانتاج وعلى الناتج ، وكما يغترب بنشاطه عن نفسه ، فانة كذلك يضفي على الغريب نشاط ليس له .
وحتي الآن لم ندرس هذه العلاقة الا من زاوية العامل ، وفيما بعد سندرسها أيضا من زاوية غير العامل .
وهكذا فخلال العمل المغترب ، المنسلب ، ينتج العامل علاقة انسان غريب عن العمل ويقف خارجه بهذا العمل ، فعلاقة العامل بالعمل تولد علاقة الرأسمالي – أو أي اسم يختاره المرء لسيد العمل – بالعمل ، وهكذا فان الملكية الخاصة هي نتاج العمل المغترب – العلاقة الخارجية للعامل بالطبيعة وبذاته – ونتيجته وعاقبته الضرورية .
وهكذا تنتج الملكية الخاصة بالتحليل عن مفهوم العمل المنسلب ، أي الانسان المنسلب ، العمل المغترب ، الحياة المغتربة ، الانسان المغترب .
صحيح اننا توصلنا كنتيجة لحركة الملكية الخاصة الي مفهوم العمل المنسلب ( الحياه المنسلبة ) من الاقتصاد السياسي ، لكننا عند تحليل هذا المفهوم يصبح من الواضح أنه رغم أن الملكية الخاصة تبدو مصدر وسبب العمل المنسلب فانها في الحقيقة نتيجته ، تماما كما أن الآلهة في البداية ليست سبب البلبلة الفكرية للانسان وانما نتيجتها وفيما بعد أصبحت هذه العلاقة تبادلية .
وعند ذروة تطور الملكية الخاصة فحسب يعود سرها هذا الي الظهور ، وهو أنها من ناحية ناتج العمل المنسلب ، وانها ثانية الوسيلة التي بها ينسلب العمل بذاته ، تحقيق هذا الانسلاب .
ويلقي هذا العرض الضوء على الفور على منازعات لم تحل حتي الان:
(1) ان الاقتصاد السياسي يبدأ من العمل باعتباره الروح الحقة للانتاج ، لكنه لا يعطي العمل شيئا ، ويعطي الملكية الخاصة كل شئ ، ومن هذا التناقض خلص برودون الي الوقوف في صف العمل وضد الملكية الخاصة . بيد اننا ندرك ان هذا التناقض الظاهري هو تناقض العمل المغترب مع ذاته ، وأن كل ما فعله الاقتصاد السياسي هو أنه صاغ قوانين العمل المغترب .
كذلك فاننا نفهم أيضا أن الاجور والملكية الخاصة متطابقان ، فحيث يدفع الناتج – موضوع العمل – مقابل العمل ذاته فان الأجور ليست سوي نتيجة ضرورية لاغتراب العمل ، لان العمل لا يبدو في أجر العمل في نهاية الامر كهدف في ذاته بل كخادم للأجر ، وسنبسط هذه النقطة فيما بعد ، أما الآن فسنكتفي باستخلاص بعض النتائج .
فرفع الاجور بالقوة ( بغض النظر عن كل الصعوبات الاخري بما فيها حقيقة أنه لا يمكن المحافظة على الاجود العالية باعتبارها شذوذا الا بالقوة ايضا) لن يكون اذن الا مقابلا افضل للعبد ، ولن ينتزع للعامل او للعمل وضعه الانساني وكرامته ،
والحق أنه حتي المساواة في الأجور التي يطالب بها برودون انما تحول علاقة العامل المعاصر بعمله الي علاقة الناس جميعا بالعمل ، وهكذا فان المجتمع يتصور هنا باعتباره رأسماليا مجردا .
والاجور هي نتيجة مباشرة للعمل المغترب . والعمل المغترب هو السبب المباشر للملكية الخاصة ، وأنهيار أحد الجانبين لابد أن يعني انهيار الآخر ،
(2) ومن العلاقة بين العمل المغترب والملكية الخاصة ينتج كذلك أن تحرر المجتمع من الملكية الخاصة الخ .... من العبودية يجد تعبيرا عنه في شكل سياسي هو تحرر العمال ، ولا يعني هذا أن المسألة هي مسألة تحررهم وحدهم ، وانما يعني هذا أن المسألة هي مسألة تحررهم وحدهم ، وانما يعني أن تحرر العمال يحوي التحرر الانساني الكلي – وهو يحويه لأن كل العبودية البشرية تتصمنها علاقة العامل بالانتاج ، وليست كل علاقة عبودية الا تحويرا* ونتيجة لهذه العلاقة .
وتماما كما استخلصنا مفهوم الملكية الخاصة من مفهوم العمل المغترب ، المنسلب ، عن طريق التحليل فاننا نستطيع بنفس الطريقة أن نصل الي كل مقولة للاقتصاد السياسي بمساعدة هذين العاملين وسنجد كذلك في كل مقولة مثل التجارة والمنافسة ورأس المال والنقود مجرد تعبير محدد ومتطور عن الأسس الأولي .
ولكن فلنحاول قبل دراسة هذا الشكل أن نحل مشكلتين :
(1) أن نحدد الطبيعة العامة للملكية الخاصة كما ظهرت نتيجة للعمل المغترب ، في علاقتها بالملكية الاجتماعية الانسانية حقا .
(2) لقد تقبلنا اغتراب العمل ، انسلابه ، كحقيقة ، وحللنا هذه الحقيقة ، لكننا الآن نسأل كيف توصل الانسان الي انسلاب عمله واغترابه؟ وكيف يضرب هذا الاغتراب بجذوره في طبيعة التطور الانساني ؟ ولقد مضينا بالفعل شوطا بعيدا في حل هذه المشكلة بتحويل السؤال عن أصل الملكية الخاصة الي مسألة علاقة العمل المنسلب بمجري تطور البشرية ، لأنه حين يتحدث المرء عن الملكية الخاصة فانه يتصور أنه يفكر في شئ خارجي عن الانسان ، وحين يتحدث الانسان عن العمل فانه يتحدث مباشرة عن الانسان ذاته ، وهذه الصياغة الجديدة للمسألة تحوي بالفعل حلها .
أما عن (1) الطبيعة العامة للملكية: الخاصة وعلاقتها بالملكية الانسانية حقا .
فلقد حلل العمل المنسلب ذاته في عنصرين يحدد كل منهما الآخر أو ليسا سوي تعبيرين مختلفين عن نفس العلاقة ، فالتملك يبدو اغترابا ، انسلابا ، والانسلاب يبدو تملكا ، والاغتراب يبدو انعتاقا حقا .
لقد درسنا جانبا واحدا – العمل المنسلب في علاقته بالعمل ، أي علاقة العمل المنسلب بذاته ، أما علاقة الملكية بين غير العامل وبين العامل والعمل فقد وجدنا أنها نتاج هذه العلاقة للعمل المنسلب وحصيلتها الضرورية . والملكية الخاصة كالتعبير المادي الموجز عن العمل المنسلب تشمل كلتا العلاقتين – علاقة العامل بالعمل ، وبناتج عمله ، وبغير العامل ، وعلاقة غير العامل بالعامل وبناتج عمله.
واذا رأينا أن هذا التملك في علاقته بالعامل الذي يمتلك الطبيعة عن طريق عمله، يبدو اغترابا ، كما يبدو نشاطه التلقائي الخاص نشاطا من أجل آخر ، ونشاطا لآخر ، والحيوية تضحية بالحياة ، وانتاج الموضوع فقدانا للموضوع لصالح قوة غريبة، لصالح شخص غريب – فسندرس الآن علاقة هذا الشخص الغريب عن العمل والعامل بالعمال والعمل وموضوعه .
وينبغي أولا ان نلاحظ ان كل ما يبدو في العامل نشاطا للانسلاب ، للاغتراب، يبدو لغير العامل كحالة من الانسلاب ، من الاغتراب .
وثانيا أن موقف العامل الفعلي العملي في الانتاج ومن الناتج (كحالة ذهنية) يبدو لغير العامل الذي يواجهه كموقف نظري .
وثالثا ان غير العامل يفعل ضد العامل كل ما يفعله العامل ضد ذاته، لكنه لا يفعل ضد ذاته ما يفعله ضد العامل .




تنقل بين الموضوعات
الموضوع السابقة دور الفرد فى التاريخ --بليخانوف كتاب أزمة مصر الحقيقية الموضوع السابقة
تقييم 1.89/5
تقييم: 1.9/5 (81 تصويت)
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع